أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

إسراء عبد الحافظ

الخيال كمقاومة.. استعادة الحلم كفعل سياسي

إسراء عبد الحافظ

من الفردوس الموعود إلى متاهة الخوف تشكل المخيال الديستوبي في عصر النهايات

كان المستقبل في لحظات الحداثة الأكثر تفاؤلاً ضفة أخرى للنهر يسعى البشر لعبورها.

كان فضاءً أبيض تمتد إليه طوباواتهم، ومسرحاً تعرض عليه أعظم مشاريعهم الجماعية. لكن شيئاً قد تغير في العلاقة بين الإنسان وزمنه القادم. ولم يعد المستقبل وعداً ينتظر، لكنه صار تهديداً يتربص.

أخبار ذات صلة

إسراء عبد الحافظ
الخيال كمقاومة.. استعادة الحلم كفعل سياسي
images (1) (15)
كواليس مفاوضات الأهلي لضم النيجيري أكينتولا | خاص
علما العراق وإيران
"فخ الكاش" و"فيتو المالكي".. كيف تعيد واشنطن "هندسة" العراق لتأمين ضربة طهران؟

لم يعد فضاءً لبناء المدن الفاضلة، فأصبح متاهة من الديستوبيات المتراصة، كل منها أكثر قتامة من الأخرى. كيف حدث هذا الانقلاب؟ وما الذي جعل خيالنا أسيراً للقنوط، عاجزاً عن تخيل مخرج غير الكارثة؟

من المدينة الفاضلة إلى متاهة الديستوبيا (انكماش الحلم)

في زمن ليس بعيداً، كان المستقبل مرادفاً للاتساع فضاءات مفتوحة، ومدن طائرة، ومجتمعات تتصالح فيها التقنيات المعاصرة مع العدالة وكان سقف الطموح مرتفعاً إلى حد الجنون القضاء على الفقر، وابتكار علاج لجميع الأمراض، وصل الجنون لحلم استعمار الفضاء.

 

كان الإنسان في صدارة هذا المشهد: المهندس، المبتكر، الحالم. أما اليوم، فقد تقلصت الأحلام إلى حجم أجسادنا المنهكة، وسرديات المستقبل السائدة لم تعد تعد بالجنة، لكنها تدربنا على البقاء في جهنم الحالية.

 

أصبحنا نعيد تعريف الطموح الجماعي لم نعد نريد بناء مدينة فاضلة، صرنا نتمنى فقط ألا نؤكل في الزاوية المظلمة من المتاهة ..

هذا التحول ليس اعتباطياً، لكنه انعكاس لفقدان الثقة في قدرة الجماعة على تشكيل مصيرها. حيث تضاءلت فعالية المؤسسات الكبرى والأمم والحركات الجماهيرية، وحل محلها فرد يكافح من أجل البقاء في عالم لا يرحم.

 

تحول الإنسان من كائن سياسي يصنع التاريخ إلى كائن بيولوجي يدافع عن جسده ..

الفردوس التكنولوجي قناعاً للتحكم الكلي

ربما لا توجد خدعة أكبر في عصرنا من الفردوس الرقمي تقدم لنا المدن الذكية، وبيوت الإنترنت، والهوية الرقمية الموحدة كأدوات للتحرر والكفاءة، تباع حلماً شفافاً في عالم بلا ط2وابير وبيروقراطية، عالم تنبض فيه الخدمات بأطراف أصابعنا لكن السرد الفني الناقد (من الأدب إلى الدراما إلى السينما) يخلع هذا القناع بلا توقف تحت واجهات المستخدم الجميلة تظهر آليات تحكم لم يسبق لها مثيل مراقبة شاملة، وتصنيف سلوكي، مجتمع يقرأ سكانه ولا يُقرؤون، يتتبع ولا 2، ويستهلك أوهاماً بينما تشد حبال السيطرة حول أعناقهم. فالتهديد لم يعد يأتي بصوت الديكتاتور الصارخ، بل بصوت المساعد الصامت ولم يعد القمع بقوانين استثنائية، بل بنظم توصية ذكية.

