أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

إجابة أسرع.. تفكير أقل؟ كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل علاقتنا بالمعرفة والعمل والقرار

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، حين جلس طالب أمام شاشة هاتفه، وإلى جواره كتاب مفتوح وورقة تحمل عنوان البحث المطلوب منه تسليمه في اليوم التالي.

قرأ السؤال مرة، ثم قلب صفحات الكتاب لدقائق، بحثًا عن بداية يمكن أن ينطلق منها، توقف قليلًا، أمسك هاتفه، وفتح إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي، وكتب السؤال كما هو، لم تمر سوى ثوانٍ حتى ظهرت أمامه إجابة طويلة ومرتبة، تحمل مقدمة وعناصر وخاتمة، وتكاد تكون جاهزة للاستخدام.

قبل سنوات، كان الطريق إلى الإجابة يبدأ من الكتاب، ثم البحث، ثم السؤال، وربما الخطأ وإعادة المحاولة. أما الآن، فقد أصبح الطريق أقصر بكثير، سؤال واحد قد يكفي للوصول إلى عشرات الفقرات في لحظات.

أخبار ذات صلة

images
في توقيت حرج لمصر والسودان.. الإمارات تجدد دعمها لنظام أديس أبابا
IMG_20260924_121930
أوكرانيا تضرب العمق الروسي.. هل تقترب الحرب من أخطر مراحل التصعيد؟
الأزمة الاقتصادية في مصر
لماذا لا تشارك القوى السياسية في الخطط الاقتصادية؟

 

وهنا تغير السؤال نفسه، لم يعد: «كيف أصل إلى الإجابة؟»، وإنما أصبح: «هل هذه الإجابة تكفيني؟»

هذه اللحظة الصغيرة تلخص تحولًا أكبر يحدث في الحياة اليومية، فالذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية نسمع عنها من بعيد، وإنما دخل إلى الدراسة والعمل والبحث والكتابة والترجمة، وحتى محاولة فهم الأعراض الصحية قبل زيارة الطبيب.

 

ولم يعد هذا الحضور مجرد انطباع، فقد أظهر استطلاع أجراه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء خلال يوليو 2026 أن 65% من المبحوثين سبق لهم السماع عن تطبيقات للذكاء الاصطناعي مثل «ChatGPT» و«Gemini»، مقابل 22% في استطلاع عام 2023.

وبين من سبق لهم السماع عن هذه التطبيقات، جاء «ChatGPT» في المقدمة من حيث الاستخدام بنسبة 26.3%، بينما ذكر 10.9% أنهم استخدموا «Gemini»، وتصدر استخدام الذكاء الاصطناعي فى مجالات العمل بنسبة 51.7%، تلاه الاستخدام في الموضوعات الشخصية بنسبة 38.3%، ثم الدراسة بنسبة 32.3%.

 

والمفارقة أن اتساع الاستخدام يصاحبه قدر من الثقة في النتائج، إذ وصف 93.9% من مستخدمي هذه التطبيقات دقة المعلومات والإجابات التي يحصلون عليها بأنها «مقبولة» أو «ممتازة»، لكن هذه الثقة لا تلغي المخاوف، إذ قال 55% من المستخدمين إنهم يشعرون بالقلق بشأن مشاركة بياناتهم ومعلوماتهم الشخصية، بينما توقع 56% من المواطنين أن يؤدي تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي إلى إلغاء عدد كبير من الوظائف.

 

الأرقام لا تعني أن المصريين جميعًا أصبحوا مستخدمين للذكاء الاصطناعي، لكنها تكشف سرعة انتقال هذه الأدوات من كونها تقنية جديدة إلى وسيلة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.

ومع سهولة الوصول إلى المعلومة، يظهر سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث عندما تصبح الإجابة أسهل من البحث عنها؟ وهل يساعدنا الذكاء الاصطناعي على التفكير، أم يبدأ تدريجيًا في التفكير بدلًا منا؟

 

من المساعدة إلى الاعتماد

 

الإجابة لا تبدو واحدة عند كل مستخدم، صافي عيسوي تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي عندما تظهر أعراض معينة على ابنها، لا بحثًا عن تشخيص نهائي، وإنما لفهم الاحتمالات ومعرفة الأسئلة التي يمكن أن تطرحها على الطبيب، أو العلامات التي تستدعي عدم الانتظار، بالنسبة إليها، الأداة توفر نقطة بداية تساعدها على الفهم، لكن القرار الطبي يظل في مكان آخر.

وفي مجال السياحة، تستخدم سمر نبوي الذكاء الاصطناعي في الترجمة وصياغة رسائل البريد الإلكتروني وترتيب المعلومات المتعلقة بالبرامج السياحية، لتختصر وقتًا كان يذهب إلى مهام روتينية، لكن الأداة، مهما كانت سرعتها، لا تتعامل بدلًا منها مع السائح، ففهم الشخص الذي أمامها، والتعامل مع اختلاف الشخصيات والمواقف، ومراعاة مشاعر واحتياجات العملاء، كلها جوانب لا تختصرها إجابة مكتوبة.

