ما الفرق بين الشهادة والوثيقة؟ الشاهد والشهادة هما جزء من توثيق حدث ما، أما الوثيقة فهي أكثر شمولًا، فقد تحوي عدة شهادات ومستندات ووقائع لتوثيق حدث أو حقيقة ما، أو يمثل كل ذلك مبررات لقرار ما تشمله تلك الوثيقة.
وكنا قد وصلنا إلى أن المباني شواهد الأحداث، وإذا بها تصبح وثائق الأحداث. فحين يكتمل المبنى تبدأ حياته، وحين تستقر فيه وظيفته تبدأ ذاكرته. والمباني التي كانت شواهد على أفكار نشأتها، خرجت من عباءة الأفكار إلى شهادة الأحداث؛ دخلها ناس وخرجوا منها، وتغير ملاكها وسكانها وأنشطتها، ومرت أمامها مظاهرات كما مرت أمامها مواكب، وازدهرت ثم عانت، وأضاف كل عصر إلى حجارتها ولبناتها سطرًا جديدًا، حتى تحول الشاهد مع الزمن إلى وثيقة.
وأصبحت مباني وسط البلد لا تخبرنا فقط كيف فكّر من أنشأوها، بل ماذا فعل التاريخ وأحداثه بها. وإن بقيت الواجهات كما هي، مع ظهور تجاعيد الزمن عليها، فقد سطّر في كيانها أحداثه ووقائعه. وبعد تحليل لما مر به وسط البلد من أواخر الأربعينيات حتى أواخر الخمسينيات، نجدنا أمام ثلاثة أبعاد أو مراحل متداخلة مر بها وسط البلد.
حين مر التاريخ أمام المبنى
البعد الأول، حين كان التاريخ يمر أمام المبنى، في العقود التي سبقت منتصف القرن العشرين، حين كانت مباني وسط البلد قد استقرت في مواقعها ووظائفها، لكن العالم من حولها لم يكن مستقرًا بالقدر نفسه.
فقد عاينت القاهرة حربين عالميتين، وكانت الثانية أشد حضورًا في شوارعها. امتلأت الفنادق والمقاهي ودور السينما بالجنود والزائرين، وانتعشت التجارة والحياة الليلية والثقافية، وأصبح وسط البلد مسرحًا يلتقي فيه المحلي بالعالمي.
وفي الوقت نفسه، كانت الحركة الوطنية تنمو في المقاهي والجامعات والصحف، وتخرج إلى الشوارع في مظاهرات واحتجاجات تمر أمام المباني نفسها التي شهدت قبل سنوات ميلاد مجتمع مدني حديث. كان المبنى ثابتًا في مكانه، بينما التاريخ يتحرك أمامه، يضيف إلى ذاكرته أحداثًا لم تكن في ذهن من صممه أو بناه.
حين دخل التاريخ المباني
أما البعد الثاني، فحين لم يعد التاريخ يكتفي بالمرور، بل دخل بأحداثه إلى المباني، بعد أن ظل طويلًا عابرًا أمامها.
ففي 26 يناير 1952، تحولت شوارع وسط البلد نفسها إلى مسرح لواحد من أكثر أيام القاهرة درامية، وامتدت النيران إلى المتاجر، كشيكوريل وعمر أفندي وصالون فردي وبنزايون، والفنادق، كفندق شبرد القديم بمنطقة الأزبكية، ودور السينما، حيث احترق العشرات منها، وكان أشهرها دارا سينما راديو وميامي، والمطاعم والمقاهي التي كانت حتى الأمس شواهد على ازدهار المدينة وحداثتها، مثل جروبي والأمريكين.
لم يكن حريق القاهرة مجرد واقعة سياسية في تاريخ مصر، بل كان حدثًا عمرانيًا ومعماريًا. فللمرة الأولى، لم تعد مباني وسط البلد تراقب التاريخ، وإنما أصبحت هي نفسها جزءًا من الحدث، تحمل آثاره على واجهاتها وداخل فراغاتها، وكأن المدينة التي ظلت عقودًا تبني صورتها الحديثة رأت في ساعات قليلة جانبًا من تلك الصورة يحترق أمامها.
