بعد صدور بيان منظمة الأغذية والزراعة “الفاو”، أصبح واضحًا أن تأثيرات الحروب والصراعات الجيوسياسية لا تتوقف عند حدود السياسة أو الاقتصاد فقط، بل تمتد لتصل إلى أبسط تفاصيل حياتنا اليومية وهو ما نضعه على مائدتنا.
ماذا قالت “الفاو”؟
ويشير الارتفاع المستمر في أسعار الغذاء، وتضخم تكاليف الحبوب والزيوت واللحوم، إلى ضغوط متشابكة من النزاعات، وارتفاع أسعار الطاقة، وتأخير الشحنات العالمية، ما يجعل أي أزمة في مناطق النزاع تؤثر مباشرة على قدرتنا على شراء الطعام بأسعار معقولة.
أوضحت منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” أن أسعار الغذاء العالمية ارتفعت في مارس 2026 إلى أعلى مستوى لها منذ ديسمبر 2025، مشيرة إلى أن هذا الارتفاع لا يعود فقط إلى التغيرات المناخية أو مستويات الإنتاج، بل يرتبط مباشرة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار الطاقة والشحن، وتأثيرها على سلاسل الإمداد الغذائي العالمية.
ذكرت الفاو أن مؤشر أسعار الغذاء العالمي سجّل ارتفاعًا شهريًا للمرة الثانية على التوالي في مارس 2026، ما يؤكد استمرار التضخم في أسعار السلع الأساسية مثل الحبوب والزيوت واللحوم، رغم أن المعدل ما يزال أقل من الذروة التي سُجلت في مارس 2022.
وأوضح البيان أن جزءًا كبيرًا من الارتفاع يعود إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين، التي تتأثر مباشرة بتطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، خصوصًا في المسارات البحرية واللوجستيات.
ربط الفاو بين الغذاء والتوترات الجيوسياسية
وربطت الفاو بين تصاعد الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الغذاء العالمية، مشيرة إلى أن الاضطرابات في مناطق استراتيجية ترفع تكاليف الشحن والوقود، وتستوجب على الشاحنين دفع رسوم تأمين أعلى، وهو ما ينعكس على سعر البضائع عند الاستيراد.
وتشير تقديرات الفاو إلى أن نحو 30% من تجارة الحبوب العالمية تتأثر اليوم بالصراعات الجيوسياسية، سواء عبر إغلاق أو تقييد الموانئ، أو تغيير مسارات النقل، أو فرض قيود تجارية وعقوبات، ما يخلق تقلبات حادة في الأسعار ونقصًا مؤقتًا في بعض الفترات.
وأكدت الفاو أن النزاعات تسبب تأخيرًا في وصول الشحنات، وتُجبر السفن على اتباع مسارات أطول، مما يزيد زمن التوريد وتكاليفه، ويُدخل عنصر الخطر في أسعار الغذاء.
وأوضحت أنه مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة أسعار النفط والغاز إلى سترتفع تكلفة الأسمدة والطاقة والآلات الزراعية، وهو ما ينعكس على أسعار القمح والبذور الزيتية والمنتجات الزراعية الأخرى في السوق العالمية.
أوضحت الفاو أن أي ارتفاع في أسعار الغذاء يؤثر أولًا على الفئات الأضعف دخلًا، خصوصًا في الدول العربية والمنخفضة الدخل، حيث تُنفق الأسر نسبًا كبيرة من دخلها على الغذاء، بينما تتباطأ رفع الأجور أو دعم الدخل.
وفي تقارير حديثة، ربطت الفاو بين الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف المعيشة في دول مثل إيران ومصر وعدة دول مستوردة للغذاء، مشيرة إلى أن أسعار القمح والدقيق والبذور الزيتية كانت ترتفع قبل تصاعد الصراع، لكن الاضطرابات الأخيرة سرّعت هذه الزيادات وزادت من مخاطر الأمن الغذائي.
توقعات الفاو وسياق عام 2026
رغم ارتفاع الأسعار في مارس 2026، تشير الفاو إلى أن وفرة إمدادات الحبوب العالمية في العام الحالي خففت من حدة الارتفاع، ما يجعل المعدل أقل من ذروة 2022، إلا أن خطر تصاعد سريع يظل قائمًا إذا توسع النزاع أو تكرر تعطيل مسارات الشحن.
وحذرت المنظمة من أن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يحول موجة تضخم الغذاء إلى ضغوط هيكلية طويلة الأمد، ما يستدعي تعزيز التعاون الدولي، وضمان استمرار تدفق الإمدادات، واتخاذ سياسات وطنية لحماية الفقراء ودعم سلاسل الغذاء.
ما مستقبل أسعار الغذاء؟
قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، إن أبرز أسباب التضخم الغذائي تعود إلى عدة عوامل متشابكة، أبرزها الارتفاع غير المسبوق في أسعار النفط والغاز، إلى جانب اضطراب سلاسل الإمداد والتوريد عالميًا، مما أدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج، خاصة في القطاعات المرتبطة بالغذاء مثل الأسمدة والمواد الخام الزراعية، وأثر ذلك مباشرة على أسعار السلع الغذائية.
وأضاف الشافعي أن هذه الموجة التضخمية لا تقتصر على الشرق الأوسط فقط، بل تمتد إلى مختلف دول العالم، ما يشير إلى احتمال تفاقم أزمة غذائية عالمية خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية.
وأكد الشافعي أن أسعار الغذاء مرشحة لمزيد من الارتفاع خلال المرحلة القادمة، لا سيما إذا استمرت الأزمات الحالية، مثل الحروب أو تعطّل سلاسل الإمداد لفترات أطول، ما قد يضاعف معدلات التضخم بشكل ملحوظ.
وشدد الشافعي على أن الأمن الغذائي بات في خطر، ما يستوجب من الحكومات التحرك عاجلًا لإعادة النظر في سياساتها الزراعية والاقتصادية، من خلال التوسع في الإنتاج المحلي، والبحث عن مصادر بديلة للغذاء، إلى جانب خفض تكاليف الإنتاج باستخدام مدخلات أقل تكلفة وأكثر كفاءة.
وأشار الشافعي إلى أن الحلول تكمن في تعزيز الاعتماد على التكنولوجيا والبحث العلمي في الزراعة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، بما يسهم في إنتاج الغذاء بتكلفة أقل، وبالتالي الحد من ارتفاع الأسعار.
وشدد الشافعي على أن استمرار الأزمات العالمية، خاصة الحروب، قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط التضخمية، سواء في مصر أو على مستوى العالم، ما يتطلب استجابات حكومية سريعة وفعالة لتقليل حدة هذه التداعيات.