أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

أفراح مؤجلة.. كيف تسرق الحروب بهجةَ الأعياد في غزة والسودان؟

تأتي الأعياد في جوهرها لترميم ما أفسدته الأيام، ولتفتح مساحات مؤقتة للفرح والسكينة، لكن حين تعبر طقوس العيد فوق خرائط الحروب المشتعلة، يتحول العيد من مناسبة دينية واجتماعية مبهجة إلى مرآة حادة تعكس عمق الفقد الإنساني والانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي، ومن خيام النزوح المتناثرة في قطاع غزة المحاصر إلى تخوم خطوط التماس العسكري في السودان، ينكشف مشهد العيد كمعركة صامتة تخوضها الشعوب دفاعا عن كرامتها وهويتها في مواجهة واقع يفرض الحزن رداء وحيدا.

وفي هذا التقرير، نتتبع تفاصيل المشهد من داخل جبهتين أنهكتهما الصراعات، عبر شهادات حية توثق كيف تلاشت مظاهر عيد الأضحى هذا العام، وكيف تحولت الأضحية من شعيرة متاحة إلى ترف تفوق كلفته الخيال، بينما يقاوم البسطاء لصناعة الفرح بطريقتهم الخاصة من قلب المعاناة.

غزة.. العيد كـ عزاء مفتوح تحت ظلال الخيام

تضيق الذاكرة القريبة لسكان قطاع غزة عن استيعاب صور ما قبل الحرب، حين كان صخب العيد يملأ الأزقة ورائحة كعك العيد المنبعثة من البيوت تزين الأيام السابقة للمناسبة، واليوم تحولت الخيمة المتهالكة إلى المأوى الوحيد، وبات مجرد التفكير في مظاهر العيد ترفا منسيا وكابوسا يخشاه الكثيرون بسبب ارتباط مواسم الأعياد بموجات جديدة من النزوح القسري والتهجير.

أخبار ذات صلة

images (12)
أفراح مؤجلة.. كيف تسرق الحروب بهجةَ الأعياد في غزة والسودان؟
نقابة المحامين
هل تتقاعس نقابة المحامين عن حماية أعضائها من الموت؟
IMG_20260526_114842
"كنا نخاف أن يخرج الطفل ولا يعود".. كيف أصبح العيد ذكرى موجعة للسوريين؟

وتلخص ليلى صيام، وهي نازحة من قطاع غزة، تفاصيل المأساة في حديثها لـ “القصة” حيث تقول: “خلص نسينا العيد وتجهيزاته، ما في تحضيرات الآن خالص، ولا في أجواء، هو أصلا ما في أضاحي، وإذا وجد الخروف الواحد سعره بيوصل خمسة آلاف دولار، قبل الحرب كانت الأجواء غير، كان كل بيت في غزة فيه أضحية، الكل بيضحي حتى لو بالدين أو بالتقسيط، وبنشتري ملابس وحلويات ونعمل كعك، وبنزين البيوت والشوارع، كانت الأجواء تفرح والكل يعيد، حتى الأطفال فرحانين، اليوم أول يوم في العيد بيكون حزين، لأنه ما في خيمة تخلو من شهداء ومفقودين، كل العائلات ناقصة، والكل بيبكي على نفسه وعلى شهدائه، كأنه يوم عزاء مفتوح للكل، والناس بتتحسر على بيوتها اللي راحت وحالها، حتى الأطفال نسيوا إيش يعني عيد وإيش يعني عيدية”

وتتجاوز المأساة في غزة الجانب النفسي لتضرب الهوية الثقافية للأجيال الناشئة، إذ تشير صيام إلى أن أطفالا كبروا في أتون الحرب باتوا يعجزون عن فهم مفاهيم بسيطة مثل العيدية أو الأضحية، وفي ظل انعدام كامل للسيولة النقدية من الفلوس الكاش والفكة في الأسواق، تلاشت تماما عادة تقديم العيديات للأطفال والنساء، وتحول البحث عن ملابس جديدة إلى محاولات مضنية للحصول على ملابس أساسية جدا مثل البيجامات لستر الجسد لا أكثر.

وبصوت يملؤه الإصرار، تؤكد صيام قدرة جغرافيا المعاناة على إرسال رسائل كبرياء سياسي وإنساني للعالم، مشددة على أن كرامة النزوح لا تعني الاستسلام، وأن سكان الخيام يرفضون نظرة الدونية متمسكين بصناعة العيد بطريقتهم الخاصة التي تجسد صمودهم رغم الموت المحيط بهم والذي يختطف الجيران والأقارب حتى في عشية أيام العيد، لتلهج ألسنتهم بالدعاء لمن استشهدوا بأن يكون عيدهم في الجنة.

الأضحية خلف خطوط التماس العسكري

على المقلب الآخر من جغرافيا الألم العربي، يستقبل السودانيون عيد الأضحى تحت وطأة وضع اقتصادي وأمني معقد فرضه النزاع المسلح المستمر، فالأضحية التي تشكل الركيزة الأساسية لهذا العيد تحولت هذا العام إلى هدف بعيد المنال لغالبية الأسر السودانية، لا سيما أصحاب الدخل المحدود، نتيجة قفزات غير مسبوقة في الأسعار جعلت أسواق الماشية حكرا على قلة قليلة.

