أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

شيماء سامي تكتب: 15 عامًا على ثورة يناير.. حكاية لأول مرة أحكيها

شيماء سامي

من الميدان إلى الزنزانة.. وما زالت يناير حيّة

في الذكرى الخامسة عشرة لثورة الخامس والعشرين من يناير لا أستطيع أن أراها كتاريخٍ منتهٍ أو محطةٍ بعيدة، بل كخطٍّ ممتدّ يمرّ في الجسد والذاكرة معًا. للأرقام طنينٌ خاص في الروح؛ الرقم عشرة كان يومًا مثقلًا بالأمل والحنين، لكن الرقم خمسة عشر يحمل ثِقلًا أعمق: ثِقل زمنٍ انكسر، ووعودٍ تآكلت، وأرواحٍ تعلّقت بما لم يتحقق.

قبل حلول الذكرى العاشرة في 2021 كنت أجهّز لها منذ شهور، ليس كمجرد كتابة، بل كطقسٍ شخصيّ شبه مقدّس. كنت أتساءل: كيف نُقدّس الذكرى؟ كيف نستعيد اللحظة التي أعادت خلق الميت، ونفخت في جسدٍ خامل روحًا جديدة، فانتفض ونفض عنه كل قديم، وبُعث حديثًا كأنه يدعو إلى دينٍ جديد اسمه الكرامة؟ خططت لنصوص عديدة، وحديث طويل كنت أريد أن أكتبه مع الصديق العزيز عمرو بدر؛ أردت أن أستعيد دفء الميدان، رائحة الشارع، تلاحم الأجساد، والهتاف الذي كان يصعد من الحناجر قبل أن يصل إلى العقول. لكن الواقع جاء بخطة أخرى، أكثر قسوة، وأكثر صدقًا، وكأنه أراد أن يكتب الذكرى بدلًا مني.

أخبار ذات صلة

الزمالك
تشكيل الزمالك لمواجهة أتوهو في الكونفدرالية
IMG-20260322-WA0014
"الـ 48 ساعة الأخيرة".. هل يمحو ترامب بنية إيران التحتية من الخارطة؟
عبد الغني الحايس
عناوين الصحف ودعوة للتفاؤل

في الثالث والعشرين من يناير 2021، قبل يومين من الذكرى، نُفّذ قرار إخلاء سبيلي الصادر في السابع عشر من يناير في قضية الإرهاب الأولى. للحظةٍ تخيّلت السماء بلا قضبان، وملمس باب بيتي، وهواءً يدخل الرئتين دون خوف، لكن الباب الذي فُتح لم يكن باب الحرية بل باب رحلة طويلة من التنقّل القاسي.

نُقلت من سجن القناطر إلى مديرية أمن بنها، والطريق كان طويلًا وصامتًا داخل عربة الترحيلات؛ الحديد يهتزّ، الجسد يتأرجح، والرأس يعود بي إلى الميدان. كنت أغمض عينيّ فأرى الناس متلاصقين، أسمع الهتاف يرتفع مثل موجة واحدة: عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية، ثم أفتح عينيّ على صلابة الحديد وصرير العربة، وعلى إحساسٍ بأن المسافة ليست جغرافية فقط بل زمنية وروحية أيضًا.

عند الوصول إلى بنها وجدت جدرانًا رطبة، بردًا يعضّ العظام، ورائحة عفن خانقة؛ قضيت ليلتين هناك والوقت بدا ثابتًا كأنه متجمّد، والجسد ثقيل، والذاكرة معلّقة بين شارعٍ دافئ وزنزانةٍ متجمدة. في تلك الليلتين استدعاني لواء إلى مكتبه ومعه عميد وضابط آخر من رتبة عالية، وسألني بهدوء: من أنتِ ولماذا أنتِ هنا؟ قلت له من التعب والحنق: أنت من معك الورق. هز رأسه وقال بنبرة غير قاسية: لا.. أنتِ مختلفة، وأنا لا أصدق الورق، أنا أعرف الورق جيدًا، لكنني أريد أن أسمع منك أنتِ يا ابنتي. أخبرته أنني صحافية وأتحدث ضد النظام، فصمت لحظة ثم قال بأسف: أتمنى أن تعودي إلى بيتك سالمة، تحمّلي يومين وسأحاول استعجال ترحيلتك، لا أعرف من أخّرها حتى تبدأ مع طوارئ يناير. ابتسمت بأسف وهززت رأسي بيأس؛ لم يكن وعدًا بالحرية بل رجاءً إنسانيًا ضعيفًا داخل منظومة لا ترحم.

