“العيد فرحة” لكن ليس للجميع، فقط لمن يستطيع استقباله. لمن يوفر احتياجات أسرته من وجبة لحم، وملابس جديدة، ومبلغ مالي للخروج. لمن يستطيع أن يمنح “عيدية” يفرح بها الصغار. للأسف لم يعد سد احتياجات الأسرة الصغيرة لتتمكن من الفرحة بالعيد أمرا يسيرا. بل همَّا كبيرًا يجعل السعادة بعيدة كل البُعد عن رب البيت، المنوط به توفير تكاليف البهجة لأسرته.
قال الباحث السياسي عمرو هاشم ربيع إن الحديث عن تكلفة أول أيام عيد الأضحى لأسرة متوسطة مكوّنة من 4 أفراد يُعد “موضوعًا شائكًا”، موضحًا أن الأسرة تحتاج إلى ما لا يقل عن نحو 5 آلاف جنيه لتغطية احتياجات العيد الأساسية، من شراء اللحوم والخروج والهدايا والعيديات، حتى تتمكن من قضاء العيد بشكل كريم.
وأضاف أن هذا الرقم قد يكون مناسبًا فقط لتغطية يوم أو يومين من أيام العيد، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأسر المتوسطة، مشيرًا إلى أن الأزمة الاقتصادية الحالية جعلت كثيرًا من المواطنين غير قادرين على الحفاظ على نفس نمط الإنفاق المعتاد في المناسبات.
وأوضح أن الأزمة لا تتعلق فقط بارتفاع تكلفة العيد، وإنما ترتبط بمشكلات اقتصادية أعمق، من بينها ضعف متوسط دخل الفرد في مصر مقارنة بعدد من الدول العربية، إلى جانب سوء ترتيب الأولويات الاقتصادية، والاعتماد على مصادر دخل غير إنتاجية.
وقال إن استمرار الاعتماد على هذه الموارد، مع ضعف التصنيع والإنتاج، ساهم في تفاقم الأزمة المعيشية، مضيفًا أن المواطنين تحملوا أعباء اقتصادية متزايدة خلال السنوات الماضية على أمل تحسن الأوضاع، لكن الضغوط لا تزال مستمرة.
وأشار إلى أن كثيرًا من الأسر بدأت بالفعل في تقليص أو إلغاء بعض العادات المرتبطة بالمناسبات والأعياد بسبب ارتفاع التكاليف، موضحًا أن المواطن حين يواجه ضغوطًا مالية يبدأ بالتخلي عن الاحتياجات الأقل أولوية، لكنه تساءل: “إلى متى يمكن للناس أن تستمر في إلغاء احتياجاتها؟”.
وأضاف أن الأزمة وصلت إلى مرحلة باتت فيها بعض الأسر تفكر في تقليل أو الاستغناء حتى عن بعض الاحتياجات الأساسية، وهو ما اعتبره مؤشرًا خطيرًا على تراجع مستوى المعيشة، موضحًا أن المواطن لم يعد قادرًا على تلبية متطلبات المواسم المختلفة بنفس الصورة السابقة.
ورأى أن هذه الأوضاع تعكس وجود فجوة كبيرة في توزيع الدخول داخل المجتمع، منتقدًا عدم الالتزام الحقيقي بفكرة الحد الأقصى للأجور، ومشيرًا إلى أن الحديث يتركز دائمًا على الحد الأدنى للأجور، بينما تبقى الفوارق الكبيرة في الدخول قائمة، وهو ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
وأوضح أن الأزمة ساهمت بشكل مباشر في تآكل الطبقة المتوسطة، معتبرًا أن هذه الطبقة كانت تمثل عنصر التوازن داخل المجتمع، لكنها أصبحت تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة نتيجة ارتفاع الأسعار وثبات أو ضعف الدخول.
وأكد أن مواسم مثل عيد الأضحى، وشهر رمضان، ودخول المدارس، وفترات الامتحانات، تمثل فترات ضغط إضافي على الأسر المصرية بسبب زيادة حجم المصروفات، في وقت تعاني فيه الأسر من محدودية الموارد والدخول.
وأضاف أن تفسير الأزمة الاقتصادية بالعوامل الخارجية فقط غير كاف، مشيرًا إلى أن تأثير الأزمات الدولية على مصر كان أكبر من تأثيرها على دول أخرى، رغم تعرض الجميع للظروف نفسها، وهو ما اعتبره دليلًا على وجود مشكلات داخلية تحتاج إلى معالجة.
وقال إن معدلات التضخم في مصر تأثرت بصورة أكبر من دول أخرى بأزمات مثل الحرب الروسية الأوكرانية، كما أن التوترات الإقليمية الأخيرة كان لها انعكاس واضح على الداخل المصري، مقارنة بدول مجاورة لم تتأثر بنفس الدرجة، بحسب تعبيره.
وشدد على أن الوضع الاقتصادي الحالي يتطلب مراجعة شاملة وسياسات أكثر فاعلية، مع تفعيل أدوات الرقابة والمحاسبة، مؤكدًا أن غياب هذه الآليات ساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تواجه المواطنين.
