تشير التطورات السياسية المتسارعة والتصريحات الأخيرة الصادرة عن الإدارة الأمريكية إلى أن المنطقة قد تكون أمام تحول استراتيجي مهم، ينتقل من مرحلة التصعيد العسكري والضغوط المتبادلة إلى مسار تفاوضي ودبلوماسي قد يعيد رسم مشهد الطاقة والاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة.
الأسواق خلال الفترة الماضية كانت تسعّر مخاطر الحرب وتعطل المرور الآمن عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقارب خمس تجارة النفط والغاز العالمية، ما رفع أسعار النفط والغاز 50%، وصعد بأسعار الأغذية إلى أعلى مستوياتها منذ ثلاث سنوات؛ لذلك فإن أي إعلان رسمي عن اتفاق أمريكي-إيراني يترافق مع فتح المضيق وعودة الملاحة البحرية بصورة طبيعية، قد يغير المشهد بصورة سريعة.
في حال خرج الاتفاق بصيغته الحالية بما يعني وقف التصعيد العسكري وبدء مرحلة تفاهم سياسي، فمن المتوقع أن تشهد الأسواق انخفاضًا أوليًّا في أسعار النفط يتراوح بين 8 إلى 10% مع إزالة جزء من علاوة المخاطر الجيوسياسية التي حملتها الأسعار خلال الفترة الماضية.
أما السيناريو الأكثر تأثيرًا فيتمثل في الإعلان الواضح عن فتح مضيق هرمز وبدء العبور الآمن والمتدرج للناقلات النفطية؛ عندها قد تواجه الأسواق موجة هبوط قد تصل إلى 15% خلال الأيام التالية مع عودة الثقة التدريجية لشركات الملاحة والتأمين والشحن.
هناك عوامل إضافية قد تدفع الأسعار إلى الانخفاض بوتيرة أسرع، من بينها احتمال تسريع بعض دول الخليج وتحديدًا السعودية والإمارات معدلات الإنتاج لتعويض أي نقص سابق في الأسواق، إضافة إلى إمكانية تحرك أوبك بلس بمرونة أكبر في إدارة الحصص وتغطية حصص الإنتاج المفقودة.
عامل آخر قد يكون مؤثرًا يتمثل في الكميات الكبيرة من النفط الموجودة داخل الخليج وعلى متن الناقلات المنتظرة للعبور، إضافة إلى المخزونات الإيرانية خاصة في جزيرة خارك ومواقع التخزين الأخرى عدا المخزونات في دول الخليج ذاتها؛ وإذا قاد الاتفاق لاحقًا إلى تخفيف تدريجي لبعض القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، فقد يشكل ذلك مصدرًا إضافيًّا للضغط على الأسعار.
رغم ذلك توجد تحفظات مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار؛ فدول العالم المختلفة قد لا تتجه سريعًا لإعادة ملء احتياطياتها الاستراتيجية والتجارية المفقودة في 85 يومًا ماضية، بل قد تنتظر مستويات سعرية أدنى قبل الشراء، مما يعني طلبًا أقل لملء المخزونات مع بقاء المخزونات العالمية عند مستويات أقل لفترة أطول، وهذا يجعل الأسواق أكثر حساسية تجاه أي تطورات سياسية أو أمنية مفاجئة.
كما أن انخفاض الأسعار لا يعني انتهاء حالة القلق بالكامل، لأن تكاليف التأمين والشحن وسلاسل الإمداد لن تعود إلى طبيعتها خلال أيام قليلة، كما أن الأسواق ستراقب التطبيق الفعلي للاتفاق أكثر من مراقبتها للتصريحات السياسية.
إذا استمرت المؤشرات الإيجابية فقد يكون العالم قد تجنب الدخول إلى مرحلة خطرة للغاية كانت تهدد بارتفاعات أكبر في أسعار الطاقة والغاز والغذاء وضغوط تضخمية أوسع على الاقتصاد العالمي؛ ولكن الحديث الآن لا يتعلق بنهاية الأزمة وإنما ببداية استعادة تدريجية للتوازن، والثقة بضمان مرور آمن ومستدام في مضيق هرمز، الذي أثبت أنه صمام الأمان للاقتصاد العالمي، ولا يمكن السماح بالعبث به مرة أخرى.