في غمرة السعي الهادئ، بعيداً عن صخب البحث عن الشهرة الزائفة، تخرج أحياناً قصص نجاح تفرض نفسها لتصنع تاريخاً جديداً هذا ما فعلته الرسامة المصرية الشابة “روان صلاح”، ابنة الإسكندرية، التي استيقظت لتجد اسمها يتردد في أروقة واحدة من أعرق الجوائز الفنية الدولية بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، كأول فنانة مصرية يتم اختيارها ضمن القائمة النهائية لأفضل 8 رسامين على مستوى العالم.
روان لم تكن تنتظر معجزة، بل كانت تؤمن بـ “قانون السعي” بدأت رحلتها بقرار جريء ومجنون في لحظة امتحان “الفاينل” بكلية الفنون الجميلة، لتتحول من رسوم النشر إلى التصوير الزيتي، ومنها انطلقت لتعرض أعمالها في باريس، ونيويورك، وصولاً لتصميم جدارية ماراثون الرياض بالسعودية.
في حوار خاص لـ”القصة”، لم نتحدث فيه فقط عن الألوان والفرشاة، بل عن الهوية، والمسؤولية، وحلم الفتاة العربية المحجبة التي كسرت الصورة النمطية لتثبت أن الفن الحقيقي يفرض نفسه بأصالته.
أغرب قرار في حياة روان
نبدأ من البداية التي شكلت روان.. اخترت تخصص “التصوير الزيتي” في لحظة درامية وبقرار مفاجئ أثناء امتحان الفاينل بالكلية، رغم أن هدفك كان “رسوم النشر”.. لماذا هذه المخاطرة؟
بالفعل، كان هذا أغرب وأجرأ قرار اتخذته في حياتي كنت محددة طريقي وهدفي في رسوم النشر، لكن في لحظة اختيار الشعبة في الامتحان الأخير، شعرت أنني بحاجة لاكتساب خبرة أكاديمية مختلفة وقوية في التصوير الزيتي بجانب دراستي، حتى لا يقال بعد تخرجي أنني مجرد رسامة عادية، أردت أن أثقل موهبتي بشكل أكاديمي صلب من هنا بدأت الرحلة، واكتسبت خبرة في سوق العمل بالإسكندرية، ثم انطلقت إلى القاهرة، ومنها إلى السوق الخليجي والعربي حيث عملت كمصممة رقمية Digital Artist مع شركات دولية، وكان من أبرز التحديات الفنية لي رسم الجدارية الخاصة بماراثون الرياض الأخير بالتعاون مع مبادرة “خيوط الثقافة” التابعة لهيئة المتاحف بالسعودية.
كواليس الـ Video Call الصادم
دعنا ننتقل إلى كواليس الترشيح للجائزة العالمية في كاليفورنيا.. الخبر لم يأتي عبر إيميل تقليدي، بل حمل الكثير من الإثارة.. احكي لنا ماذا حدث؟
الخبر لم يصلني بسهولة أبداً “ميسز جو” مديرة المنصة والجائزة حاولت الاتصال بي هاتفياً من مكتبها عدة مرات، لكن لأن الرقم دولي لم تنجح الاتصالات بعد ذلك أرسلت لي ايميلا عاجلاً تطلب فيه التواصل معي فوراً عبر تطبيق “زوم” دخلنا الاجتماع “فيديو كول”، وفوجئت بها تخبرني أنه تم اختياري ضمن القائمة القصيرة النهائية لأفضل 8 رسامين في العالم، وأن اللجنة ستعلن قريباً عن الفائزين بالجائزة الذهبية Golden Prize لثلاثة رسامين وثلاثة مؤلفين، كون المسابقة تجمع بين الكتابة والرسم للمستقبل.
في تلك اللحظة كنت مصدومة تماماً وغير مستوعبة أنا مؤخراً كنت أركز فقط على السعي أقدم في مسابقات ومعارض كثيرة دون انتظار نتيجة محددة، لأنني أؤمن أننا مطالبون بالسعي والنتيجة بيد الله الصدمة الأكبر كانت عندما أخبرتني “جو” أنني أول فنانة مصرية تصل لهذه المرحلة في تاريخ الجائزة.
الفن ليس “استعراض عضلات”
شاركتي في المسابقة بثلاثة أعمال فنية مختلفة تماماً.. ما هي الرسالة المشتركة التي تحاولي إيصالها من خلال لوحاتها للعالم؟
رغم أنني لا أستطيع الإعلان عن تفاصيل الأعمال الثلاثة حالياً لضمان نزاهة الفرز و عدالته حتى النهاية، إلا أنني يمكنني القول إنها تحمل نفس الرسالة التي أتبناها في كل أعمالي: الدفاع عن المرأة العربية والأطفال أرى أن هذه الفئة هي الأكثر احتياجاً لمن يتحدث عنها وعن معاناتها، لأن صوتهم غالباً لا يكون مسموعاً بشكل كافي.
أثناء نقاشي مع “ميسز جو”، قلت لها بوضوح: “أنا لا أحب أن أصنع مجرد لوحة شكلها جميل.. أنا أريد لمن يرى شغلي أن يشعر بالمعنى، أن يلمس ألم المعاناة، وأن يرى هوية حقيقية”، الفن بالنسبة لي ليس مجرد “استعراض عضلات” أو إبراز مهارات قوية في التكنيك والرسم، بل هو رسالة وهوية، وهذا تحديداً ما كان نقطة قوتي أمام لجنة التحكيم الدولية.
