مساحة تبادل الرأي كادت تنعدم.. والاختناق سيؤدي للتصادم
الإعلامي والصحفي يراقب نفسه كي لا يخرج عن المرسوم ويفقد حريته
النخب والقوى السياسية مقصرة.. وعليها الضغط لإغلاق ملف سجناء الرأي
الحديث عن تعديل الدستور لا يليق.. وأظن السيسي نفسه سيرفضه
إمكانية التحول الديمقراطي في علم الغيب.. ونحتاج تأهيل قبل التفكير فيه
لا يزال ملف الحريات بمصر محل اهتمام المنشغلين بالرأي العام، خصوصا في ما يتعلق بملف سجناء الرأي الذي يشهد تجاهلا في الفترة الأخيرة. كذلك حرية الإعلام والرأي والرأي الآخر. بينما يحتل الحديث عن تعديل الدستور، ومدى إمكانية حدوث تحول ديمقراطي في مصر أهمية عظمى في الفترة الحالية أيضا. “القصة” تناول كل هذه الأمور في حديثه مع السفير معصوم مرزوق، فإلى نص الحوار.
كيف ترى إدارة الدولة لملف الحريات في اللحظة الراهنة؟
لدينا وثيقة هامة جدا هي الدستور، وهو أحد أفضل الدساتير التي حملت ضمانات للحريات على اختلاف أنواعها. لكن للأسف الأمر في التطبيق فقير جدا. مساحة تبادل الرأي تتضاءل إلى درجة الانعدام، وهذا خانق للمجتمع. وعندما يحدث الاختناق سيؤدي بالضرورة إلى التصادم. هناك فهم خاطئ لتطبيق الضمانات الدستورية فيما يتعلق بالحريات. وهناك مقايضة ما بين لقمة العيش والأمن والاستقرار والحرية، لا أفهم كيف يتم الحديث عن أن من يأكل ويشرب ويعيش بأمان ليس له الحق في المطالبة بالحرية. هذا الأمر غير منطقي، فحتى الحيوانات في أوروبا هناك قوانين تضمن حرية الحركة والتنفس لها. فالاكل والأمن مسئولية المجتمع والسلطة التي تقدمه كخدمة، وليس مقابل التنازل عن حريتها.
وماذا عن حرية الإعلام والرأي والرأي الآخر؟
لدينا أجهزة كثيرة لتنظيم حرية الرأي والإعلام. تلك الجهات عليها أن ترتب الضمانات للعاملين بها للقيام بأدوارهم دون تضييق أو قيود. هذه الأجهزة على كثرتها للأسف لا تفعل أي شيء على الأرض. وربما كان رئيس الجمهورية حسن النية عندما طالب هذه الأجهزة بأ تفِّل دورها وتبحث وسائل فتح المجالات أمام حرية الرأي. الأزمة الأكبر الآن أن الوضع الراهن جعل كل صحفي أو إعلامي داخله رقيب ربما أكثر صرامة من ذاك الذي تعينه الحكومة. لأنه يعلم أن الخروج عن الخط المرسوم ربما يتسبب في فقدان وظيفته، إن لم يفقد حريته.
لكن هناك نقطة هامة يتعين علينا توضيحها، فرئيس الدولة لا يجب وضع كل شيء على أكتافه، لأنه لديه معاونيين كُثُر، وعليهم متابعة وتحقيق ما يوجه به طبقا للسلطات الموزعة عليهم. فهناك الآن وزير دولة للإعلام، على رأسها ضياء رشوان الذي كان يدير الحوار الديمقراطي العام الماضي لمدة شهور، وسمع بالضرورة كل من نادى بإتاحة مساحات أكبر من الحريات، لذلك يتعين عليه البحث في سبل تنفيذها. أتمنى ألا ينتهي العام الجاري إلا وقد فُتِحَت مجالات أكبر ومساحات حرية أوسع. وأن يجد حديث الرئيس السيسي طريقه للتنفيذ.
رأيك في تجاهل ملف سجناء الرأي مؤخرا؟
أنا كفرد أتحدث عن هذا الملف كلما تمكنت من الحديث عنه، وهذا ما يجب أن يفعله كل من يتمكن من توصيل صوته. فما أعلمه أن هناك لجنة بها عدد من كبار المحاميين والسياسيين للعمل في هذا الملف. فلماذا لا يتحركون؟ النخب والأحزاب والقوى السياسية مقصرة، فالحرية لا تعطى طواعية، ولكن بالضغط والتعبير عن ضرورة إخراج سجناء الرأي من محبسهم. لدينا أيضا أحزاب عليها عامل، وبرلمان به مئات الأعضاء لابد من تدخله في هذا الأمر، ورفع الأصوات من داخله للحديث عن المحبوسين، الذين بينهم شيوخ لا يوجد مبرر لحبسهم، وليس من مصلحة أحد أن يموتوا في السجن. هذا الملف قد طال الحديث عنه، ولابد للجنة التي شُكلت بقرار حكومي، وتحت أعين أجهزة الأمن والدولة أن تضغط من أجل الإفراج عن المحبوسين. وأظن أن هناك قوائم للمحبوسين موجودة بالفعل، لكن لا يوجد ضغط من المجتمع السياسي من أجل تفعيل خروجهم.
هل يمكن للسلطة أن تستجيب للضغط وتطلق سراحهم؟
طبعا، لكن لابد أن تتكاتف كل القوى من أجل تحقيق هذا الأمر. على الأحزاب أن تشارك، وألا تسمح لنفسها بأن تظل صامتة أمام هذا الملف. كذلك يتعين على القواعد الشعبية الضغط على نوابها، فلا يمكن القبول بالمعيشة في مجتمع يحبس الناس بسبب رأيها، هذا الأمر يدين المجتمع أكثر مما يدين السلطة، فالسلطة تستخدم الأمان والاستقرار ذريعة كي يستمر حبس أصحاب الرأي أو السجناء السياسيين، لكن المجتمع عليه الضغط بالتعاون مع القوى السياسية لإغلاق هذا الملف.
ما موقفك من الحديث عن تعديل الدستور؟
منذ 2016 أتحدث عن هذا الأمر، وعن ترزية القوانين وتاريخ الدستور المصري وما تعرض له وما تسببت فيه التعديلات بالنسبة لمصر. ففي عام 1930 حاول رئيس وزراء مصر تعديل دستور 1923 الذي كان أحسن الدساتير الموجودة، وبالفعل حقق مراده. لكن الشعب ثار رافضا التعديل، ما أدى إلى إسقاط الحكومة وعودة دستور 1923 مجددا. وفي عام 1980 غيَّر السادات دستور 1971، وأُلغي النص القائل بتحديد مدة الرئاسة بفترتين فقط، مما يسمح برئاسة مفتوحة المدة. لكن شاءت الأقدار باعتيال السادات في العام التالي للتعديل.
ثم في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك جاء تعديل المادة 76 من أجل جمال مبارك، وتم تفصيلها كي لا تليق الرئاسة إلا به، ووُصِفَ التعديل وقتها بـ”الخطيئة الدستورية”، كذلك في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي أعلن إعلانا دستوريا لم يدم إلا شهور، من نوفمبر 2012 إلى يونيو 2013، وحدثت ثورة 30 يونيو، ليؤكد التاريخ أن محاولات تعديل الدستور يسكنها لعنة ما، ولا يحاول أحد التلاعب في الدستور لغرض ما إلا وفشلت أغراضه.
وهناك أمر لابد من التأكيد عليه، وهو أن الدساتير هي قوانين طويلة الأمد، وتعديل المادة الدستورية ينبغي أن يكون أمر شديد الصعوبة، لأنها مؤشر لحركة المجتمع خلال فترة من السنوات. لذلك؛ علينا أن نعي أن الأصوات الراغبة في تعديل الدستور تريد إفساد الحياة السياسية، ليس فقط على المصريين ولكن على الرئيس نفسه. خصوصا أنه تحدث عن تداول السلطة. ولا أعتقد أن السيسي يوافق على تعديل الدستور، والحكم على المجتمع بأنه عاقر لا يوجد به من يستطيع تقلد الحكم. فالحديث عن تعديل الدستور لا يليق.
هل يمكن حدوث تحول ديمقراطي بمصر؟
الإمكانية في علم الغيب. والأقرب إلى الحقيقة أن هذا السؤال يشبه التساؤل عن مدى إمكانية أن يلعب رجل مُسن مثلي الجمباز.
كيف ننتقل لدولة ديمقراطية آمنة؟
نحتاج الكثير من الوقت، فلابد من إجراء تعديلات كثيرة، قبل الحديث عن التحول الديمقراطي. تعديلات لها علاقة بالتعليم ونشر الوعي وعدم تغييب المواطنين ونشر الثقافة. والبدء بتعليم أطفالنا الديمقراطية وكيفية التعامل بها وإنجاحها كي ننجح كدولة ونستطيع التغير للأفضل. كذلك من ضمن الأمور الهامة عدم التلاعب في الدستور، والاتجاه لتغيير القوانين التي تستلزم التعديل مثل قانون الانتخابات، وقانون مباشرة الحياة السياسية. هذه الأمور الصغيرة عندما توضع إلى جانب بعضها تؤدي إلى تحول ديمقراطي على المدى البعيد، فالأمر لا يحدث بين يوم وليلة، لكنه يتطلب الكثير من العمل والجهد وترسيخ الفكرة بين جموع الشعب.
نحتاج للعديد من الضوابط للوصول للشكل الديمقراطي الأمثل. فالديمقراطية هي الوسيلة الحقيقية الوحيدة التي اختارتها البشرية لتقدم المجتمع. ورغم أن خبراء السياسة في العالم قالوا أن الديمقراطية ليست أفضل نظام سياسي على الإطلاق، لكنها لازمة من أجل الانفتاح وتحرير العقل. فهو أمر لا يتم إلا عبر الإحساس بالتحرر من كل القيود.