في غضون دقائق، لا يكاد تلفظ فيها جملة من دونالد ترامب عن إيران، تهتز الأسواق من طوكيو إلى نيويورك، وترتفع أسعار النفط، ويهبط مؤشر الأسهم، وترتفع تكاليف القروض في دول لم تُطلق فيها رصاصة واحدة.
هذا هو واقع الاقتصاد العالمي في ظل “عصر ترامب”: كلمة واحدة تُعادل تريليونات من الأصول المتقلبة.
تهديدات ترامب تقضي على أمل نهاية الصراع.
في الأيام الماضية، تكرر توجيه ترامب تهديدات صريحة بأن الولايات المتحدة ستضرب إيران “بقوة شديدة” في غضون أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، من دون تحديد نهاية واضحة للحرب في الخليج أو خطة معلنة لإعادة فتح مضيق هرمز.هذا، وفقًا لأسواق المال، أعاد تشغيل مخاطر الاستمرار في الحرب، وقضى على الآمال التي بعثتها تصريحات سابقة تُلمّح إلى “قريبًا سيُنتهي هذا الصراع”، وكان قد أثر في الأسواق بالفعل بانخفاض ملموس في أسعار النفط وصعود في الأسهم.
أرقام بعد التهديد ماذا حدث في الأسواق؟
في الساعات التالية لكلمات ترامب الأخيرة، رصدت وكالات مالية وتجارية ردود فعل سريعة.
أسعار النفط، خام برنت ارتفع إلى نحو 106 دولارًا للبرميل، بعد أن تراجعت في مارس إلى ما دون 90 دولارًا مع توقعات تهدئة الصراع.
الأسهم العالمية، انخفضت عقود مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” و“ناسداك” بأكثر من 1%، وتم تسعير مخاطر جديدة على أرباح الشركات ونمو الاقتصاد.
السندات والدولار، عوائد السندات الحكومية ارتفعت، مع ارتفاع تقييم مخاطر التضخم. الدولار ارتفع كملاذ آمن، وسط تدفق استثماري إليه بسبب توقعات اضطراب في الطاقة والتجارة.
هذه التحركات وضحها محللون، أنها لا تعكس انكماشًا اقتصاديًا حقيقيًا في اليوم ذاته، بل تسعيرًا مسبقًا لسيناريو مُحتمل، وهو حرب أطول ونفط أغلى ونمو أبطأ وضغوط تضخمية أعلى.
مصادر مهنية وخبراء: “الأسواق في عالم ترامب”
مايك هولاهان مدير شركة استثمار في أوكلاند قال، إن “المستثمرين كانوا يراهنون على تهدئة سريعة، لكن تصريح ترامب يمدد الصراع، هذا يعني تكاليف طاقة أعلى، وضغوطًا على سلاسل التوريد، وهبوطًا في الثقة”.
محلل مخاطر جيوسياسية لشبكة الأقتصاد أشار، إلى أن “المستوى الآن مختلف، الأسواق لا تتحرك فقط ببيانات التضخم، بل تُعاد تسعيرها في العشر دقائق التالية للكلام.
خبير مخاطر في بنك استثماري عالمي لفت، إلى أن “أي تلميح بإغلاق مضيق هرمز أو تدمير بُنية طاقية إيرانية، يُعادل في الأسواق تغييرًا في مسار النمو العالمي بنسبة 0.5 إلى 0.7 نقطة مئوية على الأقل”.
لماذا تتأثر الدول الناشئة والعالم العربي أيضًا؟
لا تقتصر الآثار على الأسواق الغربية فقط، بل تطول الدول المستوردة للنفط، ومنها مصر وبعض الدول الأفريقية والآسيوية.
تقارير حديثة توضح أن، إغلاق مسار مضيق هرمز، حتى لو كان جزئيًا، يهدد ما يقارب 15% من إمدادات النفط العالمية، ويوصف بأنه “أكبر صدمة للإمدادات منذ سبعينيات القرن الماضي”.
في مصر، حذرت مصادر مالية من أن “أي تمدد طويل في ارتفاع أسعار النفط، يضغط على ميزانيات الأسر وتكلفة الواردات، ويزيد العبء على خزينة الدولة”.
تلميح اليوم، وصفقة الغد
في مارس، حين توهم الرئيس الأمريكي بقرب “النهاية”، انخفض خام برنت من نحو 120 دولارًا للبرميل إلى ما دون 90 دولارًا، وارتفعت الأسهم العالمية، وخفت قلق المستثمرين.
أما في أبريل، بعد تهديده بـ“الضرب في الأسابيع القادمة”، عادت المخاطر للتسعير وصعد النفط ونزلت الأسهم وعادت الضغوط التضخمية إلى المركز الأول في جداول البنوك المركزية.
هذا التناقض يوضح، أن الاقتصاد العالمي لم يعد يُدار فقط بالفائدة والبيانات، بل بالخطاب، وبنبرة الصوت، وبحساب: “ما الذي سيقوله ترامب بعد ساعة؟”.