تحدثتي عن تبنيكِ الواضح للقضية الفلسطينية في أعمالك الفنية.. كيف ينعكس ذلك على لوحاتك؟
بشكل أساسي، الثقافة العربية والبيئة المصرية والفلسطينية هي أكثر العوامل التي أحاول تجسيدها في شغلي شعرت أن هذه الهوية غائبة ومفتقدة في رسومات الكثير من الفنانين الحاليين هناك تكنيكات قوية ومهارات رهيبة ومواضيع لطيفة، لكننا بحاجة للحديث أكثر عن ثقافتنا وهويتنا أنا أعتبر نفسي متبنية للقضية الفلسطينية وأشعر بمسؤولية كبيرة تجاهها، وأرى أن من واجب الفنان أن يعكس هموم شعبه وأمته بشكل صادق وحقيقي.
كسر الصورة النمطية في المحافل الدولية
البعض في الخارج قد يحمل صورة نمطية معينة عن المرأة العربية، و ذكرتي أن هناك من تفاجأ بوصولك.. كيف واجهتي هذا التحدي كمصرية محجبة؟
هناك انطباع دائم وصورة نمطية عند البعض بأنه لا توجد فتاة عربية محجبة يمكنها الوصول إلى هذه المنافسات العالمية الشرسة، وكأن هناك تحيزات مسبقة لكنني أقول دائماً: هذا ليس حقيقة، وهي ليست قاعدة على الإطلاق عندما تسعى وتقدم عملاً فنياً قوياً، ستجبر الجميع على الحكم عليك بمنتهى الموضوعية بناءً على قدراتك، ومهاراتك، وفنك، بغض النظر عن خلفيتك أو مظهرك وصولي كمصرية محجبة لهذه المرحلة أثبت للكثيرين ممن تواصلوا معي أن الإبداع لا تحده قيود.
هل ترين أن الرسامين والمبدعين في مصر يأخذون حقهم من التقدير والمنافسة عالمياً؟
المستوى في مصر تطور جداً، لدينا كوادر شاطرة ومبدعة للغاية وتستحق تقديراً أكبر بكثير مما هم عليه الآن المنافسة عالية جداً، ومقولة إن الأسماء المصرية غائبة عن الجوائز العالمية غير صحيحة، هناك أسماء لامعة، وعلى رأسهم أستاذي الفنان “محمد أبو الفتوح” وهو مصنف عالمياً ومن أشطر الناس في مجال الإلستريشن، وأنا شخصياً أتعلم منه الأزمة فقط أن عدداً قليلاً من الكوادر المصرية هو من يصله الشغف أو الطريق لكيفية التقديم والمشاركة في هذه المحافل الدولية.
أحلام أبعد من العالمية.. أطفال الصومال وفلسطين
قبل هذا الإنجاز، كان لكِ خطوات دولية قبلت أعمالك في “نيويورك جاليري” لتعرض في باريس، و تايمز سكوير بنيويورك، و لديكِ معرض قادم في لندن في سبتمبر.. ما هي خطوتك القادمة بعد جائزة كاليفورنيا؟
إذا وفقت وفزت بالجائزة بإذن الله، سأقوم برسم كتاب لأحد المؤلفين التابعين للجائزة، وهو ما يعني نشراً عالمياً لكن بالنسبة لي، أنا لا أرى هذه الجائزة نهاية المطاف أو أنني هكذا “وصلت للعالمية”، بل هي مجرد نقطة البداية طموحي أكبر من ذلك بكثير حلمي الحقيقي الذي تمنيته طوال حياتي ليس مجرد العمل “عن بعد” مع شركات، بل إنني أحلم بالعمل مع منظمات دولية لمساعدة الأطفال بشكل حقيقي وجسدي في المناطق المحتاجة مثل الصومال وفلسطين وغيرها، أن أساعدهم بفني وبكل ما أوتيت من قوة، لأنهم الفئة الأكثر احتياجاً لنا.
تحملين على عاتقك شعوراً كبيراً بالمسؤولية تجاه بلدك.. أخبرينا عن هذا الشعور؟
بصراحة، الموضوع يمثل لي مسؤولية كبيرة جداً تشعرني بالخوف أحياناً المسألة ليست مجرد فرحة بترشيح، بل أن أكون على قدر هذا اللقب وهذه المسؤولية لأنني أمثل مصر أنا أدعو الله ليل نهار أن أفوز بهذه الجائزة، ليس من أجلي كـ “روان”، بل لأنني أشعر أن مصر وأهلها يحتاجون للفرحة بـأي إنجاز يُرفع فيه اسم بلدهم نفسي أفرح الناس دي كلها بجد.
أخيراً.. ما هي النصيحة التي توجهها روان صلاح لكل فنان شاب يشعر أن العالمية بعيدة المنال؟
نصيحتي لكل فنان: لا تستمع إلا للصوت الحقيقي الذي بداخلك، حتى لو كان صوتاً رفيعاً و صغيراً وسط الضجيج والإحباط، صدق هذا الصوت لأنه الحقيقة اعمل ما عليك للنهاية، ولا تنتظر نتيجة محددة ربنا أمرنا بالسعي، ووعدنا بأننا سنسعى وسنجزى على هذا السعي، وهذه قاعدة كونية لا تتخلف أبداً الإحباط يأتي منا نحن عندما نسيء الظن، لكن أمضى في طريقك، ودع التوقعات العالية، واترك التدبير لصاحب التدبير أنا أعتبر نفسي في أول الطريق، وحلمي يكبر معي كل يوم، ولا أعلم إلى أين يأخذني طريقي، لكنني مستمرة في السعي.
