كانت متعة طفولتي أن ينتهي العام الدراسي كل عام ونسافر من القاهرة لنقضي الإجازة عند أقاربي في بني سويف بين بيت جدي لأمي وبيت جدي لأبي، كانت ملخص رحلة طفل قضى أجمل أيام طفولته في طرقات وشوارع تلك المدينة، بين دفء العائلة والجيران وأصدقاء الطفولة وعلى الرغم من انقطاعي عن ممارسة تلك العادة منذ سنوات طويلة بعد رحيل الجد والجدة إلا أن شيئًا ما في داخلي لا يزال عالقًا هناك، لا يزال قلبي معلقًا هناك رغم مرور السنوات وأحمل من الذكريات أشياء لا تتبدل مع مرور الزمن، أشياء ما زلت أحفظها عن ظهر قلب وكأني رحلت عنها وتركت جزءًا من قلبي هناك، حيث أول صديق وأول مرة يُسمح لطفل أن يلعب ويلهو بحرية ويمارس لعب الكرة في الشارع دون خوف، وأول قصة حب لطفل لم يكمل السادسة عشرة من عمره مرت أيضًا من هناك، رحلت السنوات وتبدلت الوجوه والأماكن، لكن أثرها لم ينتهِ، وكأن نور المدينة لم يغادر قلبي يومًا، وما زال يضيء في داخلي كلما مر طيف تلك الأيام.
شوارع المدينة تبدو بعد منتصف الليل ومن قبله بقليل هادئة تمامًا فارغة من المارة، البيوت لا يخرج منها أصواتٌ لا مرتفعة ولا منخفضة والصمت يفرض كلمته إلا من صوت واحد لا زال عالقًا في ذهني منذ أكثر من 25 عامًا صوت يأتي من طابق علوي في العقار المقابل لنا يسكنه أحد جيران جدتي.
صوتٍ مرتفعٍ للغاية يأتي من جهاز كاسيت لأحد الجيران في التسعينيات وبداية الألفينيات صوت لا تخطئه أذن أي إنسان حتى وإن كنت طفلًا ابن عشر سنوات وقتها، صوتٍ قادمٍ من زمن مختلف صوتٍ لزعيم راحل آتٍ من الستينيات وما أدراك ما الستينيات.
كان صاحب الصوت هو جمال عبد الناصر بنبرة قائد يعي معنى أن تكون زعيمًا، كانت خطبًا تخرج إلينا كل ليلة ربما في الموعد ذاته من جهاز كاسيت مرتفع الصوت لدرجة تجعل الصوت يأتي إلينا في منزلنا وكأن عبد الناصر يجلس بيننا بميكروفون يخاطبنا نحن كلنا سنجاهد، كلنا سنكافح، كلنا سنفدي أوطاننا بأرواحنا وبدمائنا.
تختلف أو تتفق مع عبد الناصر لكن لا يوجد حاكم في تاريخ مصر الحديث يمكن أن يطلق عليه لقب الزعيم سوى هذا الرجل، ولعل من الإنصاف أن أوضح أن كاتب هذه السطور لم يكن يومًا ناصري الهوى، بل يختلف مع عبد الناصر فكريًّا وأيديولوجيًّا في كثير من القضايا ويرى أن تجربته في ملفات الحريات العامة والتعددية السياسية وحرية الصحافة كانت من أسوأ ما عرفته مصر الحديثة.
لكن السؤال ظل عالقًا في ذهن هذا الطفل بداخلي وقتها لماذا يهوى المصريون سماع عبد الناصر حتى بعد وفاته بـ 30 عامًا ما الذي بقي من عبد الناصر جعل المصريين يكرهون النكسة ويحبون عبد الناصر.
وفي الذكرى التاسعة والخمسين للنكسة، يبقى السؤال مطروحًا كيف كره المصريون الهزيمة وظلوا متمسكين بعبد الناصر؟
عندما نتحدث اليوم عن هزيمة يونيو 1967 يبدو الأمر بسيطًا للغاية؛ قائد خسر حربًا كبرى، فتكون النتيجة الطبيعية أن يفقد شعبيته ويغادر المشهد السياسي.
لكن نفس الشعب المنكسر من الهزيمة أبى أن يرحل هذا الرجل عن المشهد منكسرًا وفي سابقة ربما لم نسمع بها من قبل خرج المصريون إلى الشوارع حتى قبل أن ينتهي ناصر من خطابه ليعلنوا رفضهم التام لتنحيه عن منصبه.
علاقة غريبة جعلتني أتساءل كيف لزعيم مهزوم أن ينزل من أجله المصريون في أعقاب خطاب التنحي الشهير كيف استطاع العقل الجمعي للمصريين أن يعبر عن غضبه بالهتاف لناصر.
في البداية يبدو الأمر وكأنها حركة مصنوعة على طريقة التفويضات سيئة السمعة التي عايشها جيلنا، لكن المدقق في سيرة من عاصروا تلك الفترة أو ما تبقى من شهادات المصريين الذين عاشوا تلك الأيام يجعلنا دون مواربة أمام حقيقة لا تقبل النقاش المصريون خرجوا دون سابق ترتيب أو تنسيق خرجوا للشوارع بعاطفة غير مدفوعة وعقل مصري جمعي خالص الصدق، لتظل تلك اللحظة واحدة من مفارقات تاريخ التظاهرات والاحتجاجات الشعبية في مصر.
