أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

أماني القصاص

الجهل المقدّس.. حين يبيع بعض الأطباء الوهم باسم الدين ويُهينون النساء باسم النصيحة

أماني القصاص

في زمنٍ لم يعد فيه الضجيج عرضًا جانبيًا، بل صار هو المشهد كله، يتقدّم نوعٌ أكثر خطورة من الجهل إلى الواجهة: جهلٌ لا يعتذر عن نفسه، بل يتزيّن باليقين، ويتحدث بثقة، ويستعير من الدين لغته ليحصّن نفسه من أي مساءلة.

هنا لا نقف أمام خطأ يمكن تصحيحه، بل أمام خطاب يفرض نفسه كحقيقة نهائية، يخلط بين العلم والإيمان خلطًا انتقائيًا، ثم يقدّمه للناس في صورة مقدّسة لا تقبل النقاش.

داخل هذا المشهد، يظهر نموذج بات مألوفًا حدّ الابتذال: طبيب يتكلم من موقع سلطة علمية، لكنه ينتقي من العلم ما يخدمه، ويستدعي من الدين ما يريده، ثم يدمج الاثنين في خطاب واحد يبدو متماسكًا ظاهريًا، بينما هو في حقيقته بناء هش قائم على الانتقاء والهوى.

أخبار ذات صلة

مضيق هرمز
الصين في مواجهة معادلة هرمز.. أستاذة علوم سياسية: بكين تحولت من وسيط إلى طرف يحمي مصالحه
نتنياهو
800 شهيد في زمن “الهدوء”.. غزة تحت هدنة الموت
لبنان
الأرض المحروقة أو المنطقة العازلة.. سيناريوهات متوقعة لمحاولات الوجود الإسرائيلي في لبنان

لا يعود المتلقي قادرًا على الفصل بين ما هو حقيقة علمية قابلة للفحص، وما هو رأي شخصي مغلّف بهالة من القداسة، لأن كليهما يُطرحان بالنبرة ذاتها الواثقة التي لا تعرف التردد.

الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يكتفي بتبسيط العلم، بل يعيد صياغته بالكامل وفق مزاج قائله؛ تُطرح أحكام قاطعة على أجساد النساء وسلوكهن وكأنها قوانين بيولوجية ثابتة، بينما هي في جوهرها تأويلات مبتورة تُنتزع من سياقها وتُقدَّم كحقائق.

تُختزل العلاقات الإنسانية المعقدة في معادلات بدائية من الطاعة واللوم، ويُستدعى خطاب ديني مجتزأ ليمنح هذه الأحكام شرعية زائفة، فيتحول الاختلاف إلى ذنب، والنقاش إلى تمرّد. هنا لا نكون أمام جهل ساذج، بل أمام إعادة تصنيع متعمّدة للواقع، يُعاد فيها ترتيب الحقيقة بما يخدم سردية واحدة لا تسمح بأي مساءلة.

وفي هذا السياق، تصبح النساء الهدف الأكثر جاهزية للاستهداف، تُحمَّلن مسؤولية ما لا يمكن حصره من أزمات، وكأن المجتمع لا يختل إلا بهن، ولا يستقيم إلا بإخضاعهن.

تُختزل المرأة في جسد أو دور أو وظيفة، ويُغضّ الطرف عن كل تعقيدات الواقع، ليُستبدل التحليل الجاد بخطاب حاد يلبس نفسه ثوب النصيحة، بينما يحمل في داخله احتقارًا واضحًا لا يحتاج إلى جهد كبير لاكتشافه.

هذا الخطاب لا يُهين النساء فقط، بل يُهين العلم ذاته، فالعلم، بطبيعته، يقوم على الشك، وعلى المراجعة، وعلى الاعتراف بالتعقيد، أما حين يُختزل في عبارات قاطعة تُقال بثقة مفرطة دون دليل كافٍ، فإنه يفقد جوهره ويتحوّل إلى أداة بلاغية تُستخدم لإثبات قناعات مسبقة، لا لاكتشاف الحقيقة. هنا يتحول “الطبيب” من باحث إلى واعظ، ومن ناقل للمعرفة إلى صانع يقين زائف.

ولم يكن لهذا الخطاب أن ينتشر بهذا الشكل لولا بيئة تُكافئ الصدمة أكثر مما تكافئ الدقة. منصات التواصل الاجتماعي لا تعاقب التضليل، بل تُكافئه إذا كان مثيرًا بما يكفي.

وكلما كان المحتوى أكثر استفزازًا، وأكثر قدرة على إثارة الغضب أو التأييد، زادت فرص انتشاره. وهنا يصبح التريند غاية في حد ذاته لا وسيلة، ويُعاد تشكيل المحتوى ليخدمه لا ليخدم الحقيقة.

ثم يأتي العامل الأخطر: قابلية بعض المتلقين لتصديق ما يُقال لهم إذا قُدِّم بثقة كافية. في عالم معقّد، يبحث الناس عن إجابات سهلة، عن شخص يقدّم لهم تفسيرًا مباشرًا، حتى لو كان هذا التفسير سطحيًا أو مضللًا.

وعندما يُغلف هذا التفسير بلغة دينية، فإنه يكتسب وزنًا مضاعفًا، لأنه يخاطب منطقة حساسة في وجدان الناس، ويمنحهم شعورًا زائفًا باليقين.

وتكشف الأرقام جانبًا أكثر قسوة من الصورة؛ فبحسب تقارير دولية عن سلوك المستخدمين، يحصل المحتوى المثير للجدل على معدلات تفاعل تزيد بنحو 60% مقارنة بالمحتوى التوعوي الهادئ، بينما تُظهر دراسات عن انتشار المعلومات المضللة أن الأخبار أو الآراء غير الدقيقة تنتشر أسرع بنحو ست مرات من المحتوى الصحيح.

