أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

“وادي الملاك” و”بحر البقر” حضر الموت وغاب أطفال وشباب العمالة الموسمية بمزارع الإسماعيلية

 

ثلاثاء هادئ يسبق العاصفة

مع بزوغ الفجر، يجتمع عمال قريتي «وادي الملاك» و«بحر البقر» بمحافظة الشرقية في انتظار السيارات التي تنقلهم إلى مواقع عملهم غير المنتظمة. أغلبهم يعرف بعضهم بعضاً منذ سنوات؛ إخوة وأقارب وجيران نشأوا معاً وتجمعهم مواقف يومية، يمر وقت الانتظار تارة بالكلام وتارة بالسمر قبل أن تتحرك السيارات. بعضهم يكون في طريقه لبدء ورديته، بينما يستعد آخرون للعودة بعد انتهاء يوم عمل شاق.

أخبار ذات صلة

حالة الطقس
طقس الإثنين خريفي..والعظمى بالقاهرة 29
متصدقش
نبيه الجنادي: انتهاء التحقيقات مع محرري "متصدقش" بعد 12 ساعة.. واتهامات بالانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة
متصدقش
المحامي إسلام سلامة: انتهاء التحقيقات مع "عمر هلال" صحفي "متصدقش"

انتهت الوردية وحان وقت العودة إلى المنازل؛ الطريق مألوف، وصندوق السيارات جزء من روتين اعتادوه في رحلة تتكرر يومياً من أجل “يومية” تتراوح بين 100 و150 جنيهاً. لكن هذه المرة، لم يصل الجميع إلى منازلهم؛ ففي غضون دقائق قليلة تحوّل الطريق إلى ساحة فقد ترك فيها البعض زملاء وأقارب دم، وعادت منها «صباح حسن» –إحدى الناجيات من الحادث– إلى منزلها وهي تحمل معها مشاهد مرعبة من تلك الرحلة.

لحظة النجاة ليست نهاية الأمر

مر الثلاثاء ثم الأربعاء وحل الخميس، وظل الحادث حاضراً في البيوت التي فقدت أبناءها، وفي ذاكرة من نجوا منه. بيوت لم تفقد فرداً واحداً، بل انفرط فيها عقد عائلات بأكملها دفعة واحدة؛ فبين الوفيات ستة أشقاء لم يعودوا، وتوأم، وولدا عمومة خرجوا معاً فجراً وغابوا للأبد.

في أحد المنازل، تنتظر أسرةٌ أشخاصاً لن يفتحوا بابها مرة أخرى. وفي منزل آخر، تحاول ناجية استيعاب أنها عادت بينما لم يعد معها رفاق طريقها إلى العمل. وفي مكان ثالث، يفكر عامل في يوم العمل التالي؛ فالحاجة الملحة للحصول على قوت اليوم لا تتوقف بالضرورة لمجرد وقوع حادث.

100 أو 150 جنيهاً.. هذا هو المقابل الذي يخرج من أجله هؤلاء العمال إلى يوم جديد من العمل في رحلة تبدأ من البيت وتنتهي بالمزرعة ثم تعود بهم عبر الطريق نفسه. لكن بالنسبة إلى العامل الذي يعتمد على يوميته، لا تبدو المسألة اختياراً بين طريق آمن وآخر خطر؛ فهناك عمل ينتظر، وبيت يحتاج إلى المال، ويومية لن يحصل عليها إذا لم يذهب.

ولهذا، لم يعد حادث «الدواويس» بالنسبة إلى الناجين وأسر الضحايا مجرد خبر عن تصادم وعدد من الوفيات والإصابات، رغم أنه تحول خلال ساعات إلى حديث الشارع المصري، وتوالت حوله مواقف المسؤولين والسياسيين وتفاعل معه الناس. فوراء كل ذلك بقيت تفاصيل أصغر لا تظهر في بيانات الحوادث الرسمية: كيف يعود الناجي إلى حياته؟ كيف تستيقظ أسرة فقدت عائلها في اليوم التالي؟ وماذا يفعل العامل الذي يعرف أن الطريق الذي يسلكه كل يوم شهد موت زملائه، لكنه لا يستطيع ببساطة أن يتوقف عن العمل؟

هنا تبدأ الحكاية التي لم تنتهِ بانتهاء الحادث.

رحلة العودة المقطوعة

لم تكن «صباح» تعرف أن الصوت الذي دوّى فجأة في طريق العودة سيعيد ترتيب حياتها كلها. كانت ابنة العشرين عاماً قد أنهت ورديتها في مزرعة الفول السوداني، وجلست في السيارة مع أبناء قريتها العائدين إلى «وادي الملاك»، وإلى جوارها كانت تجلس «رحمة» (أخت زوجها)، يتبادلون أطراف الحديث كأي رحلة عودة أخرى.

على غفلة، سمعت انفجاراً وكانت السيارة تتأرجح بحرّة، لم تعرف «صباح» بعدها ماذا حدث؛ تتذكر فقط أنها تطايرت على الأرض ممسكة بيد أخت زوجها ثم غابت عن الوعي. وعندما فتحت عينها، كانت داخل مستشفى القصاصين، وكان أول سؤال خرج منها عن «رحمة»: «سألت عليها قالوا لي حالتها خطرة في أبو خليفة ولسه في العناية لحد دلوقتي».

