لا تخوض نقابة الصحفيين معركة الكيانات الوهمية وانتحال الصفة، باعتبارها مخالفة دستورية وقانونية وحسب، وإنما لأن انتشار هذه الظاهرة وتمددها يؤثران سلبا في قوة المهنة ومكانتها، ويفقدانها تأثيرها، فتصبح كل معلومة أو خبر يُطرح عبر منصاتها محل شك، وكل رأي أو وجهة نظر محل طعن.
إن انتشار هذه الكيانات على مدار السنوات الماضية، وتحولها إلى ظاهرة للنصب والابتزاز، واستغلالها أحلام الشباب الراغبين في الحصول على فرصة عمل في مجال الإعلام، أساء إلى مهنة الصحافة وصورتها ومكانتها في المجتمع.
فالخلط المتعمد بين الأدعياء وبعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم صحفيين، أفقد المجتمع الثقة في كل من ينتسب إلى هذه المهنة، التي آمنا،قبل أن نلتحق بها، بأنها “رسالة وليست تجارة“، كما علمنا الرائد الكبير أمين الرافعي.
وهنا يبرز خط فاصل وحاسم بين فئتين؛ الأدعياء ومنتحلو الصفة، ممن يكتفون بحمل كارنيهات وهمية لتحقيق منافع شخصية دون ممارسة حقيقية للمهنة، وهؤلاء يتوجب علينا، كجماعة صحفية، وعلى باقي الجهات الحكومية والقضائية، مواجهتهم بحسم، واتخاذ كل الإجراءات النقابية والقانونية بحقهم.
في المقابل، هناك شباب الصحفيين الذين يمارسون المهنة بالفعل في المؤسسات الصحفية المختلفة، ولم يلتحقوا بعد بجداول النقابة؛ هؤلاء يمثلون مستقبل الصحافة، ولهم كل الحق في الدعم والمساندة والدفاع عن حقوقهم المهنية، وفتح الطريق أمامهم للانضمام إلى النقابة وفقا للقواعد والقانون.
فحماية الجسد الصحفي تقتضي مواجهة الدخلاء بكل قوة، بالتوازي مع احتضان الممارسين الحقيقيين للمهنة؛ فلا يجوز أن نساوي بين من يمارس المهنة في مؤسسات خاضعة للقانون والقواعد، وبين من يتخذ من اسم الصحافة وسيلة للنصب أو الابتزاز أو تحقيق منافع شخصية.
الحقيقة أن المسألة تتجاوز حدود الكيانات الوهمية ومنتحلي الصفة، إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الصحافة نفسها ودورها في المجتمع: “من المستفيد من حالة السيولة التي أصابت المجال الصحفي، ومن الخلط بين الصحافة المهنية وبين منصات تفتقر إلى أبسط قواعد العمل الصحفي، وصفحات السوشيال ميديا التي يمكن لأي شخص أن يقدم نفسه من خلالها باعتباره صحفيا؟“.
لا يمكن تجاهل أن بعض الأطراف والجهات بالدولة تجد في هذه الحالة مصلحة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ فغياب الصحافة المهنية، واختلاط الحابل بالنابل، والجد بالهزل، والممارس الحقيقي للمهنة بالمنتحل، يضعف واحدة من أهم أدوات المجتمع في الرقابة على أداء الحكومة ومؤسسات الدولة، ويعفي المسؤول من ملاحقة الرقيب المهني القادر على مساءلته وكشف أي قصور أو خلل في في أدائه.
الصحافة الجادة ليست خصمًا للدولة، بل هي إحدى أدوات حماية المجتمع ومؤسسات السلطة معًا، حين تقوم بدورها في كشف الفساد، ومساءلة المسؤولين، ونقل صوت المحكومين، ووضع أداء المؤسسات العامة تحت رقابة الرأي العام.
أما إغراق المجال العام بمنصات تافهة، أو السماح بتمدد كيانات وأشخاص لا علاقة حقيقية لهم بالمهنة، ثم تقديمهم للمجتمع باعتبارهم صحفيين، فيؤدي في النهاية إلى النتيجة الأخطر؛ ألا وهي فقدان الناس ثقتهم في الصحافة نفسها، وهجرهم لها، حتى يصبح المسؤول بلا رقيب حقيقي أو حسيب، وتتحول الرقابة الشعبية إلى مجرد شعار.
ومن هنا، فإن معركة نقابة الصحفيين ضد الكيانات الوهمية وانتحال الصفة ليست دفاعًا عن كارنيه أو جدول نقابي، وإنما دفاع عن معنى المهنة ووظيفتها في المجتمع، وعن حق المواطنين في صحافة مهنية ومسؤولة تستطيع أن تسائل وتحقق وتكشف وتحاسب.
في كتابه “أسرار صحفية“، وصف شيخ الصحفيين حافظ محمود حملة القلم بأنهم “القضاة الذين يكشفون الحقيقة ويحاكمون الطغاة في محكمة التاريخ“.
نقيبنا الأسبق الراحل اعتبر أن الصحافة هي أقرب المهن إلى الجهاد الوطني والسياسي؛ فدورها في الرقابة على الحكام والمسؤولين، والدفاع عن المحكومين، والتصدي للاستبداد والفساد، هو أحد الأسس التي تستند إليها أي أمة تسعى إلى بناء نهضة حقيقية.
أخيرا؛ لا يجوز للمهنة التي وضع آباؤها المؤسسون قواعدها وأرسوا تقاليدها أن تتحول إلى منصات يستغلها البعض للادعاء والابتزاز، أو أن يصبح انتحال صفتها بابًا للتربح على حساب سمعتها ومكانتها وثقة المجتمع فيها.
لذا فإن الدفاع عن الصحافة المهنية ليس معركة تخص الصحفيين وحدهم، وإنما معركة تخص المجتمع كله؛ فالمجتمع الذي يفقد صحافته الجادة، يفقد واحدة من أهم أدواته في معرفة الحقيقة ومساءلة السلطة والدفاع عن مصالحه.