تمثل قضايا الإهمال الطبي أحد أخطر الملفات التي تؤرق حياة المصريين، إذ قد يؤدي خطأ طبي واحد إلى إنهاء حياة إنسان، أو تركه يعاني من عاهة مستديمة.
ومن هنا جاء قانون المسؤولية الطبية في محاولة لمواجهة هذه الأزمة ومحاصرة الأخطاء الطبية، وتحقيق التوازن بين حق المريض وحماية الطبيب.
ضحايا الإهمال الطبي
شهدت الفترة الأخيرة العديد من الوقائع المؤلمة؛ كان أبرزها وفاة الطفل أدهم داخل مدرسته نتيجة إهمال واضح، سواء من إدارة المدرسة أو من الأطباء الذين عُرض عليهم، ليرحل في غمضة عين.
وعلى الجانب الآخر، غرق الطفل يوسف أثناء أداء تدريب السباحة، دون أن تتمكن فرق الإنقاذ من إنقاذه، كما لم تكن سيارات الإسعاف مجهزة بالشكل الكافي لإسعافه.
وتتكرر مثل هذه الحوادث يوميًا، دون ردع صارم أو محاسبة واضحة.
كما ظهرت في الآونة الأخيرة عدة نجمات بملامح مختلفة تمامًا عن صورهن السابقة، ما أثار جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأعرب كثير من المتابعين عن صدمتهم من التغيرات الحادة في ملامحهن، والتي أثرت سلبًا على مظهرهن الجمالي، في وقائع أُرجعت إلى انتحال صفة أطباء، أو إلى أخطاء طبية في مجال التجميل، دون رقابة حقيقية، وهو ما قد يدمّر شكل الإنسان، وأحيانًا حياته بالكامل.
180 ألف خطأ طبي سنويًا في 2022
وفقًا لإحصائيات سابقة، سُجلت نحو 180 ألف حالة خطأ طبي سنويًا، إلا أن عددًا محدودًا منها فقط يصل إلى ساحات القضاء. وتشير المعلومات إلى شطب نحو 20 طبيبًا سنويًا من جداول النقابة بسبب الأخطاء الطبية، رغم أن عددًا كبيرًا من هذه الأخطاء ينتهي بوفاة المرضى.
الحق في الدواء: غياب قانون للأخطاء الطبية
في هذا السياق، صرّح الحقوقي محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، بأن مصر عانت طويلًا من غياب قانون واضح ينظم الأخطاء الطبية.
وأضاف أن تقريرًا صادرًا عن النيابة الإدارية عام 2023، ومرفوعًا إلى رئيس الجمهورية، أشار إلى تسجيل 600 شكوى رسمية تتعلق بالأخطاء الطبية خلال عام واحد.
وأوضح فؤاد أن القانون رقم 13 جاء أخيرًا بعد استغاثات استمرت لأكثر من أربع سنوات، مؤكدًا: “لسنا ضد الأطباء، ولكن نطالب بالمحاسبة في حال وقوع الخطأ، مع حماية المريض وضمان حقه”
وأشار إلى أن القانون يُعد بداية جيدة لتنظيم العلاقة بين الطبيب والمريض، حيث حدد مسؤوليات الطبيب، والمريض، والمستشفى، والفريق الطبي، وعرّف الخطأ الطبي بشكل واضح.
وأكد فؤاد أن قانون المسؤولية الطبية وسلامة المريض يهدف إلى إنصاف المتضررين دون الإضرار بالأطباء، عبر آليات تحقيق دقيقة ومحايدة، مع تعزيز الالتزام بالأخلاقيات الطبية، وتوفير بيئة عمل آمنة للأطقم الطبية، بما يشمل الحماية من الاعتداءات والتأمين ضد المخاطر المهنية.
عقوبات الخطأ الطبي
تنص المادة (27) من القانون على معاقبة كل من يرتكب خطأً طبيًا يسبب ضررًا محققًا للمريض بغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تزيد على 100 ألف جنيه.
وفي حال الخطأ الطبي الجسيم، تكون العقوبة الحبس من سنة إلى خمس سنوات، وغرامة تتراوح بين 500 ألف جنيه ومليوني جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين.
الطاهر: تعريفات مطاطة تفتح باب التأويل
انتقد الدكتور إيهاب الطاهر، الأمين العام الأسبق لنقابة الأطباء، ما وصفه بـ”التعريف المطاطي للخطأ الطبي الجسيم”، معتبرًا أنه يفتح باب التأويل، رغم العقوبات المشددة. وأكد ضرورة وضع تعريف حصري وواضح، لتجنب حبس الطبيب نتيجة اختلاف التفسير.
وأضاف الطاهر أن القانون ألزم المنشآت الطبية بتجهيزات مناسبة للإجراءات الجراحية، وهو أمر مطلوب، لكنه أشار إلى أن مسؤولية تجهيز المنشأة يجب أن تقع على إدارتها وحدها، وليس الطبيب، مؤكدًا أن محاسبة الطبيب على تقصير إداري أمر غير منطقي.
المسؤولية الطبية مطلب منذ سنوات
من جانبها، أكدت الدكتورة منى مينا، وكيل نقابة الأطباء سابقًا، في تصريحات خاصة لـ”القصة”، أن قانون المسؤولية الطبية كان مطلبًا للأطباء منذ أكثر من عشر سنوات. وأوضحت أن النقابة بذلت جهودًا كبيرة لصياغته، والرد على اعتراضات البرلمان، بهدف الوصول إلى محاسبة علمية عادلة للطبيب والمريض.
وأضافت أن الخطأ الطبي غير الجسيم غير مقصود، لأنه ناتج عن عمل إنساني، ومع ذلك يفرض القانون غرامات على الطبيب، مؤكدة أن القانون ليس في صالح الأطباء بقدر ما يهدف إلى تنظيم المهنة وحماية جميع الأطراف.