ومن بنها إلى طنطا عادت العربة تهتزّ بي فوق طرق لا أعرفها؛ كنت أطلّ من نافذة ضيقة فأرى ظلال مدن لم أزرها من قبل وأسأل في صمت: أين ذهب أولئك الذين هتفوا معي؟ كيف تبددوا؟ ومتى رضوا؟ في طنطا كان المكان أنظف قليلًا لكن السقف ظل سقف احتجاز، والليل ظل باردًا، والنساء حولي طيبات نتقاسم البطاطين والأنفاس، بينما داخلي عالق في صور الشهداء؛ وجوههم تمر أمامي كأنها تطاردني، وكنت أحسدهم سرًا لأنهم ماتوا قبل أن يروا ما آلت إليه البلاد، وأرجو —بخجل وقسوة— أن ألحق بهم.

فور دخولي مديرية طنطا انفجرت في شجارٍ حاد مع ضابط شاب قال لي: يا “بت”. حين أغضب أتحول إلى الفصحى، وكان ذلك واضحًا وصادمًا له؛ تراجع، دخل مكتبًا وأجرى مكالمات، ثم خرج واقترب بهدوء ومدّ لي هاتفًا وقال: على مسؤوليتي الشخصية كلمي أي حد، قولي لهم إنك هنا.. أنتِ صحافية صح؟ أجبته نعم. قال: دي على مسؤوليتي، أنتِ زي أختي، بس ما تقوليش لحد. اتصلت بوالدي —رحمه الله— وأخبرته بمكاني، وكانت تلك الدقائق القليلة لحظة إنسانية وسط العبث.

ثم انتقلت إلى إدارة الترحيلات في الإسكندرية ومنها إلى قسم سيدي جابر —نفس القسم الذي قُتل فيه خالد سعيد— لأُحتجز في غرفة تحت الأرض بلا نافذة ولا هواء ولا ضوء طبيعي. هناك كنت أستيقظ ليلًا وحدي، والدموع ملتصقة برموشي من شدة البرد حتى يصعب فتح العينين، مفاصلي متيبسة فأضم جسدي في وضع الجنين أبحث عن دفء لا يأتي، بينما يعود صدى الهتاف في داخلي كصوت بعيد: الشعب يريد إسقاط النظام. كنت أُنقل بين أمن الدولة والقسم ذهابًا وإيابًا كجسد بلا اسم أو تاريخ، وكل طريق جديد يعيدني إلى الميدان، إلى دفء الأجساد المتلاصقة، إلى زمنٍ لم يفرض فيه أحد فكرته ولا دينه على الآخر، حين كنا نحب بعضنا بلا خوف.

فجر الأول من فبراير فُتح الباب فجأة، وفي دقائق سُحبت إلى عربة الترحيلات بحجة أنني “راجعة إلى بيتي”. مررت بالقرب من البيت ورأيته من بعيد وكاد قلبي ينفجر، لكن المسار انقلب؛ أُعيد بي إلى نيابة أمن الدولة حيث أُعيد حبسي بنفس الاتهامات في قضية الإرهاب الثانية، ثم نُقلت مرة أخرى إلى سجن القناطر، فعرفت أن الخروج كان وهمًا مدروسًا لا يقل قسوة عن السجن نفسه. في اليوم التالي افتُعل شجار غريب داخل العنبر فوجدت نفسي مُحالة إلى التأديب في زنزانة لا تتجاوز مترًا ونصفًا في مترين، بلا غطاء ولا نور ولا نافذة؛ الظلام كثيف والبرد ينهش العظام، وبجواري سجينة تمدح السلطة ليلًا ونهارًا طمعًا في العفو. أضربت عن الطعام والشراب حتى وُعدت بالخروج، وفي السابع من فبراير خرجت إلى عنبر عادي لكن فُرض عليّ أن أنام على الأرض بين سريرين لتاجرتي مخدرات محكومتين بخمسة وعشرين عامًا؛ الأرض باردة وقاسية وظهري يصرخ، فعدت إلى الإضراب الكامل.

في الحادي عشر من فبراير —يوم الذكرى— كنت على حافة الإغماء؛ دخلت الحمام أترنح وتشاهدت بصوت خافت، وطلبت من الفتاة المكلفة بمراقبتي ألا تخبر عائلتي بما عانيت وأن تقول لهم إن هذا كان الأفضل والأكرم لي. جلست تحت الماء عاجزة عن الوقوف، ثم صدر أمر بإخلاء فراش لي وإعطائي بطانية دافئة كانت ملكًا لسجينة مؤبدة رحلت قبل أشهر؛ احتضنتها كمن يحتضن حياة ضاعت، وتذكرت لحظة ميلاد يناير حين كنا صوتًا واحدًا لا يعلو فيه صوت على صوت، ولا فكرة على فكرة، ولا دين على دين.

ثمانية عشر يومًا طفت خلالها بين مقار احتجاز وسجون وزنازين ومدن لم أعرفها من قبل؛ جسدي يؤلمني، البرد يأكل أطرافي، النزيف لا يتوقف، والجوع والعطش يطحنان ما تبقى من قوتي. ومع كل طريق وكل نقل كنت أعود إلى الميدان ثم أستيقظ على جدران باردة لا تسمع، حتى عدت في النهاية إلى النقطة نفسها: سجن القناطر، دائرة مغلقة من الألم ودائرة مفتوحة من الذاكرة.

واليوم، في 2025، أرى المشهد العالمي أكثر تعقيدًا وإرباكًا مما تخيلناه يومًا. عالمٌ مهووس يقوده رجل يخلق الحروب والصراعات ويظن أن أمريكا سيدة الكون وأنه الملك الأعظم الذي يجب على الجميع طاعته، وكلابه المسعورة في منطقتنا تنهش أحلامنا وثرواتنا. حروب دموية قذرة في السودان وفي فلسطين، وعالمٌ يترقب —بخوف— حربًا عالمية جديدة.

صورة شديدة القتامة والرعب، وبشرية تتآكل، ومفاهيم الحرية والاحترام والكرامة تتعرض لضربة غير مسبوقة، ليس فقط من ديكتاتوريات شرقنا الأوسط، بل من ديمقراطيات مزيفة تدّعي القيم بينما تحكم العالم بالقوة والسلاح.

ومع ذلك، وسط هذا الظلام، أعود دائمًا إلى الأصل: أن الناس مجبولون على الخير والحرية. أتذكر كل لواء وكل عميد وكل ضابط وأمين شرطة مدّ لي يد المساعدة في لحظة اعتقالي رغم خوفه من النظام الذي يفرض عليه القسوة. أتذكرهم، وأتذكر نفسي، وأذكّركم جميعًا أن البشر أصلهم الخير، وأنه لا يوجد —أبدًا— أي مبرر للسجن أو التعذيب أو إذلال الإنسان. لا تظن أن القمع ينقذ بلدًا؛ على العكس، هو ما يفتح الأبواب لكل محتل وكل طامع وكل خبيث.

المنقذ الوحيد لأي نظام هو أن يكون مع شعبه يدًا واحدة، لا سوطًا فوقه. ولنا فيما حدث في فنزويلا مثالٌ حيّ: حين يتشقق الوطن بين السلطة والناس، لا يربح أحد سوى الخارج.

هذه المرة تمرّ يناير وأنا في برلين، بعيدة مؤقتًا عن مصر —أرضي وبلدي— لكن المسافة لم تُضعف الارتعاش ذاته في القلب. أينما كنتِ، تظل يناير تسكن الجسد والذاكرة: في 2011 كنت في قلب الشارع، محاطة بالناس، دافئة بهتافٍ جماعي واحد؛ في 2021 كنت في الزنزانة المنفردة، أرتعش بردًا وأتشبث بالذكرى كي لا أنكسر؛ وفي 2026 أجلس في سريري الدافئ في برلين، محاطة بشيء من الحب والأمل، لكن يناير ما زالت هناك —في العمق— لا تغادر. تتغير الأمكنة والأحوال، لكن يناير تبقى دائمًا وأبدًا في القلب.

خمسة عشر عامًا بعد يناير أكتب لا لأبكي الماضي بل لأحفظه؛ لأن الذاكرة مقاومة، ولأن القمع يعيش على النسيان. ورغم البرد، والزنزانة، والدموع الملتصقة بالرموش، ما زلت أسمع الهتاف في داخلي وأرى الميدان وأؤمن —ولو بخيط رفيع— أن لحظة الحب الجماعي تلك لم تكن وهمًا بل بذرة ستنبت يومًا. وإن مرّت ذكرى يناير يومًا داخل الأسوار، فلتكن شاهدًا على أن يناير ليست لحظة عابرة، بل طريقًا طويلًا ما زلنا نسير فيه، حتى لو تعثرنا كثيرًا.

المجد للثورة.. والمجد للحرية.. والمجد لمصر.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

تطوير التعليم
 خريطة التعليم الجامعي تتغير.. هل تبدأ مرحلة إعادة هيكلة التخصصات في مصر؟
احتفالات العيد
العيد في زمن الغلاء.. كيف أعادت الأسعار تشكيل طقوس المصريين؟
مستويات قياسية.. سعر الذهب اليوم
تراجع طفيف لأسعار الذهب في مصر.. وعيار 18 يسجل مفاجأة
العالم
العالم على أعتاب نظام جديد.. هل تفرض القوى المتوسطة قطبًا ثالثًا؟

أقرأ أيضًا

47c211bd-acf9-49bc-bdf2-0d9ee03719f5
ضربات قاصمة واغتيالات.. هل خسرت إيران الحرب؟
IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم
الكاتبة هبة عبد العليم
الكاتبة هبة عبد العليم: تحكي عن أمها التي اشترت لها أول كتاب
محمد المنشاوي
حِرَف وحِرَفيون وبينهما زبائن!!