وفي المجال الصحي تحديدًا، تشير تقديرات إلى أن ما يقرب من ثلث المحتوى المتداول على بعض المنصات يحمل معلومات غير دقيقة أو غير موثقة. هذه الأرقام لا تعكس مجرد خلل عابر، بل تكشف بنية كاملة تُكافئ التضليل وتُعاقب التعقيد، وتمنح الصوت الأعلى فرصة أكبر من الصوت الأصدق.

تأثير هذا الخطاب لا يتوقف عند حدود الشاشات؛ فهو يتسلل إلى البيوت، إلى العلاقات، إلى الطريقة التي يرى بها الناس أنفسهم والآخرين، رجل يتشبع بفكرة أن المرأة أصل الخلل، وامرأة تبدأ في محاسبة نفسها بمعايير قاسية وغير عادلة، ومجتمع يُعاد تشكيل وعيه تدريجيًا على أساس تبسيطات مُخلّة تُقصي كل ما هو معقّد وحقيقي.

والأخطر أن هذا النوع من الخطاب يهز الثقة في الطب نفسه، حين يرى الناس هذا التناقض الفج بين ما يُقال وما يُعاش، لا يميزون دائمًا بين الطبيب الحقيقي وصانع التريند، بل يفقدون الثقة في المجال كله، وهنا لا يكون الضرر فرديًا، بل جماعيًا، لأنه يضرب أحد أهم أعمدة الأمان في حياة الناس: الثقة في المعرفة.

المفارقة أن بعض من يسلكون هذا الطريق لم يبدأوا به؛ ربما كانت البداية رغبة في التوعية، لكن مع الوقت، ومع إغراء الأرقام، تغيّرت البوصلة، أصبح السؤال: ماذا سيجلب تفاعلًا أكبر؟ لا: ما الذي يفيد الناس؟ وهنا يتحول الطبيب من صاحب رسالة إلى لاعب في سوق الانتباه، ومن باحث عن الحقيقة إلى منتج للجدل.

المواجهة لا تكون بالصمت، ولا بالانزلاق إلى سباب شخصي يفقد الخطاب قيمته. ما نحتاجه هو استعادة صوت العلم الرصين، القادر على الوصول إلى الناس دون أن يخدعهم، وعلى تبسيط المعرفة دون أن يفرغها من مضمونها، نحتاج إلى خطاب يحترم عقل المتلقي، لا يستغله، ويفصل بوضوح بين ما هو علمي وما هو رأي شخصي، دون أن يستدعي الدين كأداة ضغط أو ترهيب.

كما أن المسؤولية لا تقع على هؤلاء وحدهم، بل تمتد إلى الجمهور، في زمن تتوفر فيه المعلومات بضغطة زر، لم يعد التلقي السلبي خيارًا آمنًا. التحقق، والسؤال، ومراجعة المصادر لم تعد رفاهية، بل ضرورة لحماية الوعي من التلاعب.

وفي النهاية، ليست القضية قضية أشخاص، بل قضية نمط يتكرر ويتسع، نمط يخلط بين العلم والدين والهوى، ويصنع من هذا الخليط سلطة يصعب مساءلتها، وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي على وعي قادر على التمييز، وعلى رفض تحويل الجهل إلى يقين.

أما الحقيقة الأكثر إيلامًا، فهي أن هذا الخطاب لا يكتفي بتضليل الناس، بل يُنتج أذى حقيقيًا يتسلل بهدوء إلى النفوس: نساء يُقنعن بأنهن سبب كل خلل، علاقات تُدار بمنطق الاتهام لا الفهم، وأجيال تنشأ على تصورات مشوهة عن أنفسها وعن الآخر.

الأخطر أن هذا الأذى لا يُقدَّم كخطأ، بل كفضيلة، ولا كتشويه، بل كتصحيح. وهنا يتحول الجهل من نقص في المعرفة إلى أداة للهيمنة، تمارس عنفها الرمزي بلا ضجيج، وتعيد تشكيل العقول على مقاس خطاب لا يعترف بالإنسان إلا بقدر خضوعه.

الجهل، حين يكون عاريًا، يمكن مواجهته. أما حين يُقدَّس، فإنه يصبح أكثر قدرة على التسلل، وأكثر خطورة على العقول. وهنا، لا تكون المواجهة خيارًا، بل ضرورة.

أماني القصاص

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

إيران وأمريكا
تنسيق تحت خط النار.. خبير: واشنطن تريد التضحية بـ لبنان لإخضاع طهران
القانون الدولي - تعبيرية
من مجلس الأمن إلى ميادين الصراع.. القانون الدولي إلى أين؟
تعبيرية
هل تمهد الإفراجات الأخيرة لتصفية ملف سجناء الرأي في مصر؟.. سياسيون يوضحون
علما باكستان وتركيا
الوساطة الباكستانية التركية.. هل تضع حلًا لصراع واشنطن وطهران؟

أقرأ أيضًا

الكاتب الصحفي عمرو بدر
عمرو بدر يروي حكايته مع صاحبة الجلالة..بدأت بـ100 جنيه.. رحلة أول وآخر مرتب في الصحافة الورقية
أماني القصاص
الجهل المقدّس.. حين يبيع بعض الأطباء الوهم باسم الدين ويُهينون النساء باسم النصيحة
السفير معصوم مرزوق
استراتيجية الخروج من الأزمة!
محمد نور
التغلغل الإسرائيلي في أرض الصومال تهديد للاستقرار الإقليمي