لم يكن أمس عاديًا في شوارع كرداسة؛ سيارة تجوب الطرقات، وعلى زجاجها علم إسرائيل، دقائق قليلة كانت كافية لتحويل المشهد إلى حالة من الغضب والهرج، بعدما اعتبر الأهالي ما حدث استفزازًا مباشرًا لمشاعرهم، خاصة في ظل الأجواء المشحونة إقليميًا بعد تطورات الحرب في غزة.
راية مستفزة في شوارع كرداسة
تجمع المارة، وتحول المشهد من دهشة إلى اشتباك، قبل أن تتصاعد الأحداث بشكل أخطر عندما واصل السائق تحركه بسيارته وسط الحشود، ما أدى إلى حالة من الفوضى والذعر.
بين علم على زجاج سيارة وغضب شارع في منطقة شعبية، تتقاطع السياسة مع النفسية مع القانون. ما جرى في كرداسة لم يكن مجرد حادث مروري أو مشادة عابرة، بل لحظة كشفت حساسية الرمز في مجتمع مثقل بذاكرة صراعات طويلة.
الذاكرة الجمعية.. حين يتحول الرمز إلى شرارة
الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، يرى أن الواقعة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الذاكرة الجمعية للمصريين، وأوضح أن الثقافة الشعبية المصرية لا تتقبل وجود علم إسرائيل في المجال العام، معتبرًا أن ما جرى هو تطبيق عملي لنتائج دراسة أجراها مركز الدراسات العربية في واشنطن شملت 22 دولة عربية حول سؤال “من هم أعداء العرب؟”، وجاءت النتائج لتضع إسرائيل في المرتبة الأولى، تليها الولايات المتحدة ثم إيران.
بحسب تحليله، فإن ما حدث في كرداسة يعكس هذه القناعة المتجذرة، خاصة بعد أحداث غزة الأخيرة، حيث تزايدت الحساسية الشعبية تجاه أي رمز يُفهم باعتباره دعمًا أو تعاطفًا مع إسرائيل.
سلوك فردي أم بحث عن ضوء؟
في قراءته لشخصية السائق، وصف صادق الرجل بأنه مضطرب نفسيًا أو مستفز بطبعه، معتبرًا أنه أقدم على فعل يعلم يقينًا أنه صادم في بيئة معادية تمامًا لإسرائيل. وتساءل: ما الفائدة التي ستعود عليه من وضع علم إسرائيل على سيارته؟
يرجح صادق أن يكون الدافع مرتبطًا برغبة في لفت الانتباه أو تفريغ ضغوط نفسية واجتماعية، خاصة أن استمراره في القيادة وسط الغاضبين يعكس حالة اندفاع غير محسوب، وكأن الرجل كان يُخرج غلَّه في محيطه.
تعويض جاء بنتيجة عكسية
من جانبه، قدّم الدكتور جمال فرويز، الطبيب النفسي، تفسيرًا يقترب من فكرة التعويض النفسي، يرى فرويز أن الشخص ربما تخيّل أن هذا الرمز سيمنحه هيبة أو مكانة خاصة، أو سيجعله يبدو مختلفًا في أعين الآخرين.
لكن هذه الحسبة – كما يصفها – كانت خاطئة تمامًا في السياق المصري. ويؤكد أن السلوك يعكس شخصية مضطربة تحاول القيام بعملية تعويضية، لكنها جاءت في غير محلها وأدت إلى نتيجة عكسية تمامًا، انتهت بانفجار غضب الشارع.
بين الاندفاع والشبهة الجنائية
المشهد لم يتوقف عند حدود الاستفزاز الرمزي. فاستمرار السائق في التحرك بسيارته وسط المواطنين، ودهسهم مع إتلاف الممتلكات الخاصة، يفتح بابًا لتحليل آخر؛ إذ أشار الدكتور سعيد صادق إلى احتمال أن يكون تحت تأثير مواد مخدرة أفقدته القدرة على تقدير خطورة الموقف، أو جعلته غير مدرك لحجم التصعيد الذي يسببه.
التكييف القانوني.. أين تقف النصوص؟
المحامي مالك عدلي تناول الواقعة من زاوية قانونية، موضحًا أن التصرف يمكن أن يُصنف تحت بند تكدير السلم العام، باعتباره فعلًا يستفز مشاعر المواطنين وقد يؤدي إلى اضطرابات أو فتنة. كما أشار إلى مواد في قانون العقوبات تتعلق بالجرائم المضرة بمصلحة الدولة من جهة الداخل.
وأضاف أن المسألة لا تتوقف عند رفع الرمز، بل تمتد إلى ما نتج عن الواقعة من إتلاف محتمل للممتلكات أو إصابات، فضلًا عن واقعة دهس المواطنين أثناء محاولة الفرار أو الاستمرار في السير. وأوضح أن الاحتمالات القانونية قد تتراوح بين الإيداع في مصحة نفسية إذا ثبت عدم السلامة العقلية، أو تشديد العقوبة إذا ثبت تعاطي مواد مخدرة وقت الحادث.
تريند عابر أم عرض لمرض أعمق؟
تزامن الواقعة مع جدل أثاره مسلسل أصحاب الأرض، بعد هجوم المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي عليه، فتح باب التكهنات حول “ركوب التريند”. غير أن الدكتور سعيد صادق يستبعد الربط المباشر، ويرى أن ما حدث أقرب إلى تصرف فردي من شخص مضطرب، لا إلى فعل منظم أو مرتبط بسياق درامي.
ويبقى الحسم النهائي مرهونًا بتقرير طبي ونفسي يحدد الحالة العقلية للسائق ودوافعه الحقيقية، لكن المؤكد أن رد فعل الشارع – في سياقه الثقافي والسياسي – لم يكن مفاجئًا. في بيئة ترى في إسرائيل العدو الأول، قد يتحول مجرد علم إلى شرارة تشعل مدينة كاملة.