حلت بالأمس القريب ذكرى الخامس والعشرين من يناير، التي أعادت إلى الأذهان صور الميادين، والهتافات، والجموع التي خرجت تحمل آمالًا تتجاوز حدود اللحظة.
خرج حينها المصريون يحملون أحلامًا أكبر من الشوارع اللي وقفوا فيها، وأكبر من الميادين اللي صدحت فيها الهتافات.
خرج الشعب المصري يومها رافضًا الفساد، ناقمًا على البيروقراطية، ناقضًا المحسوبية التي كانت قد أنهكت مؤسسات الدولة، رافعًا شعاره الأشهر: “عيش… حرية… عدالة اجتماعية.”
غير أن السنوات التي تلت الثورة كشفت حقيقة لا يمكن تجاهلها: تلك الأهداف الكبرى لم تتحقق كما كان مُرتجى لها، ولم تترجم على أرض الواقع بالقدر الذي يليق بتضحيات من خرجوا وواجهوا ودفعوا الثمن.
نعم، شهدت البلاد ارتفاعًا في الحد الأدنى للأجور، لكن غول الأسعار لم يتراجع خطوة، بل تمدد وتوحّش وأثقل كاهل المواطن في كل تفاصيل حياته. وما تزال العدالة الاجتماعية تراوح مكانها، غارقة في ظلام لا ينقشع بسهولة، بلا رؤية واضحة أو حلول جذرية تستعيد الثقة في مستقبل أكثر مساواة وإنصافًا.
فهل نحتاج إلى ثورة أخرى؟
بالفعل، نحتاج إلى ثورة أخرى، ولكن بثوب مختلف تمامًا.
لسنا بحاجة إلى ثورة تعيد صخب الشارع أو الفوضى إلى الميادين.
بل إلى ثورة متحضرة، ثورة تتناغم مع العصر، وتستند إلى الوعي لا الفوضى، وإلى البناء لا الهدم.
نحتاج إلى ثورة على الضمير قبل الجدار.
ثورة على الفساد الذي يتسلل في صمت، وعلى الموظف الذي يعطل مصلحة الناس بلا مبرر، وعلى المسؤول الذي يرى المنصب غنيمة لا مسؤولية.
نحتاج إلى ثورة فكرية في المؤسسات، ثورة إدارية تُعيد ترتيب البيت من الداخل، وتمنح القانون هيبته، وتنتصر للكفاءة فوق الواسطة، وللحق فوق المحاباة.
لقد تركت 25 يناير إرثًا ثقيلًا يحتاج إلى سواعد تبني، لا أصوات تهتف فقط. وهو ما أكده رئيس الجمهورية في خطابه أثناء الاحتفال بذكرى ٢٥ يناير، حين قال عبارته الشهيرة: “اللي مش قادر.. يغادر.”
جملة تحمل في طياتها تشخيصًا واضحًا لحالة الترهل الإداري التي تحتاج إلى مواجهة لا مجاملة.
ليس من المعقول أن يتدخل الرئيس في كل وقت وحين، لوقف قرار جائر، أو لتضميد جراح مواطن.
ولعل ما نطالعه يوميا على مواقع التواصل الاجتماعي، من مناشدات ونداءات لرئيس الجمهورية، يكشف النقاب عن زعزعة ثقة المواطن في بعض الجهات الحكومية.
وإذا كانت السياسة قد شهدت اضطرابًا، فإن الفن هو الآخر تراجع عن دوره التنويري.
فمن زمن أم كلثوم، وعبدالحليم، وفريد الأطرش، زمن الفن الجميل.
ومن أفلام “دعاء الكروان” و”رد قلبي”.
إلى موجة من الأعمال التي لا تحمل من الفن إلا اسمه، وتصدّر العنف والبلطجة لجيل يفترض أن يحمل مستقبل هذه البلاد.
الفن الحقيقي ليس ترفًا، بل قوة ناعمة تبني الوعي وتحمي المجتمع من الانحدار.
ومن زمن الإعلاميين العظماء، الذي كان ينظر الشارع المصرى كتاباتهم اليومية ولقاءاتهم المرئية، إلى قنوات تبيع هواء لمن يدفع فقط، ليس لمن لديه رؤية واضحة، تعيد مصر- كما كانت- إماما للأمة العربية والقرن الإفريقي.
الثورة الأخلاقية التي نبحث عنها لا تبدأ في البرلمان، ولا في الوزارات، بل تبدأ داخل الأسرة:
بين الأب وابنه، والزوج وزوجته، والجيران فيما بينهم.
هي ثورة على السلوك الفاسد قبل المؤسسة الفاسدة، وعلى الكلمة الجارحة قبل القرار الخاطئ.
مصر عظيمة بشعبها، بعمالها، بجنودها، بشرفائها الذين يعملون في صمت دون أن يطلبوا مجدًا أو تصفيقًا.
لكنها تحتاج إلى مزيد من العمل، وإلى مسؤولين يضعون الوطن قبل الكرسي، ويكون ولاؤهم للحق لا للمظاهر.
ولأولئك الذين أثقلوا الدولة دون أن يضيفوا لها شيئًا، هؤلاء الأصنام الذين جلسوا على الكراسي، وحولهم من يسبحون بحمدهم ليل نهار، نقول: استقيلوا يرحمكم الله.