في قاعة المحكمة، يجلس قاضٍ يحكم في قضية تحرش، أمامه امرأة تروي ما حدث لها بتفاصيل تكلَّفتها كثيراً حتى نطقت بها، يستمع، يُدوِّن. ثم يُصدر حكمه.
بقانون كتبه رجل وينطقه رجل ويستخدم فيه “روح القانون” -لصالح غالبا الرجل- خاصةً إنً لم تتماشى الضحية مع معاييره السلطوية الذكورية.
وفي داخله غالبًا، ربما منذ نشأته، منذ درس الفقه، منذ سمع خطبة الجمعة، منذ رأى أباه يتصرف في البيت، يسكن اعتقاد راسخ: أن الرجل له القوامة، وأن القوامة تعني حق التأديب.
فكيف يُنصف من يرى في نفسه أصلاً أعلى من المرأة؟
حين يجلس المتهم الحقيقي في كرسي القاضي
قضايا التحرش والعنف الزوجي والنفقة من أصعب القضايا في منظومتنا القضائية، لا لغياب الأدلة فحسب، بل لأن المنظومة كلها مبنية على افتراض ضمني: أن الرجل محكوم بدوافع طبيعية، وأن المرأة يجب أن تُثبت أنها لم تستدعِ ما حدث لها.
هذا الافتراض لا يكتبه أحد صراحةً في القانون. لكنه يسكن في طريقة السؤال: “كنتِ لابسة إيه؟” “ليه كنتِ في المكان ده؟” “هو ضربكِ ولا بس زقك، طيب ليه مفيش علامات؟” “إنتِ اللي استفزيتِيه؟”
يسكن في معايير “الضرر المُثبَت” التي تشترط كدمات مرئية وتقرير طبي وشهود، كأن العنف دائماً يترك آثاراً على الجلد لا على الروح. يسكن في قضايا النفقة التي تتحوَّل إلى سنوات من الانتظار والإهانة، بينما الأطفال يكبرون والأم تتآكل. ويسكن في قاضٍ يرى قضية ضرب زوجة فيُفكِّر في سِرِّه: “هو ربما كان حقه يطلقها.”
الفقه الذي صار درعًا للجاني
المشكلة تتضاعف حين يدخل الخطاب الديني إلى قاعة المحكمة من الباب الخلفي ومن الأبواب الرئيسية أصلا في الدستور المبني على تفسير فقهي معين ذكوري. .
آية القوامة والضرب الواردة في القرآن الكريم اختُلف في تفسيرها على مدى قرون. فقهاء كبار قيَّدوها وأوَّلوها بمعاني مختلفة وقالوا أن الضرب معناه التفريق لغويا في القرآن في آيات أخرى مثل “ضرب البحر” لكن فيما يخص النساء لا يتخلين عن تفسير الضرب وحق الضرب! . وكذلك النسخة التي وصلت للشارع، للخطيب في الجمعة، للأب الذي رباه، للزوج الذي تعلَّم منه، هي نسخة مبسَّطة ومجتزأة ومختصرة تقول: “الرجل له حق التأديب وحق الضرب، الرجل قوام، الرجل أعلى! .”
وحين تصل هذه المرأة المضروبة إلى المحكمة، وأمامها قاضٍ تشرَّب هذه النسخة المجتزأة، فهي ليست فقط أمام قاضٍ محايد يطبِّق قانوناً -غير محايد-. هي أمام رجل يحمل في أعماقه جزءاً من منظومة الإذن التي مكَّنت زوجها من ضربها أصلاً.
الأرقام التي لا تكذب
نسبة كبيرة جداً من النساء اللواتي تعرَّضن للعنف الزوجي أو التحرش لم يلجأن إلى القضاء. لا لأن القانون غائب، بل لأنهن يعرفن مسبقاً ما ينتظرهن: تشكيك، إطالة، إذلال، وفي النهاية حكم يُخفِّف العقوبة أو يرفض الدعوى لـ”عدم كفاية الأدلة.”
