ما شهدته العاصمة مؤخرًا من مشاهد فوضى وتخريب للممتلكات العامة يثير حالة من الدهشة والاستغراب لدى كثير من المواطنين. فبعيدًا عن أي انتماءات أو مواقف مسبقة، يبقى السؤال البسيط حاضرًا: كيف يمكن أن تُقطع المقاعد وتُحطم المنشآت العامة وتُتلف الممتلكات التي أُنفقت عليها أموال من جيوب المواطنين دون أن يكون هناك ردع حقيقي يمنع ذلك؟
الممتلكات العامة ليست ملكًا لحكومة أو مسؤول أو مؤسسة بعينها، بل هي ملك للمجتمع كله. وعندما يتم تخريبها فإن الخسارة لا تقع على جهة محددة، وإنما يدفع ثمنها الجميع. لذلك يصبح من الطبيعي أن يتساءل المواطن عن دور الجهات المسؤولة عن التأمين والتنظيم، وعن أسباب غياب التدخل المبكر الذي كان من الممكن أن يمنع تفاقم المشهد ووصوله إلى هذا المستوى من الفوضى.
ومن حق أي مواطن أن يتساءل: أين كانت الإجراءات الوقائية؟ وأين كان دور الأمن أو أفراد التأمين في منع هذه التصرفات قبل وقوعها؟ وكيف تُترك منشآت وممتلكات عامة عرضة للتخريب دون تدخل حاسم وسريع يوقف العبث ويحافظ على النظام؟ فالمسألة لا تتعلق فقط بما حدث، بل أيضًا بكيفية السماح بحدوثه بهذه الصورة.
كما أن جزءًا كبيرًا من الوقائع تم توثيقه بالصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت على نطاق واسع، وظهرت فيها وجوه العديد من المشاركين في أعمال التخريب بشكل واضح. وهذا يطرح تساؤلًا مشروعًا لدى الرأي العام: إذا كانت الوقائع موثقة بهذا القدر، فلماذا لا تُعلن نتائج التحقيقات للرأي العام؟ وهل تمت محاسبة المتورطين بالفعل أم لا؟ إن الشفافية في مثل هذه القضايا لا تقل أهمية عن المحاسبة نفسها، لأنها تعزز ثقة المواطنين في أن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء.
لكن ما يثير التساؤل أكثر من التخريب نفسه هو حالة الصمت التي تليه أحيانًا. فبينما ينتظر الناس رسائل واضحة تؤكد رفض الاعتداء على الممتلكات العامة، يجدون أنفسهم أمام مشهد ضبابي لا يعرفون فيه ما إذا كانت هناك محاسبة حقيقية أم لا. وهذا يترك انطباعًا سلبيًا بأن التخريب قد لا يواجه بالجدية الكافية التي يستحقها.
وفي المقابل، يلاحظ كثيرون مفارقة يصعب تجاهلها. ففي الوقت الذي قد يواجه فيه كاتب أو صحفي أو مواطن عادي مساءلة أو عقوبات بسبب مقال رأي أو منشور يعبر فيه عن وجهة نظره، تبدو بعض أعمال التخريب المادي وكأنها لا تحظى بنفس القدر من الحسم والوضوح.
وهنا يبرز سؤال مشروع: كيف يمكن أن يصبح التعبير بالكلمات أكثر إثارة للجدل من الاعتداء على الممتلكات العامة على أرض الواقع؟
إن حماية المجتمع لا تتحقق فقط بالحفاظ على الأمن، وإنما أيضًا بترسيخ احترام القانون والعدالة والمساواة في تطبيقه. فالتخريب ليس صورة من صور التعبير، بل اعتداء على حق المجتمع كله. وفي الوقت نفسه، فإن التعبير السلمي عن الرأي يظل حقًا أصيلًا لأي مجتمع يسعى إلى التطور وتصحيح أخطائه.
إن ما تحتاجه أي دولة قوية هو رسالة واضحة لا تحتمل التأويل: الممتلكات العامة خط أحمر، والتخريب مرفوض، والرأي لا يُواجه إلا بالرأي. وعندما يشعر المواطن أن هذه المبادئ تُطبق على الجميع دون استثناء، تزداد الثقة في المؤسسات ويترسخ احترام القانون، وهو ما يحتاجه المجتمع أكثر من أي وقت مضى.