عادة ما تخرج الشعوب بعد الانكسارات لتصب غضبها على الحكام وتطالبهم بالرحيل ولكن مئات الآلاف في محافظات مصر خرجوا من المقاهي والشوارع يومي 9 و 10 يونيو في ساعة صفر بلا قائد ولا تنظيم.
كيف لهذا أن يحدث كيف يكره المصريون النكسة ويحبون عبد الناصر؟!
إجابة هذا السؤال يمكن أن تلتقطها في كلمات وشهادات من عاشوا تلك الحقبة، المصريون استطاعوا الفصل بين بغضهم للنكسة وحبهم لعبد الناصر.
فالنكسة بلا شك كانت فشلًا سياسيًّا وعسكريًّا لكن عبد الناصر في وعي المصريين وقتها لم يكن مجرد قائدٍ سياسيٍّ أو عسكريٍّ فقط، كان يرى المصريون في ناصر مشروعًا اجتماعيًّا وسياسيًّا، وخروج المصريين للشوارع لم يكن دفاعًا عن النكسة ولا عن عبد الناصر نفسه كان تعبيرًا عن تمسكهم بمشروع وحلم عبد الناصر في العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني.
ولهذا خرجت الجماهير بعد خطاب التنحي لا لأنها أحبت الهزيمة، بل لأنها رفضت أن تنتهي قصة الرجل الذي ربطت بينه وبين أحلامها الشخصية والاجتماعية.
يمكن القول إن المصريين فصلوا في تلك اللحظة بين فشل التجربة العسكرية وبين حلم التجربة الناصرية نفسها، فالهزيمة بالنسبة لهم كانت حقيقة مؤلمة، أما عبد الناصر فكان بالنسبة لكثيرين فكرة وهوية وحلمًا اجتماعيًّا بداية من الإصلاح الزراعي مرورًا بمجانية التعليم وانتهاء بحلم القومية العربية لذلك كان ناصر أكبر من أن ينهار أو تتغير صورته الذهنية في خطاب أو بعد هزيمة معركة.
الأمر الآخر الذي تركه عبد الناصر في عقول وقلوب المصريين إحساسهم للمرة الأولى بالاستقلال الوطني منح عبد الناصر المصريين شعورًا نادرًا بالفخر الوطني، لم يكن الأمر متعلقًا بالسياسة أو الاقتصاد فقط، بل بإحساس قطاع واسع من الناس أن مصر استعادت صوتها ومكانتها، وأن هناك قائدًا يتحدث باسمها بثقة في الداخل والخارج.
جاء عبد الناصر في زمن كانت فيه مصر لا تزال تحمل آثار الاحتلال والهزائم، فرفع سقف الخطاب الوطني إلى مستوى غير مسبوق وربما لن يتكرر، كان يهاجم الولايات المتحدة عندما يختلف معها، ويتحدى بريطانيا التي احتلت مصر لعقود، ويقف في مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956.
وبالنسبة لكثير من المصريين، لم يكن ذلك مجرد موقف سياسي، بل شعورًا بأن بلادهم استعادت كرامتها وصوتها بعد سنوات طويلة من التبعية والانكسار.
لم يكن عبد الناصر بالنسبة لملايين المصريين مجرد رئيس دولة، بل الرجل الذي منح أبناء الفقراء فرصة للتعليم والعمل والصعود الاجتماعي لأول مرة. لذلك ارتبط اسمه في ذاكرة كثيرين بتحسن الأوضاع الاجتماعية أكثر مما ارتبط بالسياسة وحدها.
ربما لا يكون السؤال الحقيقي لماذا أحب المصريون عبد الناصر رغم النكسة، بل لماذا ظلوا يرون فيه شيئًا أكبر من النكسة نفسها، فالهزائم العسكرية يمكن أن تُسجل في كتب التاريخ، أما الزعماء فيسكنون منطقة أكثر تعقيدًا داخل الذاكرة الجماعية، منطقة لا تحكمها الأرقام وحدها ولا الوقائع وحدها، بل تحكمها المشاعر أيضًا، هُزمت مصر في يونيو 1967، لكن عبد الناصر لم يُهزم في وجدان ملايين المصريين، ولهذا ظل الجدل حوله حيًّا حتى اليوم.
يتحدث محمد أشرف عن المفارقة التاريخية العجيبة في العقل الجمعي المصري تجاه الزعيم جمال عبد الناصر، مستندًا إلى ذكريات طفولته بمدينة بني سويف حيث استرعى انتباهه استماع الجماهير لخطب الرئيس الراحل بشغف بالغ بعد عقود من رحيله، ليطرح تساؤلًا جوهريًّا حول أسباب هذا العشق الشعبي الجارف رغم وقوع النكسة العسكرية القاسية في يونيو، وتداعياتها السلبية على المشهد السياسي.