ولا يقتصر الأمر على العمل أو الدراسة، فالذكاء الاصطناعي بدأ يدخل حتى في تفاصيل قرارات الشراء اليومية، ووفق دراسة «Stay Secure 2026» التي أجرتها Visa بالتعاون مع Wakefield Research، قال 91% من المستهلكين في مصر إنهم استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في التسوق، فيما استخدمها 75% منهم لمقارنة الأسعار.

وهنا تصبح الأداة جزءًا من قرار كان في السابق يعتمد على البحث الشخصي ومراجعة الأسعار وسؤال الآخرين: ماذا أشتري؟ وأين؟ وهل السعر مناسب؟

وفي التعليم، يصبح الاستخدام أكثر حساسية، أحمد حسن يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأنه مدرس إضافي، يطلب منه شرح جزء من المنهج، وإعداد أسئلة للتدريب، ثم مراجعة إجاباته وتصحيحها، هنا يمكن للأداة أن توسع مساحة التعلم بدلًا من أن تغلقها، لكن الفارق يبدأ في الظهور عندما يتغير السؤال من «اشرح لي حتى أفهم» إلى «حلها لي حتى أنتهي».

أما في بيئة العمل، فيستفيد هشام الحبشي من الذكاء الاصطناعي في توليد الأفكار وترتيب المعلومات وتوفير الوقت، لكنه يتعامل بحذر مع بيانات العملاء وتفاصيل العمل، فاختصار الوقت لا يعني أن كل معلومة يمكن وضعها أمام أداة ذكية لمجرد أنها قادرة على تحليلها.

وبين هذه الاستخدامات المختلفة، تبدو المشكلة أقل ارتباطًا بالأداة نفسها وأكثر ارتباطًا بالعلاقة التي يصنعها الإنسان معها: هل يستخدمها لكي يفهم بصورة أسرع، أم لكي يتخلص من الحاجة إلى الفهم أصلًا؟

 

«اشرح لي» أم «حلها لي»؟

يرى د. محمود بدوي، أستاذ أصول التربية، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولًا مهمًا في مفهوم التعلم الذاتي، لأنه أصبح قادرًا على الشرح والتلخيص وتنظيم المعلومات ومساعدة الطالب في الوصول إلى المعرفة بصورة أسرع، خاصة لمن لا يستطيعون الحصول على مساعدة تعليمية مستمرة.

لكن الميزة نفسها قد تتحول إلى مشكلة إذا أصبح الطالب مستهلكًا للإجابات الجاهزة، فالتعلم لا يتعلق بالوصول إلى النتيجة فقط، وإنما بالبحث والمقارنة والتحليل واكتشاف الخطأ وتصحيحه، وعندما يتولى الذكاء الاصطناعي هذه المراحل نيابة عن الطالب، فقد يحصل على الإجابة الصحيحة، لكنه يخسر جزءًا من عملية التعلم نفسها.

ومن هنا تصبح الجملة الفارقة: «اشرح لي حتى أفهم» تختلف تمامًا عن «حلها لي حتى أنتهي».

الأولى تستخدم الذكاء الاصطناعي كوسيلة للتعلم، بينما الثانية قد تحول الأداة إلى بديل عن بذل الجهد العقلي.

 

ولا يتوقف الأمر عند الطلاب، فالموظف الذي يجعل الذكاء الاصطناعي يكتب كل رسائله، والباحث الذي يطلب منه تلخيص كل المصادر دون الرجوع إليها، والشخص الذي يطلب منه اتخاذ قراراته بدلًا من مساعدته في تحليلها، جميعهم يواجهون السؤال نفسه: ماذا يبقى من المهارة عندما تتولى الآلة الجزء الأكبر من ممارستها؟

 

عندما يصبح الذكاء الاصطناعي «صديقًا»

من زاوية علم النفس، لا تكمن القضية في مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في الطريقة التي يمكن أن يتطور بها هذا الاستخدام، خصوصًا عندما تتحول الأداة من وسيلة للحصول على المعلومات إلى مساحة دائمة للتفريغ والحديث.

 

دكتور أحمد فخري، أستاذ علم النفس الإكلينيكي ورئيس قسم العلوم الإنسانية بجامعة عين شمس، يقول في تصريحات خاصة لـ«القصة»، إن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يستحق الانتباه لأنه أصبح يشارك الإنسان في عمليات معرفية وعقلية كان يقوم بها بنفسه.

ويشير إلى أن المهارات العقلية لا تظهر من فراغ، وإنما تحتاج إلى ممارسة مستمرة، من القراءة والبحث والمقارنة والمناقشة، إلى الاستنتاج وحل المشكلات واتخاذ القرار، وحتى ارتكاب الأخطاء ثم محاولة تصحيحها.

وبالتالي، فإن الحصول على إجابة جاهزة في كل مرة قد يحرم الإنسان من التدريب الذي يحتاج إليه لتطوير هذه المهارات.

ولا يعني ذلك أن استخدام الذكاء الاصطناعي يؤدي تلقائيًا إلى الاكتئاب أو القلق أو العزلة الاجتماعية، فهذه الحالات متعددة الأسباب، ولا يمكن اختزالها في عامل واحد، لكن د. فخري يلفت إلى جانب آخر يتعلق باستخدام بعض المراهقين والشباب للذكاء الاصطناعي كأنه «صديق» يشاركونه الحزن والضغوط والمشكلات اليومية.

وهنا تظهر أهمية ألا تتحول الأداة إلى بديل عن الأسرة والأصدقاء والعلاقات الإنسانية أو المتخصصين عند الحاجة، فالآلة تستطيع الاستماع والرد، لكنها لا ينبغي أن تصبح العلاقة الإنسانية الوحيدة في حياة شخص يمر بأزمة.

 

ليست كل معلومة آمنة للنشر

وبينما ينشغل البعض بالسؤال عن تأثير الذكاء الاصطناعي في طريقة التفكير، يلفت الجانب السيبراني إلى سؤال آخر: ماذا نترك خلفنا عندما نستخدم هذه الأدوات؟

وفي تصريحات خاصة لـ«القصة»، يحذر خبير الأمن السيبراني دكتور محمد محسن رمضان من التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها مساحة مناسبة لإدخال كل ما نملكه من معلومات، فالبيانات الشخصية، وكلمات المرور، وأكواد التحقق، والبيانات البنكية، والملفات الطبية، والمعلومات السرية الخاصة بالعمل والعملاء، ليست تفاصيل عادية يمكن مشاركتها لمجرد أن الأداة تستطيع تحليلها.

وتزداد أهمية هذه النقطة مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل، فالموظف قد يريد اختصار تقرير، أو صاحب العمل قد يريد تحليل ملف، لكن إدخال البيانات كاملة قد يعني كشف معلومات لا تخص المستخدم وحده.

والقاعدة هنا بسيطة: استخدم أقل قدر ممكن من البيانات، واحذف المعلومات الحساسة قبل إدخالها، وراجع النتيجة قبل الاعتماد عليها أو مشاركتها.

فالذكاء الاصطناعي لا يقدم دائمًا إجابات صحيحة، ولا يعني ترتيب الإجابة أو ثقتها في صياغتها أنها خالية من الخطأ،لذلك تظل المراجعة البشرية جزءًا أساسيًا من عملية الاستخدام، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالصحة أو المال أو العمل أو القرارات التي تترتب عليها نتائج حقيقية.

 

لا نغلق الباب.. لكن لا نسلّم له المفتاح

الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية بعيدة عن الحياة اليومية، ولن يكون الحل في تجاهله أو محاولة إبعاده عن الطلاب والموظفين والأسر، المطلوب هو بناء علاقة مختلفة معه.

أن يستخدمه الطالب لشرح فكرة لم يفهمها، ثم يحاول حل المسألة بنفسه، وأن يستعين به الباحث في ترتيب الأفكار، لكنه يعود إلى المصادر الأصلية ويتحقق منها، وأن يستخدمه الموظف لتوفير الوقت، من دون أن يتخلى عن مهاراته المهنية، وأن يلجأ إليه الشخص للحصول على معلومات أولية، دون أن يمنحه سلطة اتخاذ قرارات تمس صحته أو أمواله أو علاقاته.

فالتكنولوجيا يمكن أن توسع قدرة الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الخبرة التي يكتسبها من المحاولة والخطأ، ولا العلاقات التي يبنيها مع الآخرين، ولا المسؤولية التي يتحملها عندما يتخذ قرارًا.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

محمد صلاح
محمد صلاح بين طرابزون ومصر.. القامة واحدة والقيمة تختلف!
مشغولات ذهبية - ذهب
تراجع بقيمة 5 جنيهات.. تعرف على أسعار الذهب اليوم
من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ
أخبار الطقس اليوم
ارتفاع طفيف في درجات الحرارة.. والعظمى بالقاهرة 34

أقرأ أيضًا

حسين عبد الرحمن حمّاد
الإعلام الدولي وحرب الإبادة في غزة.. السقوط الأخلاقي في ميزان النظريات الإعلامية
65622319_605
إجابة أسرع.. تفكير أقل؟ كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل علاقتنا بالمعرفة والعمل والقرار
f319f9dd-ad4c-4d6f-a0e0-119c2983acac
جمال قرين يكتب: نقيب الصحفيين القادم
محمد الحملي
محمد الحملي يكتب: نائب الشعب في طوخ.. “جرس بيرن ومحدش بيرد”