في غزة، لا تقاس الساعات بدقات العقارب، بل بعدد الشظايا والنزيف، فالوقت هناك ليس ترفاً، بل هو الحد الفاصل بين الحياة والموت، أو بين جسدٍ مكتمل وأطرافٍ تُبتر قسراً الطفلة “حبيبة العسكري” لم تكن مجرد ضحية أخرى للقصف، بل ضحية لبيروقراطية الحصار و”جريمة تأخير العلاج” التي جعلتها تدفع ثمن الوقت من لحمها وجسد الصغير.
بعد إصابتها في غارة استهدفت مكان نزوح عائلتها، كانت “حبيبة” بحاجة ماسة وعاجلة لنقلها إلى مستشفى متخصص أو تحويلها للعلاج في الخارج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جسدها الغض، لكن الأيام مرت ثقيلة، وبقيت المعابر مغلقة والتحويلات الطبية معلقة في قوائم الانتظار الطويلة.
ومع كل ساعة تأخير، كان الالتهاب و الغرغرينا ينهشان جسد حبيبة الصغير وحين وصل دورها أخيراً، كان الوقت قد فات، واستسلم الأطباء للواقع المرير فخرجت حبيبة من غرفة العمليات وقد فقدت يديها وإحدى قدميها.
أحلام مبتورة.. كيف تلعب طفلة بلا يدين؟
حبيبة، التي كانت تمسك ألعابها و أقلامها ببهجة كأي طفلة في عمرها، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد ومؤلم، كيف ستمسك بفرشاة الأسنان؟ كيف ستضم والدتها؟ وكيف ستمشي نحو مستقبلها بقدم واحدة؟ عيناها المليئتان بالذهول والوجع تلخصان مأساة آلاف الأطفال في غزة الذين لم تقتلهم الصواريخ مباشرة، بل قتلت أطرافهم سياسة المنع والمماطلة الطبية.
تقول والدتها بنبرة يملؤها القهر لـ”القصة” : “ابنتي لم تفقد أطرافها في اللحظة الأولى للقصف لقد فقدتها لأن العالم تباطأ في إنقاذها كل يوم كنا ننتظر فيه الموافقة على سفرها، كان يقتطع جزءاً من جسدها حبيبة ضحية حرب، وضحية صمت كل من رأى نزيفها ولم يتحرك”.
قصة حبيبة العسكري ليست حالة فردية، بل هي تجسيد حي للإحصائيات المرعبة لوزارة الصحة، التي تؤكد أن مئات الأطفال فقدوا أطرافهم بتر جماعي نتيجة نقص الإمكانيات الطبية ومنع السفر للعلاج، إنها معركة تدمير ممنهج لأجساد جيل كامل، حيث يتحول الأطفال من مشاريع للمستقبل إلى شهود أحياء على قسوة العالم.
تقف حبيبة اليوم بوجهها الملائكي الصغير، لتكون رسالة حية و صارخة حول أهمية “شريان الحياة” المقطوع عن غزة، و لتثبت أن تأخير العلاج هو صيغة أخرى من صيغ القتل والتشويه المتعمد.