 

وهذا هو الجديد لقد أصبحنا في عالم يُشترى فيه رضانا بقضمات صغيرة من الراحة ثمناً لسيادتنا الكبيرة، واختفاء الإنسان من مهندس المستقبل إلى ظل في الخوارزمية حيث كانت شخصية ( مهندس المستقبل) محورية في الخيال التقدمي العالم ذو المعطف الأبيض، والمخطط الحضري، ورائد الفضاء، والقائد الثوري، والمعلم المثقف كلهم كانوا تجسيداً لفكرة أن الإنسان هو الفاعل، وأن إرادته الجماعية قادرة على تشكيل الصخر الزمني.

 

كل هذا اختفى تحت وطأة تحولين متلازمين تحول الإنسان إلى مستخدم يُعرِّف نفسه عبر حساباته الرقمية، يُقدَّر بقيمته الاستهلاكية، يُدرب على التنقل في واجهات صممها آخرون، ليس صانعاً بل متلقياً. وأيضاً تحول الإنسان إلى ضحية في سرديات المناخ والأوبئة والذكاء الاصطناعي الجامح. صار الإنسان إما لاجئاً، أو مريضاً، أو مادة خام لتجارب قسرية. حتى حين يحاول البطولة، كما في قصص البقاء، فهو بطل من نوع جديد بطل عدمي يقاتل فقط ليعيش يوماً إضافياً، بدلاً من أن يبني عالماً جديداً. لقد استبعد الإنسان من موقعه كصانع معنى، وأصبح حلقة في سلسلة غذائية تكنولوجية أو بيئية لا تفهم قوانينها ..

موت المستقبل الخطي واستنفاد الوقود السردي

كانت الحداثة تمتلك سرديات كبرى، وحكايات شاملة عن التقدم وتطور البشرية من البساطة إلى التعقيد، ومن الأسطورة إلى العقل، ومن الحاجة إلى الوفرة. هذه الحكايات، مهما اختلفت مضامينها، كانت تشترك في إيمان واحد أن التاريخ يسير في اتجاه، والإنسانية تسير معه.

 

واليوم انهار هذا التصور الخطي، ليس فقط لأن المشاريع العملاقة فشلت في تحقيق وعودها، بل لأن فكرة الاتجاه نفسها أصبحت موضع شك لم يعد التاريخ يسير إلى الأمام، لكن أصبح يدور في مكانه، أو يتراجع، أو يتشظى إلى آلاف المسارات الصغيرة التي لا تشكل معاً قصة واحدة ..

نحن نعيش في زمن ما بعد السرديات الكبرى، لم يعد هناك إجابة واضحة عن السؤال: إلى أين نحن ذاهبون؟ الاستبدال الذي حصل لم يكن سردية جديدة، بل غياب السردية وحل محلها توقعات إحصائية، ونماذج محاكاة حاسوبية، ومخاوف منتشرة. فقدنا القدرة على رواية غد مختلف جذرياً، لأننا لم نعد نصدق أن الجماعة البشرية تمتلك المقدرة على تغيير مسارها بوعي.

هناك لحظات في التاريخ لا تغير الواقع فقط، لكنها تغير طبيعة توقع الواقع نفسه: الحرب الشاملة التي جعلت المدن ساحات قتال والمدنيين أهدافاً، والقنبلة الذرية التي جعلت الإبادة الجماعية مسألة ثوانٍ، وكارثة المفاعل النووي التي جعلت التسرب كابوساً صامتاً يلوث الأجيال، والانهيار المالي المفاجئ الذي هوى بثروات وأحلام بين عشية وضحاها هذه النوازل لم تكن مجرد كوارث عابرة، كانت محوّرات للأفق قبلها، كان المستقبل يُتصور كاستمرارية محسنة للحاضر. بعدها، أصبح يُتصور كقطيعة نحو الأسوأ لقد تم استعمار الخيال الجماعي بالقنوط، لحالة يصبح فيها سيناريو الكارثة هو الأسهل تخيلاً، بينما يتطلب التفاؤل جهداً غير طبيعي وكثيراً من التبرير. وهذا هو الوجه الآخر لانهيار المشاريع الكبرى لم تعد تلك المشاريع توفر لنا دروعاً نفسية ضد الخوف أصبحنا نواجه المستقبل عراة، بلا حكاية كبرى تطمئننا أن هناك يداً خفية (سواء طبيعية أو إلهية أو تاريخية) تعيد ترتيب الأمور في النهاية.

