الصحافة الورقية تعاني سكرات الموت
لم يعد للصحافة الورقية أسطوات أو صنايعية
الحديث عن الحرية وحدها لا يكفي في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة
الصحافة مهنة لن تموت ولكن الوسائط تتغير
الأجيال الجديدة أصبحت أكثر ارتباطًا بالمنصات الرقمية
سقف الحرية عامل مهم لكنه ليست الوحيد لتطوير المهنة
المواقع الصحفية نفسها بدأت تواجه تحديات جديدة
عقد مؤتمر لمناقشة آليات تطوير الصحافة الورقية ضرورة
لم تعد الصحافة الورقية تقف أمام تحدٍ عابر، بل أمام لحظة مفصلية تعيد فيها تعريف دورها ومكانتها في المشهد الإعلامي المتغير، فمع صعود المنصات الرقمية وتسارع إيقاع الأخبار، لم يعد السؤال فقط عن قدرة الصحف على منافسة السرعة، بل عن القيمة التي يمكن أن تقدمها في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع خلال ثوانٍ.
وبين أزمة اقتصادية فرضت نفسها على المؤسسات الصحفية، وتحولات في عادات القراءة، وتساؤلات حول جودة المحتوى، يبرز سؤال جوهري: هل تواجه الصحافة الورقية نهاية حتمية، أم أنها تبحث عن صيغة جديدة للبقاء؟
في هذا الملف، يناقش “القصة” واقع الصحافة الورقية من زوايا متعددة، بداية من أسباب أزمتها، مرورًا بتحولات نموذجها الاقتصادي والمحتوى الذي تقدمه، وصولًا إلى فرص استعادتها لدورها كمنصة للتحليل العميق وصناعة الوعي، لا مجرد ناقل للأخبار.
قال طلعت إسماعيل، مدير تحرير جريدة “الشروق”، في تصريحات خاصة لـ “القصة” إن الحديث عن بقاء الصحافة الورقية في المعادلة الإعلامية أصبح أقرب إلى تجميل الصورة والحنين إلى الماضي، مؤكدًا أنه يرى أن الصحافة الورقية تعاني سكرات الموت، وهو الرأي الذي يردده منذ أكثر من عشر سنوات.
وأضاف أن كل من تولوا مسؤوليات صحفية ومهنية خلال السنوات الماضية لم يقدموا نموذجًا عمليًا حقيقيًا لتطوير شكل ومضمون ما تقدمه الصحف، مشيرًا إلى أن الحديث عن الحرية وحدها لا يكفي في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة التي تفرض أشكالًا إعلامية جديدة.
وقال: “نحن نعيش مرحلة إرهاصات لأشكال إعلامية جديدة لم تستقر بعد، ولا يكفي الحديث عن الحريات من دون وجود خريطة واضحة للتطوير المنشود”.
وأوضح إسماعيل أن تأثير الصحافة الورقية في المعادلة الإعلامية اليومية يشهد تراجعًا كبيرًا، خاصة في المنطقة العربية، لافتًا إلى أن مقارنة أرقام التوزيع الحالية بما كانت عليه قبل عشر سنوات تكشف حجم التراجع الفادح.
وأشار إلى أن الأزمة لا ترتبط فقط بتغير الوسائط، وإنما أيضًا بعدم تطوير الصحفيين لأدواتهم وأشكال الكتابة، قائلًا: “نحن كصحفيين لا نحاول تطوير أدواتنا، وما زلنا نعمل بالطريقة نفسها كل يوم، حتى تراجعت المهنة ولم يعد بها الأسطوات والصنايعية”.
وأكد أن الصحافة باعتبارها مهنة لن تموت، لكن الوسائط التي تقدم من خلالها تتغير باستمرار، مشيرًا إلى أن الصحافة الورقية ستظل في حالة تراجع ما لم يصاحب الحديث عن تطويرها خطوات عملية حقيقية.
وأضاف أن المواقع الصحفية نفسها بدأت تواجه تحديات جديدة مع ظهور منصات وأشكال إعلامية أكثر تطورًا، وهو ما يؤكد أن التطوير يجب أن يشمل مختلف الوسائط الإعلامية، وليس الصحافة الورقية فقط.
وانتقد إسماعيل اقتصار النقاشات المهنية على القضايا التقليدية، مشيرًا إلى أن المؤتمر الأخير الذي عقدته نقابة الصحفيين لم يتطرق إلى تطوير أشكال الكتابة وأساليب العمل الصحفي، رغم أهميتها في مواجهة التحولات الحالية.
ودعا إلى عقد مؤتمر يضم رؤساء التحرير ومديري التحرير والمتخصصين لمناقشة آليات تطوير الصحافة الورقية ووضع رؤية عملية لاستعادة جزء من تأثيرها، موضحًا أنه إذا كان تأثيرها اليوم لا يتجاوز 10%، فيجب البحث عن وسائل ترفعه إلى 20%.
وحول مستقبل جمهور الصحافة الورقية، قال إن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر ارتباطًا بالمنصات الرقمية، لكن استعادة جزء من القراء تظل ممكنة إذا ارتفع سقف الحرية، ونجح الصحفيون في تقديم محتوى وأشكال صحفية أكثر جاذبية، مؤكدًا أن سقف الحرية عامل مهم لكنها ليست العامل الوحيد، إذ لا بد أيضًا من تدريب الصحفيين على الأشكال والصيغ الصحفية الجديدة التي تواكب تطور وسائل الإعلام.