أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

وسط البلد.. المباني شواهد الأفكار

د. وائل زكي

قد تخطئ الروايات، وتختلف الشهادات، وتضيع الوثائق، لكن المباني باقية؛ لا تروي ما أراد الناس أن يقولوه، وإنما ما استطاعوا أن يبنوه. لهذا تصبح عمارات وسط البلد أكثر من مجرد مبانٍ؛ إنها شهادات مادية على أفكار تجلّت في عقول من آمنوا بها، وعلى مجتمع احتضنها، وعصر ما زال قائمًا فيها بعد أن غاب أصحابه. فهي لا تشهد على تاريخها وحده، بل تشهد على الأفكار التي أنشأتها، والإنسان الذي آمن بها، والعصر الذي احتضنها. ولهذا فإن قراءة المبنى ليست قراءة للحجر والطوب والزخارف، وإنما قراءة لحضارة كاملة تجسدت فيه.

المباني، يا صديقي، لا تُقرأ كما تُقرأ اللوحات الفنية؛ فاللوحة يكتمل معناها لحظة يفرغ الرسام منها، أما المبنى فلا يكتمل يوم يُشيَّد، بل يظل يكتب تاريخه مع كل من يسكنه، ويستعمله، ويغيره، ويحافظ عليه أو يهمله. ولذلك ظل شاهدًا على الفكرة التي أنشأته، ثم أصبح، مع مرور الزمن، وثيقةً للأحداث التي مرت به.

إذا أردت أن تعرف كيف كانت الدولة المصرية تفكر في مطلع القرن العشرين، فلا تبدأ بقراءة الدساتير أو القوانين، بل قف أمام المتحف المصري وقصر عابدين؛ فالأول يحفظ ذاكرة الأمة، والثاني يجسد انتقال مركز الحكم إلى القاهرة الحديثة، وكلاهما يروي كيف كانت الدولة تبحث عن مؤسسات تعبّر عن شخصيتها الجديدة. فلم يعد يكفي أن تكون القاهرة عاصمة للحكم، بل كان عليها أن تصبح أيضًا عاصمة للعلم والثقافة والذاكرة الوطنية. وكان انتقال مقر الحكم إلى قصر عابدين إيذانًا بانتقال مركز الدولة من القلعة إلى المدينة الحديثة، في حين جاء المتحف المصري شاهدًا على فكرة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الدولة الحديثة لا تصنع مستقبلها إلا إذا أحسنت حفظ ماضيها.

أخبار ذات صلة

ترامب وهرمز
مقابل مضيق هرمز.. ترامب يبدي مرونة سرية لإنهاء الحرب مع إيران
علما روسيا وسوريا
مذكرة تفاهم سورية روسية تعيد تنظيم الوجود العسكري في حميميم وطرطوس
IMG-20260809-WA0035
طارق الرفاعي يكتب: فخ الضجة الإعلامية حول الطروحات العامة الأولية

ولعل ما يلفت النظر أن المتحف المصري، على الرغم من احتوائه أعظم آثار الحضارة الفرعونية، لم يُشَيَّد على الطراز الفرعوني، وهي مفارقة تعبّر عن رؤية حضارية عميقة. فالدولة لم تكن تسعى إلى إعادة إنتاج الماضي، وإنما إلى احتضانه داخل مشروع حضاري جديد. فجاء المبنى يتحدث لغة المدينة الحديثة، لا لغة المعابد القديمة. وقد صمّم المعماري الفرنسي مارسيل دورنون المتحف بعد فوزه في مسابقة دولية، فجاء المبنى بروح أكاديمية متأثرة بالكلاسيكية الأوروبية، هادئة ومتزنة، لا تنافس ما تحتضنه من آثار، بل تترك لها الصدارة؛ وكأن العمارة هنا لم تكن هي المعروض، وإنما الإطار الذي يقدّم حضارة عمرها آلاف السنين إلى العالم بلغة القرن العشرين.

إذا أردت أن تعرف كيف أصبحت المدينة تُعاش، لا مجرد أن تُسكن، فلا تبدأ بإحصاء السكان أو عدد المتاجر، بل اجلس أمام جروبي أو ريش؛ فستكتشف أن المدينة ليست مباني وشوارع، وإنما حياة يومية تنسجها اللقاءات والأفكار والثقافة والتجارة معًا. لم يكن ظهور جروبي مجرد نجاح لمقهى أوروبي، ولم يكن ريش مجرد مكان يجتمع فيه الأدباء والسياسيون؛ فقد أصبحت المدينة نفسها جزءًا من الحياة اليومية، وصار اللقاء الاجتماعي والثقافي والاقتصادي عنصرًا من عناصر العمران، لا نشاطًا منفصلًا عنه.