التحرر الموعود يتحول إلى هيمنة مرعبة

هذه هي المفارقة المركزية في عصر لم نشهد فيه تقدماً علمياً وتقنياً بمثل هذه السرعة، وتراجعاً هائلاً في قدرتنا على رؤية هذا التقدم كخير مطلق وعلاج أمراض كانت فتاكة، القدرة على تعديل الجينات، والذكاء الاصطناعي القادر على احتلال عقل الإنسان كلها إنجازات مهولة، لكنها لا تثير الرهبة نفسها التي كان يثيرها أول قمر صناعي أو أول مضاد حيوي. والسبب ليس نكراناً للجميل، لكنه تحول في إطار التأويل. لم نعد نرى العلم كحليف بطولي يواجه الجهل والمرض، لكن نراه كقوة غامضة ولامبالية في الخيال الفني السائد اليوم، الذكاء الاصطناعي يقرر أن البشر زائدون عن الحاجة، والبيوتكنولوجيا تصنع كائنات هجينة أو تخلق فوارق نوعية لا رجعة فيها بين الأغنياء والفقراء، واستعمار الفضاء يمنح المليارديرات مخرجاً من كوكب دمروه.

لقد استبدلنا صورة العالم المنقذ بصورة المهندس الشرير أو الشركة الخارجة عن السيطرة، وكل اختراق علمي جديد يُقرأ الآن من خلال عدسة ماذا لو أُسيء استخدامه؟ وهي عدسة مشروعة، لكنها أصبحت تحتكر المشهد.

 

ونادراً ما نرى عملاً فنياً جاداً يصور التقدم التقني كمفتاح للتحرر الجماعي، وكثيراً ما نرى أعمالاً تصوره كمقدمة لديستوبيا هادئة أو صاخبة ..

عندما يُباع المستقبل بالتقسيط

نعيش في زمن بات فيه المستقبل كسلعة تعلن عنها الإعلانات التجارية قبل أن تكون رؤية سياسية.

 

نجد أنفسنا أمام مفارقة كبرى: الرأسمالية المتأخرة لم تعد تكتفي باستعمار الجغرافيا والموارد، بل وسعت نطاق استعمارها ليشمل الزمن ذاته.

 

فالمستقبل، ذلك الأفق المفتوح الذي كان يوماً ملكاً للجميع، تحول إلى منتج يُباع على أقساط: هاتف ذكي جديد يعدك بمستقبل متصل، وسيارة كهربائية تصور لك غداً نظيفاً، وخدمة اشتراك تجعل من الأمل عادة شهرية.

لكن ثمن هذا التحول هو تجريد المستقبل من طابعه الجماعي، وجعله حكراً على من يستطيع الدفع. والمشكلة هنا ليست فقط في احتكار المستقبل اقتصادياً، لكن في توحيد صورته. حتى في لحظاته الكابوسية: افتح أي فيلم أو رواية ديستوبية معاصرة ستجد المشهد نفسه: سماء بلون النيوكروم البارد، وأمطار حمضية، وجدران خرسانية تتخللها شاشات لامعة، وفقر عالي التقنية حيث الجياع يحملون هواتف ذكية وهذا التشابه المقلق يكشف عن أزمة أعمق غياب الآخر المختلف لم تعد هناك تخيلات بديلة للمستقبل قادمة من أفريقيا أو من آسيا ما بعد الاستعمار أو حتى من أمريكا اللاتينية. حتى الكابوس صار غربياً ومستورداً جاهزاً للاستخدام، وكأننا عالقون في حلم ثقيل لا نملك القدرة على تغيير قوالبه ..

هيمنة هذه اللغة البصرية ليست محض صدفة، لكنها نتيجة طبيعية لتمركز إنتاج الثقافة والتصورات المستقبلية في نخب غربية محددة تعيد إنتاج مخاوفها الخاصة ثم تبيعها للعالم كأنها المخاوف الوحيدة الممكنة وفي المقابل تختفي أصوات تتصور مستقبلاً مختلفاً، ليس بالضرورة يوتوبيا وردية، لكنه مستقبل مختلف في بنيته وأسئلته وقلقه. لكن الهروب من الديستوبيا الموحدة لا يعني بالضرورة العودة إلى اليوتوبيا الكبرى الكلاسيكية، تلك المدن الفاضلة الكاملة التي تخطئ مثلما تصيب. ربما الحاجة اليوم ليست إلى يوتوبيا غائية (ذلك الحلم النهائي الكامل) لكن نحو يوتوبيا إجرائية مستقبل ليس جميلاً بشكل مطلق، لكنه أقل سوءاً وأكثر عدالة بشكل تراكمي نتجه إليه. يوتوبيا متواضعة تعترف بعيوبها وتتطور مع الزمن، ولا تعد بإنهاء التاريخ لكن بتحسين شروطه اليومية.