تصريحات ترامب تُعيد القلق إلى الأسواق
في هذا السياق، قال الدكتور أحمد معطي، خبير الاقتصاد الدولي، إن التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استمرار الحرب مع إيران لفترة قد تمتد إلى ثلاثة أسابيع أو أكثر، أثرت بشكل مباشر على معنويات المستثمرين عالميًا، وأعادت حالة القلق إلى الأسواق بعد موجة تفاؤل سابقة كانت ترجّح انتهاء الصراع عبر التفاوض.
تراجع الأسواق وتحول المستثمرين إلى تقليل المخاطر
واضاف خبير الاقتصاد الدولي، في تصريحات خاصة لموقع القصة، أن هذه التصريحات دفعت المستثمرين إلى تقليص المخاطر، حيث شهدت الأسواق الأمريكية موجة بيع ملحوظة، تراجعت على إثرها مؤشرات دو جونز الصناعي وناسداك كومبوزيت وستاندرد آند بورز 500 بأكثر من 1%، بالتزامن مع توجه صناديق الاستثمار الكبرى إلى زيادة مستويات السيولة لديها.
وأشار معطي إلى أن الأسواق دخلت فيما يُعرف بمرحلة “السيولة هي الملك”، حيث ارتفعت نسب الاحتفاظ بالنقد لدى صناديق الاستثمار من نحو 3% إلى أكثر من 4.5%، وهو ما يعكس حالة الترقب والقلق من ضخ استثمارات جديدة في ظل غياب وضوح الرؤية بشأن تطورات الحرب.
توقعات بارتفاع كبير في أسعار النفط في حالة الصدام المباشر
وفيما يتعلق بأسعار الطاقة، توقع خبير الاقتصاد الدولي ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير في حال قيام الولايات المتحدة بضرب المنشآت النفطية الإيرانية، مرجحًا أن يتجاوز سعر البرميل 130 دولارًا، وهو ما قد يؤدي إلى موجة تضخم عالمية جديدة، واضطرابات في إمدادات الطاقة، خاصة مع أهمية مضيق هرمز كممر رئيسي لنقل النفط والغاز عالميًا.
امتداد الأثر إلى قطاعات غير الطاقة مثل الأسمدة
وأوضح معطي، أن التأثيرات لن تقتصر على قطاع الطاقة فقط، بل ستمتد إلى قطاعات أخرى مثل الأسمدة، نظرًا لمرور كميات كبيرة منها عبر مضيق هرمز، ما قد ينعكس سلبًا على الإنتاج الزراعي العالمي ويزيد من الضغوط التضخمية، خاصة في الدول المستوردة.
سيناريو أقل سوءًا مع استقرار محدود في أسعار النفط
وأشار خبير الاقتصاد الدولي، إلي أنه في حال عدم تصعيد عسكري مباشر، قد تتحرك أسعار النفط في نطاق عرضي بين 100 و115 دولارًا للبرميل، مدعومة بقيام الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بالسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، بالتوازي مع توصيات وكالة الطاقة الدولية بزيادة المعروض لمواجهة أي نقص محتمل.
وعن دور البنوك المركزية، لفت معطي إلى أنها تتجه حاليًا إلى تثبيت أسعار الفائدة، رغم التوقعات السابقة بخفضها، في ظل مخاوف من عودة التضخم، لافتًا إلى أن استمرار الأزمة وارتفاع أسعار النفط قد يدفع هذه البنوك إلى تشديد السياسة النقدية مجددًا.
واستشهد في ذلك بتصريحات أندرو بايلي وكريستين لاغارد، اللذين ألمحا إلى إمكانية رفع الفائدة إذا استمرت الضغوط التضخمية لفترة أطول.
أسوأ سيناريو ممكن: تجاوز النفط 150 دولارًا
وأكد أحمد معطي، أن أسوأ السيناريوهات يتمثل في استهداف المنشآت النفطية الإيرانية، ما قد يدفع أسعار النفط إلى تجاوز 150 دولارًا للبرميل، ويؤدي إلى موجة تضخم حادة عالميًا، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما سينعكس على أسعار السلع والخدمات في مختلف أنحاء العالم.
خلاصة: كلمة واحدة تُحرك تريليونات
في النهاية، يُجيب الخبراء على سؤال بسيط وخطير في نفس الوقت: كيف يُمكن لرجل واحد أن يُعيد تسعير تريليونات الدولارات من الأصول في لحظة؟
الإجابة تكمن في، قدرة الولايات المتحدة على التأثير المباشر على أكبر ممرّات الطاقة في العالم.
وضع الدولار كملاذ عالمي.
واعتماد الأسواق على التوقعات السياسية أكثر من البيانات الاقتصادية المباشرة.
وكلما تكرر تهديد ترامب لإيران، تزداد تقارير الاقتصاديين ومستشاري البنوك تذكيرًا بأن، الاستثمار اليوم هو في جوهره “سندات الكلام”، لا فقط “سندات الديون”.