هنا تنتهي لحظة الحادث بالنسبة لصباح، لكن لا تنتهي الحكاية؛ فبعد عدة أيام وحينما تتعافى، تعرف «صباح حسن» أنها حتماً ستعود إلى العمل، ليس لأنها نسيت ما حدث ولا لأنها لم تعد تخاف الطريق، وإنما لأن وراءها طفلين وزوجاً يعمل باليومية في مجال البناء، يوماً يجد فيه عملاً وعشرة لا يجد.

ستعود «صباح» إلى العمل، لكن الطريق لن يعود كما كان: «لو مشيت تاني على الطريق ده هخاف ما أشوفش عيالي تانيزي ما كنت خايفة يوم الحادثة وهفتكر الحادثة».

استمرار المأساة على أسفلت «الدواويس»

لم تكن «صباح» وحدها التي عرفت أن الطريق لن يعود كما كان. في المكان نفسه، كان «محمد البعلي» –أحد سكان منطقة الدواويس– شاهداً قبل أذان الظهر بنحو ربع ساعة على الفاجعة المروعة، يتابع سيارات الإسعاف وهي تصل واحدة تلو الأخرى إلى موقع الحادث؛ أكثر من 40 سيارة توافدت إلى المكان من عدة اتجاهات (الإسعاف الصحراوي، المحسمة، أبو صوير، التل الكبير، والقصاصين)، تتسابق البرتقالية منها لإنقاذ المصابين، بينما تنقل الصفراء من فارقوا الحياة.

بحسب ما رواه «البعلي»، فإن الحصيلة انتهت إلى 18 شخصاً لم يعودوا إلى بيوتهم، و32 آخرين خرجوا من الرحلة بإصابات متفاوتة. لكن ما رآه «محمد» في صباح اليوم التالي للحادث كان أكثر قسوة من زحام سيارات الإسعاف نفسها: «الأربعاءالصبح كان في حد منزل عربية محملة أنفار بنفس الشكل.. يعني تاني يوم الحادثة على طول».

وكأن شيئاً لم يكن، عاد العمال إلى الرحلة نفسها في سيارات تحملهم عبر طريق يعرف أهله أنه غير ممهد في أجزاء كبيرة منه؛ فطريق «الدواويس» يبدأ بوصلة غير ممهدة لمسافة تقارب 3 كيلومترات من بداية طريق (مصر – الإسماعيلية الصحراوي)، تمتد على جانبيها الأراضي الزراعية حتى نقطة الشرطة الأولى، قبل أن تتحول إلى كتلة سكنية وخدمية لمسافة كيلومترين آخرين تمتلئ بالحياة اليومية المتداخلة: سيارات، وأشخاص يعبرون، وتكاتك، وجرارات زراعية، وسيارات عمال تسير بسرعات عالية.

بالنسبة لـ «البعلي»، لم يكن طريق «الدواويس» غريباً عن الحوادث؛ فهو يتذكر أنه منذ شهر فقط وقع حادث اصطدمت فيه شاحنة كبرى (تريلا) بمحل للمأكولات الشعبية وامتدت آثار التصادم إلى البيوت، وقبلها دهس جرار زراعي طفلة صغيرة. ويقول البعلي باختصار مؤلم: «كل يوم بتحصل حادثة»، مسترجعاً محاولات الأهالي المتكررة لمناشدة المسؤولين بشأن صلاحية الطريق، بينما ظل العمال يقطعونه مرغمين للوصول إلى المزارع والمصانع، وكأن أقدامهم لا تملك خياراً آخر.

في النهاية، وحدهم هؤلاء العمال يعرفون أن الحكاية لم تبدأ يوم الثلاثاء ولن تنتهي عند أسفلت «الدواويس» الملطخ بالدماء؛ فيغادرون بيوتهم مع دقات الفجر الأولى يتركون أطفالهم خلف أبواب موصدة على الأمل، والبعض يرسل أطفاله لدعمه أمام قسوة الحياة، ويمضون جميعهم نحو أرزاقهم في رحلة محفوفة بالموت، وكأن القدر كتب عليهم أن يظلوا دائماً معلقين على حافة الطريق.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

1790974129526
ابتسامة المؤثر.. كيف يبيع «الترند» دواءً لا يعرفه أحد؟
411
الأزمات تحاصر إثيوبيا.. 4 جبهات تضغط على آبي أحمد
2bd89ad9-e367-478e-9604-f5d7c29abe89
حسام مؤنس يكتب: "صباحي" مرشحاً للرئاسة في 2014.. لماذا وكيف؟ ( 1-2)
images (1)
عيادة بلا طبيب.. كيف يجد منتحلو الصفة طريقهم إلى المرضى؟

أقرأ أيضًا

مجلس النواب
النواب يحسم تشكيل هيئات مكاتب اللجان.. من يقود الملفات الأهم في الدور الجديد؟
سجناء الرأي - أرشيفية
من "أخبار كاذبة" لـ"جماعة إرهابية".. ما عقوبات الاتهامات التي توجهها النيابة للصحفيين؟
30507479-c409-4b1f-8cb6-d576f4938f7b
الدكتور ماهر عبدالقادر يكتب: حرب أكتوبر 1973 والعاشر من رمضان.. زلزال جيوسياسي
نقابة الصحفيين
قيد صحفي المواقع الإلكترونية بـ”الصحفيين”.. هل من مَخرَج؟