 

وهناك نماذج صامتة لهذه اليوتوبيا المتواضعة، لكنها لا تحظى باهتمام كافٍ لأنها لا تصنع عناوين مثيرة: كالمدن البطيئة التي تعلن استقلالها عن طغيان السرعة، كمجتمعات ما بعد النمو في شمال أوروبا التي تعيد تعريف الرفاهية بخلاف الاستهلاك. هذه النماذج لا تعلن عن نفسها كيوتوبيا، لكنها تحمل في تفاصيلها اليومية إجابة ضمنية على سؤال كيف يمكن أن يكون المستقبل أجمل دون حاجة إلى أبراج فضية أو سيارات طائرة؟

الخيال سلاح بقاء البشر

ليس العودة إلى الطوباويات الساذجة التي تجاهل الخلاص ليس في سردية كبرى جديدة، بل ألف سردية صغرى تروي ببطولة متواضعة. فالعبرة ليست في استعادة الثقة بالمستقبل الخطي، بل في استعادة القدرة على الفعل في الحاضر.

 

والمستقبل قد لا يكون فاضلاً، لكنه ليس ديستوبيا كاملة أيضاً.

 

إنه أرض متنازع عليها، والكتابة عنه الآن بأي شيء غير الرعب هو فعل مقاومة ثقافي يحتاج إلى شجاعة لا تقل عن شجاعة رواد الفضاء الأوائل. وفي هذا السياق، تعيد حركات المناخ والأقاليم المستقلة اكتشاف حقيقة قديمة: تخيل المستقبل هو الفعل السياسي الأول والأخير.

فقبل أن تُبنى أي مؤسسة أو يُسن أي قانون، هناك حاجة إلى صورة مغايرة للعالم، إلى حلم مشترك يبرر التضحية والمسيرة الطويلة حركة إيقاف الانتقال ليست مجرد احتجاج على سياسة بعينها، لكنها تمرين جماعي على تخيل عالم بعد النفط والأقاليم المستقلة (الكردية أو الزاباتيستية) ليست مشاريع سياسية فقط، لكنها مختبرات حية لتعريف الحرية والعدالة خارج القاموس الغربي السائد.

 

وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن الخوف من المستقبل صار أداة استعمار أكثر فعالية من الأمل فقد تعلمت البشرية خطأً أن المستقبل لا يُستعمر إلا بالخوف نخوفك بالجوع فنبيعك طعاماً معالجاً، نخوفك بالوحدة فنبيعك تواصلاً افتراضياً، نخوفك بالتخلف فنبيعك أجهزة تتقادم كل عام لكن تحويل الحلم الجميل إلى رفاهية هو أقسى دروب الخنوع، فذلك الحلم لم يعد متاحاً إلا لمن يملكون ما يخسرونه، أي تقريباً لا أحد وربما تكون بداية الخروج هي استعادة الحق في حلم جماعي متواضع وقابل للخطأ، لكنه حلمنا نحن، لا حلم يعلن عنه في مؤتمر تكنولوجي.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

مضيق هرمز
الصين في مواجهة معادلة هرمز.. أستاذة علوم سياسية: بكين تحولت من وسيط إلى طرف يحمي مصالحه
نتنياهو
800 شهيد في زمن “الهدوء”.. غزة تحت هدنة الموت
لبنان
الأرض المحروقة أو المنطقة العازلة.. سيناريوهات متوقعة لمحاولات الوجود الإسرائيلي في لبنان
إيران وأمريكا
تنسيق تحت خط النار.. خبير: واشنطن تريد التضحية بـ لبنان لإخضاع طهران

أقرأ أيضًا

الكاتب الصحفي عمرو بدر
عمرو بدر يروي حكايته مع صاحبة الجلالة..بدأت بـ100 جنيه.. رحلة أول وآخر مرتب في الصحافة الورقية
أماني القصاص
الجهل المقدّس.. حين يبيع بعض الأطباء الوهم باسم الدين ويُهينون النساء باسم النصيحة
السفير معصوم مرزوق
استراتيجية الخروج من الأزمة!
محمد نور
التغلغل الإسرائيلي في أرض الصومال تهديد للاستقرار الإقليمي