ولهذا اكتسبت تلك المباني قيمتها مما احتوته من حياة؛ ففي جروبي تداخلت التجارة مع الذوق العام، وفي ريش تداخل الفكر مع السياسة والأدب. كان قصر عابدين والمتحف يمثلان دولة تعرف عن نفسها، أما جروبي وريش فيمثلان مجتمعًا يعرف عن نفسه. وبدأت المدينة تكتب شخصيتها أيضًا من خلال الناس الذين يلتقون فيها، ويتحاورون، ويستهلكون، ويبدعون، ويعيشون تفاصيل حياتهم اليومية.

وإذا أردت أن تعرف كيف أصبح الاقتصاد شريكًا في صناعة المدينة، فلا تبدأ بقراءة الميزانيات أو سجلات الشركات، بل قف أمام بنك مصر وعمارات بهلر والإيموبيليا؛ فقد أصبح المبنى يعبّر عن ثقة رأس المال في المستقبل، وعن مدينة أخذت تنظر إلى نفسها باعتبارها مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا. فجاء بنك مصر شاهدًا على صعود فكرة الاقتصاد الوطني، بينما مثّلت عمارات بهلر انتقال الاستثمار من بناء العقار إلى صناعة النسيج الحضري، ثم بلغت الفكرة ذروتها في الإيموبيليا، حيث لم تعد العمارة مجرد مشروع استثماري، بل أصبحت إعلانًا عن قدرة رأس المال المصري على إنتاج عمران حديث يضاهي كبرى مدن العالم، ويستوعب أنماطًا جديدة من السكن والعمل والحياة الاجتماعية في مبنى واحد.

وإذا أردت أن تعرف متى أصبحت القاهرة مدينة تُنتج الثقافة ولا تستهلكها فحسب، فلا تبدأ بقراءة تاريخ السينما أو المسرح، بل قف أمام سينما راديو ومترو؛ فهناك لم تعد العمارة غلافًا للنشاط، بل أصبحت جزءًا من التجربة الثقافية نفسها. ففي ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، لم تعد القاهرة عاصمة للحكم، ولا مركزًا للتجارة والاستثمار فقط، بل أصبحت أيضًا عاصمة للفن، حيث ازدهرت السينما والمسرح والصحافة والإذاعة، وتحولت وسط البلد إلى ملتقى للفنانين والمثقفين والجمهور.

فأصبحت دور العرض الكبرى جزءًا من المشهد، لا تقل أهمية عن العمارات الاستثمارية. فلم تكن سينما راديو ومترو مجرد مبانٍ لمشاهدة الأفلام، بل كانتا شاهدتين على عصر آمن بأن الثقافة ليست ترفًا، وإنما مكوّن أساسي من مكونات المدينة الحديثة. فكما عبّر المتحف عن ذاكرة الأمة، والبنك عن اقتصادها، عبّرت السينما عن وجدانها، وأصبحت واجهاتها وقاعاتها جزءًا من صورة القاهرة التي كانت تنظر بثقة إلى المستقبل.

وهكذا لم تعد مباني وسط البلد مجرد أوعية للوظائف المختلفة، بل أصبحت شواهد مادية على الأفكار التي صنعت الدولة، وشكّلت المجتمع، وحرّكت الاقتصاد، وأطلقت الثقافة. فكانت كل عمارة صفحة من كتاب المدينة، وكل شارع فصلًا من قصة القاهرة الحديثة. فالمباني لا تنتهي قصتها يوم يكتمل بناؤها؛ فكما شهدت ميلاد الأفكار، ستشهد أيضًا على ما تعاقب عليها من أحداث وتحولات.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

اللاعب المصري محمد صلاح
إلزام محمد صلاح قضائيا بالحضور لمصر 6 سبتمبر.. ما القصة؟
وحدات سكنية
سقوط الإيجار التمليكي.. من حلم الـ100 ألف وحدة إلى كابوس الـ5000 وحدة
حسين عبدالغني
حسين عبد الغني: على حماس إعلان عدم التزامها باتفاق غزة
هيكل والنصف
بماذا أضرك هيكل يا نصف؟

أقرأ أيضًا

38369f68-84ca-429d-a2d9-bdb90feea184
محمد سعد عبد الحفيظ يكتب لـ"القصة": الخلط بين الصحافة المهنية والكيانات الوهمية.. أبحث عن صاحب المصلحة!
هشام يونس
هشام يونس: صرف بدل التدريب والتكنولوجيا للصحفيين اليوم
نقابة الصحفيين
"الشئون العربية بالصحفيين" تنعى السفير الفلسطيني: كرس حياته دفاعًا عن القضية
19_2026-639167750603583377-358
نقابة السياحيين: باسم حلقة مفصول من النقابة وليس له صفة رسمية