وتكشف رشا حسن، وهي صحفية من السودان، عن المؤشرات التالية في أسواق الماشية السودانية:

  • الحد الأدنى لسعر الخروف: يبدأ من نحو ستمئة ألف جنيه سوداني.

  • الحد الأقصى لسعر الخروف: يصل لبعض الأنواع إلى ملياري جنيه سوداني.

  • القدرة الشرائية: تفوق بكثير قدرة المواطن العادي والموظف في ظل الظروف الراهنة.

وتقول حسن إن هذا الارتفاع الجنوني يرتبط مباشرة بجيوبوليتيك النزاع الداخلي وتأثر مناطق إنتاج الثروة الحيوانية، إذ تقع معظم مناطق إنتاج الماشية والخراف في إقليم دارفور وأجزاء واسعة من ولايات كردفان، وهي مناطق يقع معظمها تحت سيطرة قوات الدعم السريع وتشهد مواجهات عسكرية مستمرة، وقد فرض هذا الانقسام الميداني قيودا خانقة على حركة التجارة ونقل الماشية إلى الأسواق الرئيسية.

كما تشير حسن إلى تحول طرق التجارة التقليدية إلى ممرات محفوفة بالمخاطر بعد تحول مدن استراتيجية مثل الأبيض في شمال كردفان والجبلين في ولاية النيل الأبيض إلى مناطق تماس عسكري مباشر، ومما أدى إلى تضاعف تكاليف الترحيل والنقل بصورة خيالية نتيجة الرسوم والإتاوات المفروضة عند نقاط الارتكاز العسكرية المنتشرة على امتداد المسارات، فضلا عن الارتفاع الحاد في أسعار الأعلاف مما انعكس مباشرة على أسعار الخراف في الأسواق.

بين آمال العودة وحصار المدن المنسية

وتؤكد حسن أنه في مقابل هذا الاختناق الاقتصادي، يحمل العيد في طياته بصيصا من الطابع الإنساني المتناقض، حيث يشهد هذا الموسم عودة أعداد كبيرة من المواطنين النازحين إلى منازلهم وأحيائهم بعد أشهر طويلة من التشريد والنزوح بسبب الحرب، لا سيما في العاصمة الخرطوم وعدد من المناطق بولاية النيل الأبيض مثل محليتي القطينة وأم رمته اللتين استعادهما الجيش السوداني قبل نحو عام بعد أن كانتا خاضعتين لسيطرة الدعم السريع، ومع العودة التدريجية للعائلات بدأت مظاهر الحياة والأنشطة الاجتماعية تعود ببطء إلى المدن المتضررة وسط آمال شعبية بأن تستعيد تلك المناطق استقرارها تدريجيا.

كما أضافت أن هذا التفاؤل بالعودة يظل منقوصا ومحاصرا، إذ لا تزال مناطق واسعة تعيش تحت وطأة أوضاع إنسانية وأمنية شديدة التعقيد بسبب استمرار الاشتباكات والحصار، ففي مدينتي الدلنج وكادوقلي بولاية جنوب كردفان يواجه السكان صعوبات بالغة في الحصول على الاحتياجات الأساسية والغذاء، وفي الوقت نفسه استقبلت المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش أعدادا هائلة من النازحين الجدد الفارين من ولايتي غرب وجنوب كردفان، بالتزامن مع توترات واشتباكات مستمرة في أجزاء من ولاية النيل الأزرق، مما يرسخ حقيقة أن العيد هذا العام يأتي منقوصا ومختلفا عن كل ما سلفه من أعوام.

العيد كفعل مقاومة

بين خروف في غزة يلامس عتبة خمسة آلاف دولار إن وجد، وأضحية في السودان يبلغ سعرها ملياري جنيه خلف خطوط النار، تتشابه المأساة وإن اختلفت تفاصيل الجغرافيا السياسية، فقد سلب النزاع المسلح من الشعوب تفاصيل الفرح البسيطة، وحول مواسم الطاعات إلى مواعيد لتذكر الفقد والنزوح.

لكن القاسم المشترك الأبرز الذي يجمع بين خيام غزة وأحياء السودان المحاصرة هو ذلك الإصرار البشري العجيب على البقاء، وهو إصرار يجعل من التمسك بصناعة العيد بالطريقة المتاحة وإعلان التهنئة من قلب الخيمة والوجع فعلا سياسيا وإنسانيا بامتياز، يعلن فيه الإنسان انتصاره على آلة الدمار والتمزق.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

مشغولات ذهبية
«قفزات متتالية».. الذهب يواصل الصعود في السوقين المحلي والعالمي
بدر الدين عطية
الدوري في ميت عقبة.. وذكر النسناس الكيني في الكونفدرالية
علي إبراهيم
الفكرة لا البزنس.. دفاعا عن حركة علمانيون
العيد فرحة
"العيد فرحة".. لمن استطاع إليه سبيلا!

أقرأ أيضًا

images (46)
فرحة تتجاوز الحدود .. كيف يحتفل المسلمون حول العالم بعيد الأضحى؟
images (49)
العيدية.. كبهجة للأطفال وذكريات الود بين الكبار وترسيخ تربوي للعادات 
دبلوماسية التهاني
بمناسبة عيد الأضحى | التهاني السياسية.. كيف تبعث العواصم برسائلها الدبلوماسية بطريقة ناعمة؟
تعبيرية
أسعار الأضاحي تدفع فواتير الحرب.. تأثير التوترات الجيوسياسية على الغذاء