أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

وهم النصر الإلهي وسقوط السلطة الدينية أمام التاريخ

نرمين نبيل

أخطر لحظة في تاريخ أي دولة هي اللحظة التي يصدق فيها الحاكم أن السماء تقف في صفه دائمًا. عندها يتوقف العقل عن طرح الأسئلة، وتتوقف السياسة عن مراجعة أخطائها، وتبدأ الدولة في العيش داخل رواية مقدسة لا علاقة لها بالعالم الحقيقي.

هناك خطأ تاريخي يتكرر بلا توقف؛ فعندما تتحول السلطة السياسية إلى سلطة دينية مطلقة، ويُقدَّم الحاكم بوصفه ممثلًا لإرادة السماء، يبدأ النظام في بناء شرعيته على أرض هشة. لأنه في هذه اللحظة لا يصبح مجرد نظام سياسي يمكن نقده أو إصلاحه، بل يتحول إلى عقيدة مغلقة لا تقبل المراجعة، ومن هنا تبدأ المأساة.

فالتاريخ يثبت أن الأنظمة التي تخلط بين السلطة المطلقة والقداسة غالبًا ما تسقط سقوطًا مدويًا عندما تصطدم بالواقع. ومنذ العصور الوسطى، ومع اندلاع الحملات الصليبية، ظهرت بوضوح خطورة تحويل الصراعات السياسية إلى معارك مقدسة؛ إذ كان كل طرف يعتقد أن السماء تقف إلى جانبه، وأن النصر مسألة إيمان لا مسألة قوة أو تنظيم، لكن التاريخ لم يحسم تلك الحروب بالصلوات، بل بالقوة والتنظيم والقدرة على التكيف مع الواقع.

أخبار ذات صلة

Oplus_131072
الجنيه تحت الضغط.. لماذا كانت مصر الأكثر تأثرًا باضطرابات الحرب؟
وصلت الـ 30 جنيهًا للكيلو.. سبب ارتفاع سعر الطماطم
images (57)
بيان رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور عن حرب إيران يثير ضجة.. ماذا قال؟

وقد تكررت هذه القاعدة مرات عديدة عبر التاريخ؛ فالإمبراطوريات التي اكتفت بالخطاب الديني بينما كان العالم يتغير علميًا وصناعيًا، بدأت تفقد قدرتها على البقاء. وحتى إمبراطوريات كبرى مثل الدولة العثمانية دخلت في مرحلة طويلة من التراجع عندما اتسعت الفجوة بينها وبين أوروبا التي كانت تبني قوتها في الجامعات والمختبرات. والدرس هنا واضح؛ فالدين يمكن أن يكون مصدر إلهام أخلاقي للمجتمعات، لكنه عندما يتحول إلى بديل عن العلم والسياسة والعقل يصبح عبئًا على الدولة لا قوة لها.

وهنا نصل إلى المثال المعاصر الأكثر وضوحًا، وهو إيران. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية بعد الثورة الإيرانية عام 1979 بُني النظام السياسي على فكرة أن السلطة ليست مجرد سلطة سياسية، بل امتداد لشرعية دينية. ومع مرور الوقت تحولت هذه الشرعية إلى خطاب تعبوي كامل يقوم على فكرة «النصر الإلهي» الحتمي في مواجهة الخصوم. وقد كرر المرشد الأعلى علي خامنئي هذا الخطاب لعقود، مقدمًا الصراع السياسي في المنطقة وكأنه مواجهة كونية بين الإيمان والكفر، ومصورًا النتائج وكأنها محسومة مسبقًا بوعد سماوي.

غير أن المشكلة في الوعود المطلقة أنها لا تصمد أمام الواقع. فالعالم اليوم لا تحكمه السرديات الغيبية، بل توازنات العلم والتكنولوجيا، والحروب تُحسم بالأقمار الصناعية، وبالذكاء الاصطناعي، وبالسيادة التكنولوجية، وبالقدرة على تحويل المعرفة إلى قوة عسكرية واقتصادية. وعندما تأتي لحظة الاختبار ينكشف الفارق بين الخطاب والواقع؛ إذ لا تتدخل السماء لتعديل مسار الصواريخ، ولا تعطل الشعارات الطائرات المسيّرة، كما لا تستطيع الخطابات الأيديولوجية أن تعوض فجوة علمية أو تكنولوجية تراكمت لعقود.

وهنا تقع الصدمة الكبرى؛ فهي ليست مجرد فشل عسكري أو سياسي، بل انهيار للسردية التي بُني عليها النظام، لأن النظام الذي أقنع شعبه بأن النصر قدر إلهي يجد نفسه فجأة أمام سؤال لا يستطيع الإجابة عنه عندما يحدث العكس. وهذه هي المعضلة الحقيقية للأنظمة التي تسيّس الدين؛ فهي لا تكتفي باستخدامه لتبرير السلطة، بل تجعله بديلًا عن الاعتراف بالواقع. وبدلًا من مواجهة الفجوة العلمية والتكنولوجية والعمل على سدها، يتم تغطيتها بخطاب تعبوي يعد بالمعجزات.

لكن التاريخ لا يكافئ من ينتظر المعجزات، بل يكافئ من يبني الجامعات ويطور البحث العلمي ويحول المعرفة إلى قوة. أما الدول التي تستبدل المختبرات بالمنابر، والعلم بالشعارات، فإنها تكتشف عاجلًا أم آجلًا أن الخطاب المقدس لا يحميها من قوانين الواقع. ولهذا يكرر التاريخ درسه القاسي مرة بعد أخرى: السلطة التي تعتقد أن السماء ستقاتل نيابة عنها غالبًا ما تكتشف متأخرة أن المعارك تُحسم على الأرض، لا في الخطب ولا في الأساطير.

وفي النهاية، حين تسقط الأوهام ويخفت ضجيج المنابر، يبقى الدرس واضحًا وقاسيًا؛ فالتاريخ لا ينتصر فيه الأكثر صراخًا باسم السماء، بل الأكثر قدرة على فهم الأرض. فالأمم التي تنتظر المعجزات تبقى أسيرة الماضي، أما الأمم التي تبني المختبرات والعقول فهي وحدها التي تصنع المستقبل.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

images (56)
السيسي يطالب بوقف التصعيد في الشرق الأوسط
IMG_9677
حرب إيران تهز العالم.. النفط يصل 120 دولارًا والأسهم العالمية في دوامة بيع
2026_2_14_11_8_15_956
7000 جنيه.. مشروع قانون بالنواب لتحديد حد أدنى للمعاشات | تفاصيل
GKqJucRPdH_1773005668
رجل الظل.. من هو مجتبى خامنئي مرشد إيران الجديد؟

أقرأ أيضًا

IMG-20260308-WA0015
“إفراج”.. ملحمة درامية لا تُهزم
IMG-20260215-WA0012
العفن الذي أصابنا كما أصاب كل شيء
هيثم الحريري
لماذا تهتم الحكومة بمن يجلس على مقعد نقيب المهندسين؟
IMG_9760
نص القصة.. التجديد والأخلاق