بينما قال أحمد بهاء شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي المصري، إن متطلبات الأسرة المتوسطة في مصر أصبحت تمثل عبئًا بالغ الصعوبة، خاصة في المناسبات والأعياد، مؤكدًا أن الأسرة المكونة من أربعة أو خمسة أفراد لم تعد قادرة على قضاء العيد بنفس الطريقة التي اعتادت عليها خلال السنوات والعقود الماضية، بسبب الارتفاع المستمر في الأسعار والتضخم وزيادة معدلات الفقر.
وأوضح أن الأسعار ترتفع عامًا بعد آخر بصورة تفوق قدرة المواطنين، في ظل غياب آليات حقيقية لضبط الأسواق أو الحد من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، معتبرًا أن الدولة نفسها أعلنت بشكل صريح عدم قدرتها على السيطرة على الأسواق، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستوى معيشة الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل.
وأشار إلى أن المقارنة بين أوضاع الخريجين في السبعينيات والأوضاع الحالية تكشف حجم التراجع في القدرة الشرائية للمواطن. وقال إنه رغم أن راتب خريج الجامعة وقتها كان محدودًا ويصل إلى نحو 20 جنيهًا تقريبًا، فإن أسعار السلع والخدمات الأساسية كانت منخفضة بصورة تتيح له حياة مستقرة، إذ كان سعر الفرخة أو كيلو اللحمة أقل من 50 قرشًا، بينما كانت تكلفة السكن بسيطة، والتعليم شبه مجاني، كما كان بإمكانه توفير احتياجات أسرته الأساسية والخروج في إجازات صيفية بشكل طبيعي.
وأضاف أن الوضع الحالي مختلف تمامًا، إذ أصبحت تكاليف التعليم والعلاج والطعام والملابس والمواصلات فوق قدرة أغلب أبناء الطبقة المتوسطة، مؤكدًا أن الأسرة التي لديها أطفال في مراحل التعليم المختلفة تواجه أعباء ضخمة، خاصة مع ارتفاع المصروفات الدراسية وأسعار الدروس والعلاج والخدمات الأساسية.
وفيما يتعلق بمستلزمات العيد، قال شعبان إن مجرد شراء احتياجات بسيطة مثل اللحوم والخضروات والعصائر يمثل تكلفة مرتفعة جدًا بالنسبة للأسر، موضحًا أن شراء كيلوَين من اللحوم فقط قد يصل إلى نحو ألف جنيه، بخلاف باقي متطلبات الطعام والخروج والتنزه.
وأكد أن هذه الاحتياجات لا يمكن اعتبارها رفاهية أو إنفاقًا زائدًا، بل تمثل الحد الأدنى الطبيعي الذي تحتاجه أي أسرة لقضاء العيد بصورة إنسانية، مضيفًا أن حتى تكلفة الانتقال أو المواصلات أصبحت عبئًا إضافيًا على المواطنين، سواء من خلال استخدام وسائل النقل العامة أو السيارات الخاصة بسبب ارتفاع أسعار الوقود.
وتحدث شعبان عن معدلات الفقر، مشيرًا إلى أن آخر الإحصاءات الرسمية كانت تتحدث عن وجود نحو ثلث المصريين تحت خط الفقر، قبل أن يتوقف الإعلان عن الأرقام بشكل منتظم، لافتًا إلى أن بعض التقديرات غير الرسمية تشير إلى اتساع معدلات الفقر بصورة أكبر خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن انعكاسات الأزمة الاقتصادية أصبحت واضحة في الشارع، سواء من خلال زيادة الضغوط المعيشية أو اتساع مظاهر الفقر، معتبرًا أن الأوضاع الحالية تنذر بمشكلات اجتماعية أكبر خلال الفترة المقبلة، خاصة مع استمرار ارتفاع الأسعار وتزايد الأعباء المرتبطة بالسكن والتعليم والعلاج.
كما أشار إلى أن الأزمات الإقليمية والدولية، مثل الحرب في غزة والتوترات المرتبطة بالمنطقة، تُستخدم دائمًا كمبررات لتفسير الأوضاع الاقتصادية، لكنه اعتبر أن دولًا أخرى تواجه ظروفًا مشابهة أو حتى حروبًا مباشرة، ومع ذلك لم تشهد نفس مستويات الارتفاع الكبيرة في الأسعار أو تراجع الخدمات.
ورأى أن الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة لم تعد مجرد فجوة بالمعنى التقليدي، بل أصبحت حالة من عدم قدرة الدخول الحالية على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة. وقال إن المواطن الذي يتقاضى ما بين 10 و15 ألف جنيه شهريًا يجد نفسه عاجزًا عن تغطية احتياجات أسرته الأساسية من طعام وفواتير ومصاريف تعليم وعلاج ومواصلات.
وأكد أن موجة الغلاء الحالية سيكون لها تأثير مباشر على عادات المصريين المرتبطة بالعيد والخروج والترفيه، موضحًا أن تكلفة الذهاب إلى السينما أو المسرح أو أي وسيلة ترفيه أصبحت مرتفعة بصورة مبالغ فيها مقارنة بمستويات الدخول، ما يدفع كثيرًا من الأسر إلى تقليل أو إلغاء مظاهر الاحتفال والخروج.
واستشهد شعبان بالمقولة الشهيرة: “ما اغتنى غني إلا من جوع فقير”، معتبرًا أنها تعبر عن اتساع الفجوة الاجتماعية بين فئات محدودة تملك ثروات ضخمة، وقطاعات واسعة تعاني من صعوبة توفير الاحتياجات الأساسية.