تطور خطير يفاقم مأساة الإبادة المستمرة التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي؛ استيقظ قطاع غزة على وقع ضربة جديدة تمثلت في توقف شركة «مكوروت» الإسرائيلية عن تزويد القطاع بكميات المياه المشتراة. ويعد هذا الإجراء التعسفي إعلانًا رسميًا بتفعيل حكم الإعدام بالعطش على مئات الآلاف من النازحين. إغلاق هذه الخطوط يفقد القطاع فجأة شريانًا حيويًا طالما اعتمد عليه، ليترك السكان في مواجهة جفاف محتمل، وتسقط ورقة التوت الأخيرة عن سياسة خنق الغزيين وجعل بيئتهم مستحيلة وطاردة للحياة، كما يأتي ذلك بعد تصريحات المتطرف بن غفير بشأن نيته وحكومته تفعيل خطة تهجير الفلسطينيين من القطاع بعد نجاحهم في الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر المقبل.
في بداية الخليقة كان الماء سر الوجود، ومفتاح الحياة الذي اختزله القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. لكن في قطاع غزة، تعمدت آلة الحرب الإسرائيلية قلب هذه المعادلة الربانية، لتحوّل الماء، بانعدامه أو بتلوثه، إلى سلاح صامت وفتاك. ومع توقف إمدادات شركة «مكوروت» الإسرائيلية، تكتمل أركان الجريمة المركبة: عطش يفتك بالأجساد، ومياه ملوثة تزرع الأوبئة في ما تبقى منها، والدفع نحو التهجير القسري.
تناقص حصة الفرد
تشير تقارير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة المياه الفلسطينية إلى أن حصة الفرد في قطاع غزة كانت تقارب 84 لترًا يوميًا قبل حرب الإبادة، وهي أصلًا دون الحد الأدنى الموصى به من منظمة الصحة العالمية، والبالغ 100 لتر يوميًا. وفي خضم التدمير الشامل، تراجعت الحصة إلى ما بين 3 و5 لترات يوميًا لكافة الاستخدامات. أما اليوم، فإن حصة الفرد من مياه الشرب الآمنة تنحدر فعليًا في مناطق واسعة من القطاع، ليدفع السكان قسرًا نحو استهلاك مياه غير صالحة للآدميين لمجرد البقاء على قيد الحياة.
انهيار شامل لمصادر الإمداد المائي
بقرار «مكوروت» الأخير، يكون قطاع غزة قد فقد مصادره المائية الثلاثة بشكل شبه كامل، في إمعان متعمد في الإبادة:
- شركة «مكوروت» الإسرائيلية: كانت تضخ للقطاع كميات مشتراة تبلغ حوالي 15 مليون متر مكعب سنويًا، ما يعادل قرابة 47 إلى 50 ألف متر مكعب يوميًا، عبر خطوطها الرئيسية. واليوم، تحولت هذه الخطوط من اتفاقيات ملزمة إلى أداة ابتزاز وعقاب جماعي بقطعها جزئيًا أو كليًا خلال سنوات حرب الإبادة، أو نهائيًا كما يحدث حاليًا.
- محطات التحلية: انحسر عمل محطات التحلية ليقتصر حاليًا على محطتين فقط تعملان بشكل جزئي في دير البلح، هما محطة الجنوب ومحطة البصة. في المقابل، توقفت تمامًا محطات حيوية كبرى عن العمل، وعلى رأسها محطة السودانية شمال غزة ومحطة خانيونس، مما أفقد القطاع ملايين اللترات من المياه النقية.
- الآبار الجوفية: وهي المصدر الأساس والتاريخي للقطاع، والذي تعرض لحملة تدمير ممنهجة؛ حيث وثقت التقارير تدمير قوات الاحتلال لأكثر من 200 بئر جوفي بشكل كلي أو جزئي، مما شل قدرة البلديات على استخراج المياه وتوزيعها على السكان.
خسارة الآبار العذبة
تتجلى واحدة من أقسى فصول المعاناة في العزل القسري لأفضل مصادر المياه الجوفية. فقد أدت سيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلي على مساحات واسعة من قطاع غزة، لا سيما في الشرق والشمال والجنوب، إلى وقوع عشرات الآبار المركزية في المنطقة الصفراء، تقدر بنحو 40 إلى 50 بئرًا رئيسيًا، تحت السيطرة الإسرائيلية؛ وبالتالي خرجت عن الخدمة. وهذه الآبار المحيدة قسرًا كانت تعد الأفضل جودة، وبخروجها عن الخدمة أُجبر السكان على الاعتماد الحصري على الآبار الواقعة غربي القطاع بمحاذاة الساحل، والتي تعاني من تداخل مياه البحر فيها، مما يرفع نسب الملوحة (الكلورايد) إلى مستويات كارثية.
كارثة التلوث المزدوج
تؤكد التقارير البيئية أن نسبة التلوث في المياه الجوفية بقطاع غزة قاربت اليوم نسبة 198%، وهذا التلوث هو تلوث كيميائي وميكروبيولوجي مميت. فمع تدمير شبكات المياه وتوقف محطات المعالجة، طافت مياه الصرف الصحي في الشوارع وحول خيام النازحين، وتغلغلت إلى الشبكات المهترئة والآبار المتبقية، ليجد الغزيون أنفسهم مضطرين إلى استخدام وشرب مياه اختلطت فعليًا بمياه الصرف الصحي.
سلاح العطش في ميزان القانون الدولي
إن إقدام الاحتلال على إغلاق محابس المياه، وتدمير الآبار والشبكات ومحطات التحلية، لا يمكن قراءته كأضرار جانبية للحرب، بل هو انتهاك صارخ وجريمة حرب مكتملة الأركان وفقًا لمرجعيات القانون الدولي:
- القانون الدولي لحقوق الإنسان: ينتهك هذا الحرمان بشكل مباشر «الحق في الحياة» و«الحق في الصحة»، فضلًا عن «الحق في الحصول على مياه الشرب المأمونة والنظيفة»، والذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة كحق إنساني أساسي لا غنى عنه للتمتع الكامل بالحياة.
- القانون الدولي الإنساني: تحظر المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 صراحةً «مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين»، وتذكر بالاسم «مرافق الشرب وشبكاتها». كما يفرض القانون على القوة القائمة بالاحتلال واجب ضمان توفير الإمدادات الطبية والغذائية والمائية للسكان.
- اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية (1948): يتطابق استخدام «سلاح العطش» بشكل حرفي مع نص المادة الثانية (الفقرة ج) من الاتفاقية، والتي تعرّف الإبادة بأنها «إخضاع الجماعة عمدًا لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا».
إن صمت المجتمع الدولي أمام استخدام الماء كأداة لإهلاك مئات الآلاف من المدنيين يعد انهيارًا للمنظومة الحقوقية العالمية، فالجريمة في قطاع غزة اليوم لم تعد مجرد نزاع سياسي أو عسكري، بل هي اختبار أخير لمدى صلاحية القوانين الدولية، وتحرك المجتمع الدولي عن صمته، وحماية حق الإنسان البديهي والأول: شربة ماء لا تحمل معها الموت، ومحاسبة مجرمي الحرب ومن أعطاهم الأمر على ما يقترفونه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية.