خلف أسوار التجمع الخامس الهادئة، لم يكن المال مجرد مدخرات داخل منزل، ولا السبائك الذهبية مجرد مقتنيات ثمينة، بل تحوّلا، وفق روايات وتحليلات خبراء، إلى محور لجريمة انتهت بمقتل أسرة كاملة عُرفت إعلاميًا بـ “مذبحة التجمع” ومقتل “زوج وزوجة وابنتيهما” على يد صديق مقرب من الأسرة.
في هذه الواقعة، لا تبدو صدمة الجريمة مرتبطة فقط بوحشية ما حدث، وإنما بمن يقف خلفها والدائرة التي تحرك فيها. فحين يعرف الجاني تفاصيل حياة ضحاياه، وطبيعة معيشتهم، ومصادر دخلهم وما يملكونه، تصبح الثقة نفسها جزءًا من الخطر.
وبينما تنظر التحقيقات والقضاء إلى الوقائع من زاوية قانونية، يحاول خبراء علم الاجتماع وعلم النفس تفسير ما وراء الجريمة: كيف يمكن للطمع والغيرة والمقارنة المادية أن تتجاوز حدود الرغبة في المال، لتصل إلى استهداف أسرة بأكملها؟
حين تنكسر الثقة
يرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن جرائم الثقة وخيانة الدائرة المقربة من أكثر أنواع الجرائم صدمة للمجتمع، لأنها لا تستهدف غرباء، وإنما تستغل “أعمق الروابط الإنسانية وأكثرها حميمية مثل الصداقة الطويلة والمعرفة الدقيقة بتفاصيل الحياة الشخصية”.
ويقول صادق إن هذه الحوادث الدموية لا يمكن فهمها باعتبارها نتيجة للطمع اللحظي فقط، وإنما تعكس تحولات أعمق في العلاقات الشخصية، إذ تتحول الجريمة إلى “نتاج معقد للضغوط الاقتصادية والمقارنة المادية المستمرة”.
وبحسب أستاذ علم الاجتماع السياسي، فإن الضغوط الاقتصادية لا تعمل بمعزل عن المقارنة الاجتماعية. فالإنسان، في كثير من الأحيان، يقيس وضعه بما يملكه الآخرون، ومع اشتداد الضائقة المالية ومشاهدة شخص قريب يعيش في مستوى مادي أفضل، قد يتحول الشعور بالنقص تدريجيًا إلى غضب مكتوم.
ويشير صادق إلى أن معرفة الشخص بتفاصيل ثروة صديقه أو قريبه قد تجعل الطمع أكثر قابلية للتحول إلى خطة، إذ “يعاد تعريف الصديق لمجرد مصدر محتمل للثروة وليس إنسانًا يستحق الاحترام”، وهنا تبدأ الحدود الأخلاقية في التراجع أمام الرغبة في الوصول إلى المال.
من الغيرة إلى العدوان
لكن تأثير الجريمة لا يتوقف عند لحظة وقوعها، وفق صادق، إذ تمتد تداعياتها إلى العلاقات داخل المجتمع نفسه.
فما يسميه علم الاجتماع بـ”رأس المال الاجتماعي”، والمتمثل في شبكات العلاقات والثقة المتبادلة، يتعرض للاهتزاز عندما تقع جريمة داخل دائرة يفترض أنها آمنة.
ويقول صادق إن اختراق الروابط القوية داخل الدوائر المقربة يخلق “حالة من الشك الوقائي”، ويدفع الأفراد إلى الانعزال والتحفظ والمبالغة في إخفاء تفاصيل حياتهم، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الثقة والاستثمار العاطفي والاجتماعي في العلاقات.
ومع ذلك، لا يرى صادق أن الحل هو التخلي عن الثقة أو التعامل مع كل قريب باعتباره مصدر تهديد، وإنما تحقيق توازن بين حسن النية والحذر.
ويؤكد أهمية “فصل الثقة العاطفية عن التدبير المالي والعملي”، وعدم الإفصاح عن التفاصيل الدقيقة للمدخرات إلا لمن ثبتت أمانته، إلى جانب وجود تواصل واضح داخل الأسرة ومراقبة الأنماط السلوكية المقلقة، مع استخدام وسائل الحماية والتوثيق المناسبة.
ماذا يقول علم النفس؟
من زاوية أخرى، يرى الدكتور أحمد فخري، خبير علم النفس، أن جريمة التجمع الخامس تتجاوز في دلالاتها حدود السرقة التقليدية، خصوصًا مع مقتل جميع أفراد الأسرة.
وفي تصريحات خاصة لـ”القصة”، يقول فخري إن الدافع الظاهر عند النظر إلى الواقعة للمرة الأولى يتمثل في “السرقة والحصول على المال والطمع لاقتناء السبائك الذهبية”، وهو دافع معروف في جرائم السرقة بمختلف أساليبها.
لكن فخري يتوقف عند نقطة أخرى يراها أكثر دلالة، وهي استهداف جميع أفراد الأسرة، وليس رب الأسرة وحده، باعتباره مالك المال والسبائك الذهبية.
ويشير إلى أن هذا الأمر، في سياق تحليله النفسي، قد يعكس “النية المبيتة لدى الجاني ورغبته في فناء جميع أفراد الأسرة”، بما يتجاوز مجرد الرغبة في الاستيلاء على المال.