وفي قضايا النفقة، الصورة لا تختلف كثيراً. امرأة مطلَّقة تنتظر سنوات لتحصل على حق أطفالها، تدخل المحاكم وتخرج، تدفع محامياً من مدَّخراتها التي تنفد، وفي النهاية قد تحصل على حكم لصالحها لا يُنفَّذ. لأن القانون يعطيها الحق نظرياً، لكن المنظومة لا تُلزم بتنفيذه بنفس الجِدِّية التي تُلزم بها غيره.
المرأة التي تُقرِّر أن تصمت وتتحمَّل غالباً ليست جاهلة بحقوقها. هي تعرف المعادلة جيداً: الطريق القضائي قد يُكلِّفها أكثر مما تكسب منه.
الديكور الذي يُسكت الانتقاد
في السنوات الأخيرة، صارت هناك “حصة للمرأة”، في البرلمان، في المناصب الدينية الاستشارية، في لجان حقوق الإنسان. وبدلاً من أن يكون ذلك انفراجاً حقيقياً، تحوَّل في أغلب الأحوال إلى ديكور يُزيِّن الواجهة ويُسكت الانتقاد.
المرأة التي تُختار لهذه المناصب لا تُختار لفكرها ولا لتاريخها في الدفاع عن حقوق النساء. تُختار لشكلها، لطريقة كلامها، لمدى استعدادها للتصفيق لما يُقرَّر قبل أن تدخل الغرفة. هي ليست صوتاً، هي إثبات وجود. وظيفتها أن تقول: “انظروا، النساء موجودات”، لا أن تقول: “هذا القانون ظالم.”
وهذا النمط لا تعيشه السياسة وحدها. يعيشه كل من عُرض عليه دور لأنه “يكمل الصورة”، لأن شكله يناسب القالب المطلوب، لأنه سيكون ممتناً ومطيعاً. وحين يرفض ويطالب بموقع حقيقي لا زخرفي، تنتهي القصة.
هذا ليس إحساساً شخصياً. هذا نمط ممنهج يُعيد إنتاج نفسه في كل مؤسسة تريد أن تبدو منفتحة دون أن تكون كذلك.
ماذا يعني أن يحكم فيكِ من يرى نفسه فوقكِ؟
يعني أن “العدل” الذي ستحصلين عليه مُصفَّى أولاً من خلال عيون من لم يخَف يوماً في بيته، من لا يعلم معنى أن يتم النظر له كدرجة ثانية مهما على شأنه، من لا يعلم معنى أن يقال له أن الدين والله الذي يحبه أمر بأن يضرب من رجال!، ولم ينتظر نفقة، ولم يُضطر لإثبات أنه تألَّم.
يعني أن القانون سيحميكِ بقدر ما يراكِ ضعيفة تحتاج حماية، لا بقدر ما أنتِ إنسانة كاملة تستحق عدلاً.
يعني أن الفقه سيُنظِّم جسدكِ وحقوقكِ ومستقبلكِ بناءً على مخاوف من لم يعش في هذا الجسد يوماً، ولم يُدرك ماذا يعني أن يكون الخطر في نفس البيت الذي يُفترض أنه ملجأ، وأن تكون المحكمة التي تلجئين إليها محكومة بنفس العقلية التي أوجعتكِ.
ولهذا حين نقول رجل هنا لا نقصد أن الحل فقط أن يتم تبديل هؤلاء الرجال بنساء من ذاك “الديكور السطحي الفارغ”. الحل ليس في استبدال الرجال بالنساء بشكل أعمى. الحل في كسر احتكار التفسير والتشريع، في فتح هذه الغرف أمام كل من يحمل خبرة حقيقية بالأثر الإنساني للقانون، وفي مساءلة كل قاضٍ ومشرِّع ومفتٍ عن المنظومة الفكرية التي يحكم منها.
لأن من يؤمن بحق التأديب لا يحق له أن يجلس في كرسي من تُؤدَّب.
القاضي رجل، والشيخ رجل، والمُشرِّع رجل، والنساء ديكور سطحي لتجميل المشهد.
وفي النهاية، من يدفع الثمن؟