لم تعلن جهة عن مسؤوليتها، ولم تصل التحقيقات إلى تحديد من أحدث الشرارة الأولى في الحريق، لذلك لم نقف على الأسباب، غير أنها في مجملها سياسية. ولكن بدا أن الحريق استهدف في بدايته المنشآت الأجنبية، كالنوادي الاجتماعية الخاصة بالجاليات الأجنبية ومقار البنوك والشركات الأجنبية، ثم طال كل ما عبّر عن بذخ الحياة الحضرية في وسط البلد.
غير أن جميع ذلك كان ما بين الظهر ومنتصف الليل تقريبًا، بعد إعلان الملك الأحكام العرفية وحظر التجوال. نصف يوم فقط أتت النيران فيه على حوالي سبعمائة منشأة في وسط البلد. بدأت النيران برموز الوجود الأجنبي، ثم رموز الثراء ونمط الحياة المرفهة، كما ساهم تقارب المباني وبعض رياح يناير في انتقال النيران إلى بعض العمارات السكنية ومكاتب لشركات وعيادات ومحامين مصريين.
حين غيّر التاريخ المبنى
البعد الثالث هو ما أحدثه التاريخ من تغيير في المبنى. فبعد أشهر قليلة من صدمة الحريق، تغير النظام السياسي نفسه. لم تستيقظ مباني وسط البلد في صباح الثالث والعشرين من يوليو بواجهات مختلفة، بل بتحولات كان لها تأثيرات عمرانية هذه المرة، أعمق نفاذًا إلى داخل المباني.
فخلال سنوات تالية، في أعقاب ثورة يوليو 1952، حدثت تغيرات سياسية واقتصادية، كالحراسة والتأميم وخروج قطاعات من الجاليات الأجنبية وتحولات الملكية العقارية وتشريعات الإيجارات. فلم يعد التاريخ يمر أمام المبنى، بل دخل إليه وأثر فيه؛ دخل في صك ملكيته، وهوية مالكه وساكنه، ووظيفته، وعائده الاقتصادي، ومن ثم قدرته على الصيانة والاستمرار.
ومع تغير ما وراء الواجهات من ساكنين واستعمالات، كان طبيعيًا أن تتغير بعض الواجهات مع الزمن. ومع تبديل بعض الاستعمالات، قُسمت بعض الوحدات الكبيرة، وتغير سكان العمارات وتركيبتهم الاجتماعية، وتراجعت في حالات كثيرة العلاقة الاقتصادية التي كانت تربط عائد العقار بصيانته وتطويره.
وهكذا لم يعد المبنى القديم يؤدي بالضرورة الدور الذي أنشئ من أجله، ولم يعد يسكنه المجتمع نفسه الذي صُمم لاستقباله، فبدأت التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تترك أثرها العمراني المرئي على المكان.
وهكذا أصبحت عمارات وسط البلد وثائق تاريخية؛ قد تحمل واجهة المبنى فكرة من عشرينيات القرن الماضي، ومدخله يدوّن ذكرى من الأربعينيات، وملكيته أثرًا من الخمسينيات، واستعماله تحول بعد ذلك بسنوات.
ولم يكن كل عصر يمحو ما سبقه ليبدأ من جديد، وإنما كان يضيف طبقة جديدة، حتى أصبح وسط البلد سجلًا مفتوحًا يمكن أن نقرأ في مبانيه كيف تغيرت مصر نفسها.
فالمبنى الذي بدأ شاهدًا على فكرة، تحول مع الزمن إلى وثيقة للأحداث، وكلما تعاقبت عليه الأزمنة أضافت إلى وثيقته سطرًا جديدًا، في الملكية والسكان والاستعمال والحالة، حتى أصبحت مباني وسط البلد لا تحفظ فقط قصة نشأتها وتطورها، بل تحمل في داخلها أيضًا تاريخ ما جرى للمكان من تحولات.