الإصلاح السياسي الحقيقي يبدأ بفتح المجال العام
الحديث عن بناء الأحزاب أو التحالفات الآن أقرب إلى الترف الفكري
أي تحالف جديد يجب أن يؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية الحديثة
إحياء المعارضة يتطلب الخروج من نطاق مقرات وسط البلد إلى المحافظات والأقاليم
السلطة تمثل العقبة الأكبر أمام تطور الحياة السياسية
في وقت تتزايد فيه النقاشات حول مستقبل المجال العام وإمكانيات تجديد الحياة السياسية في مصر، تبرز تساؤلات جوهرية بشأن الطريق إلى إصلاح سياسي حقيقي، وأولويات العمل العام خلال السنوات المقبلة، فهل تبدأ عملية الإصلاح من بناء أحزاب قوية وقادرة على التواصل مع المواطنين، أم من تشكيل تحالفات سياسية أكثر فاعلية، أم من الانخراط في العمل المجتمعي واستعادة الثقة بين السياسة والشارع؟
في هذا الحوار، يطرح هلال عبد الحميد، رئيس حزب الجبهة الديمقراطية المصرية، رؤيته لهذه القضايا، ويقدم تصورًا لأولويات الإصلاح، وإلى نص الحوار:
من أين يبدأ الإصلاح السياسي الحقيقي؟
الإصلاح السياسي الحقيقي يبدأ بفتح المجال العام، وأن يصبح العمل السياسي حقًا مشروعًا لا تترتب عليه كلفة قد تصل إلى الحبس، وييبدأ بضمان حرية الرأي والتعبير، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وتطبيق الدستور بما يكفل للمواطنين حق تشكيل الأحزاب بالإخطار، إلى جانب وجود صحافة وإعلام حقيقيين، هذه هي الخطوات الأولى على طريق الإصلاح، حتى لو تم تنفيذها بشكل تدريجي. فالإصلاح له ثمن وقد تترتب عليه بعض المخاطر، لكن تأجيله يحمل مخاطر أكبر وأكثر تدميرًا.
ما الأولوية الآن: بناء الأحزاب أم بناء التحالفات السياسية أم العمل المجتمعي؟
في ظل ما نعيشه من غلق كامل للمجال العام، وانتخابات شكلية لا يملك المواطنون فيها حقًا حقيقيًا في اختيار ممثليهم، يصبح الحديث عن بناء الأحزاب أو التحالفات أقرب إلى الترف الفكري، ففي مثل هذه البيئة لا تنمو الأحزاب ولا التحالفات، وإنما تنمو الطفيليات السياسية فقط.
ومع ذلك، فإن بناء الأحزاب والتحالفات يظل ضروريًا استعدادًا ليوم الحقيقة الذي سيأتي يومًا ما، وأعتقد أنه ليس بعيدًا، وعندما يأتي هذا اليوم ستكون الأفضلية للأكثر تنظيمًا، ولأصحاب المواقف الحقيقية، ولمن واصلوا المقاومة السياسية حين استسلم الآخرون.
بعد أزمة الحركة المدنية الديمقراطية، هل نحن بحاجة إلى تحالفات جديدة؟
أعتقد أن أزمة الحركة المدنية الديمقراطية الأخيرة هي جزء من أزمات هيكلية صاحبتها منذ تأسيسها، فرغم نخبويتها وضعف بنيتها التنظيمية وعدم قدرتها على بناء جسور تواصل حقيقية مع الجماهير، إلى جانب شيخوخة معظم أعضاء مجلس أمنائها واتساع الفجوة بين المجلس والأمانة العامة، وتعرضها لضربات قوية بعد استبعاد وتجميد بعض مكوناتها الرئيسية إثر تحالفها مع أحزاب الموالاة في انتخابات 2020، فإن الحركة ظلت تمثل المعارضة الأكثر مصداقية.
والدليل على ذلك أن الهجوم العنيف الذي تعرضت له مؤخرًا من بعض رموز النظام وأبواقه يكشف أن القائمين على إدارة الحياة السياسية في مصر ما زالوا يرون فيها المعارضة الحقيقية، خصوصًا بعد استيعاب أجزاء من المعارضة داخل المنظومة الرسمية.
وأود هنا التمييز بين النقد الموضوعي الراغب في إصلاح الحركة، وهو نقد مشروع ومطلوب، وبين الهجوم الذي يستهدف هدم أي تجربة تحالفية قادرة على المواجهة.