ويضيف أن السلوك يعكس مشاعر عدائية مبيتة، وأن الجريمة لا تبدو، في قراءته، مجرد محاولة لتجريد الأسرة من ممتلكاتها، وإنما ترتبط أيضًا برغبة في الانتقام الشامل.
الجاني من داخل الدائرة
يؤكد فخري أن هذا النوع من الجرائم غالبًا ما يرتبط بأشخاص قريبين من محيط الضحايا، أو ممن سبق لهم التعامل معهم ومعرفة تفاصيل حياتهم.
فالجاني، بحسب تفسيره، لا يدخل إلى الجريمة وهو يجهل ضحاياه، وإنما يكون قد درس «أسلوب معيشة الضحايا بدقة»، وتعرف على مصادر دخلهم، وحدد جوانب القوة والضعف لديهم، قبل أن يبدأ في تنفيذ خطته.
وهنا تصبح المعرفة التي يفترض أن تكون أساسًا للثقة وسيلة يمكن استغلالها في التخطيط للجريمة.
ويرى فخري أن الصدمة التي تتركها مثل هذه الجرائم لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء حالة الحزن والقلق التي تعقبها، وإنما يجب أن تتحول إلى فرصة لمراجعة بعض أنماط التعامل داخل المجتمع.
ويشدد في هذا السياق على أهمية الحفاظ على الخصوصية المالية، قائلًا إن هناك درجة من السرية لابد من توافرها لدى الأشخاص تخص مصادر الدخل والراتب”، معتبرًا أن هذه المعلومات تدخل ضمن خصوصية الفرد ولا ينبغي أن تكون متاحة للجميع.
ويختتم فخري تحليله بالتأكيد على أن “غالبًا ما توقعنا العواطف النبيلة في مشكلات معقدة”، وأن حسن النية والانفتاح المفرط قد يجعلان الإنسان عرضة للاستغلال، لذلك تصبح الحيطة والحذر ضروريين في بعض التعاملات لحماية الفرد وأسرته.
الجريمة في ميزان القانون
أما من الناحية القانونية، فيرى سعيد هيكل، الخبير القانوني، أن الواقعة تشكل جناية قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد مقترنة بجنايات أخرى.
وفي تصريحات خاصة لـ”القصة”، يقول هيكل إن المتهم “لم يرتكب جريمة وليدة اللحظة، بل فكر ورتب خطته وأعد أدوات القتل”، لافتًا إلى استدراج الأب أولًا ثم أفراد الأسرة على فترات، وهو ما يرى أنه يؤكد توافر عنصري سبق الإصرار والترصد.
ويشير هيكل إلى المادة 230 من قانون العقوبات، التي تنص على أن “كل من قتل نفسًا عمدًا مع سبق الإصرار على ذلك أو الترصد يعاقب بالإعدام”.
ولا يتوقف الأمر، وفق الخبير القانوني، عند جريمة القتل، إذ يرى أن هناك جنايات أخرى مرتبطة بها، من بينها الشروع في سرقة أموال الضحايا بالإكراه، واحتجازهم بصورة غير قانونية، وحيازة سلاح ناري وإطلاق أعيرة نارية في مكان مأهول.
ويستند هيكل إلى المادة 234 فقرة 2 من قانون العقوبات، التي تنص على الحكم بالإعدام إذا تقدمت جريمة القتل أو اقترنت بها أو تلتها جناية أخرى.
هل توجد مساحة للرأفة؟
يرى هيكل، وفق المعطيات التي عرضها، عدم وجود ظروف مخففة يمكن أن يستند إليها الدفاع، موضحًا أن المتهم أتى أفعاله “عن إرادة وإدراك ووعي”، وأن التخطيط للجريمة والتخلص من الجثث بعد ارتكابها، بحسب تقديره، يؤكدان سلامة قواه العقلية والنفسية.
كما يشير إلى عدم وجود عناصر استفزاز أو دفاع شرعي من جانب الضحايا، الذين يقول إن المتهم استدرجهم ثم غدر بهم.
وبناءً على ذلك، يرى هيكل أن العقوبة التي تنتظر المتهم هي الإعدام شنقًا، وفق التكييف القانوني الذي يراه منطبقًا على الواقعة.
لكن الخبير القانوني لا يكتفي بتحديد العقوبة، إذ يطالب بتعديل تشريعي على قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية، يتضمن تحديد فترة زمنية قصيرة للفصل في مثل هذه الجرائم المروعة، إلى جانب العقوبة، ومصادرة أموال المتهم.
في النهاية، تكشف جريمة التجمع الخامس، وفق قراءات الخبراء الثلاثة، عن أكثر من واقعة قتل بدافع المال. خلف الجريمة أسئلة عن الثقة، والخصوصية، والمقارنة الاجتماعية، وحدود المعرفة التي نمنحها لمن حولنا.
فالأموال قد تكون الهدف الظاهر، لكن الطريق إليها، كما تكشف تفاصيل الواقعة وتحليلات الخبراء، مرّ عبر علاقة ومعرفة وثقة تحولت من مساحة يفترض أن تمنح الأمان إلى مدخل للجريمة.