كيف تقيم تجربة التحالفات الأخرى التي خرجت من رحم الحركة المدنية؟
ظهرت تحالفات أخرى من داخل الحركة، لكنها فضلت الدخول في ترتيبات انتخابية مع أحزاب الموالاة، كما حدث مع ما عُرف بـ”الحيز المتاح” ثم “الطريق الديمقراطي”، الذي ضم أحزابًا معارضة مهمة مثل المصري الديمقراطي الاجتماعي والإصلاح والتنمية والعدل، وقد سارعت بقية أحزاب الحركة إلى تجميد نشاط هذه الأحزاب، وأرى أن هذا القرار كان خاطئًا للغاية.
وشهدت انتخابات 2025 تنسيقًا غير معلن من جانب حزبي المحافظين والدستور للخروج من تحالف الحركة مقابل الحصول على عدد محدود من المقاعد البرلمانية. ولم يكن اعتراضي على مبدأ التنسيق ذاته، وإنما على غياب الشفافية وترك التحالف أثناء المعركة الانتخابية، وهو ما أضر بالحركة، كما أن اختلاف ردود الفعل تجاه هذه الوقائع كشف عن وجود ازدواجية في المعايير داخل الحركة.
إذا لم تكن هناك حاجة إلى تحالفات جديدة، فما المطلوب إذن؟
الحركة المدنية الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى إصلاح، بل إلى إعادة تأسيس شاملة. وربما تكون مصر اليوم في حاجة إليها أكثر من أي وقت مضى.
لذلك لا أؤيد الدعوات إلى هدم الحركة والبدء من الصفر، لأن هذه الفكرة أثبتت فشلها، الأفضل هو إعادة تأسيس الحركة على قاعدة تحالف مدني ديمقراطي واسع لا يقوم على الانقسامات الأيديولوجية بين اليمين واليسار والليبرالية.
فنحن لسنا أمام صراع برامج بقدر ما نحن أمام معركة من أجل الوجود السياسي ومن أجل الحق في تشكيل الأحزاب وإجراء انتخابات حقيقية، هذا التحالف يجب أن يضم كل من يؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وأن ينعكس ذلك في برامجه ومؤسساته وممارساته.
س: ما الحد الأدنى من المبادئ المشتركة الذي يجب أن يجمع أي تحالف جديد أو أي إعادة تأسيس للحركة؟
الحد الأدنى يجب أن يكون الإيمان بالدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، والدفاع عن الحريات العامة وحق التنظيم السياسي والتداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة. هذه المبادئ كافية لتشكيل جبهة واسعة، وبعد تحقيقها يمكن للأطراف المختلفة أن تتنافس ديمقراطيًا عبر صناديق الاقتراع.
إذا طُلب منك وضع خطة لإحياء المعارضة خلال خمس سنوات، فما أول ثلاث خطوات؟
أولًا، إعادة تأسيس الحركة المدنية الديمقراطية على أسس تنظيمية أكثر قوة واتساعًا.
ثانيًا، ضخ دماء جديدة في القيادة من خلال توسيع مشاركة الشباب وأبناء جيل الوسط، وإجراء عملية إحلال وتجديد حقيقية داخل البنية التنظيمية.
ثالثًا، الخروج من نطاق مقرات وسط البلد إلى المحافظات والأقاليم، والانتشار جغرافيًا وقطاعيًا داخل المجتمع المصري الحقيقي.
إذا نجحنا في ذلك، وبنينا أحزابًا قوية ومنظمة، واستعادت الحركة دورها الحقيقي، فإنها ستكون قادرة على تغيير المعادلة السياسية وفرض إصلاحات حقيقية، بما يفتح الباب أمام انتخابات رئاسية وبرلمانية ومحلية أكثر تنافسية في عام 2030.
من وجهة نظرك، ما العقبة الأكبر أمام الحياة السياسية الجديدة: السلطة أم المعارضة أم الثقافة السياسية السائدة؟
لا شك أن السلطة تمثل العقبة الأكبر أمام تطور الحياة السياسية، لكن هذا لا يعفي المعارضة من مسؤوليتها. فالمعارضة تتحمل جزءًا مهمًا من التأخر الديمقراطي بسبب ضعف بنيتها التنظيمية وغياب الديمقراطية الداخلية في كثير من أحزابها.
في أحيان كثيرة ننتقد السلطة بسبب ممارسات معينة، بينما نمارس داخل أحزابنا ما هو أسوأ منها. لذلك فإن إصلاح المعارضة لنفسها شرط أساسي لأي إصلاح سياسي حقيقي. وإذا نجحنا في تغيير ممارساتنا وأدائنا، يمكن أن نتحول من معاول للهدم إلى أدوات حقيقية للبناء الديمقراطي. السياسي، ومستقبل التحالفات الحزبية، وإلى نص الحوار: