تثيرني منشورات الدفاع عن تصرفات “أمريكا ترامب” حدَّ الاستفزاز، ممن نُلبسهم ثوب المثقفين “العرب”، هؤلاء الذين اتخذوا من أنفسهم بوقًا لجرائم واشنطن في طهران، وربما في غزة، دون ذرة حياء أو خجل.
والحقيقة المؤسفة التي يعرفها الجميع أن واشنطن الحالية، بعظمتها وجبروتها، ما هي إلا دمية في يد الشيطان الأكبر نتنياهو؛ مجرد جسدٍ مُخدَّر منقاد، يفتقد القدرة على التحكم أو الاختيار، ومن يؤيدون أفعالها يقفون، بالطبع، في صف الكيان المجرم بلا جدال.
أسمع أحدهم يقول: أنا ناصرت غزة بقلمي، ووقفت معها بقلبي، ولا أحد يزايد علينا، وعدائي لطهران أزلي، وربما ديني وقومي، وهؤلاء للأسف هم أضلُّ سبيلًا.
فمن منظور ديني، فإننا مأمورون بالوقوف ضد الفئة الباغية، ولا يختلف اثنان على بغي ترامب ونتنياهو وفسادهما وعلوِّهما في الأرض. وإن كان الإيرانيون شيعة يسبون الصحابة، فاليهود لا دين لهم، يسبون الله ورسوله. ومن منظور قومي، فتبقى إيران جارًا للمسلمين منذ آلاف السنين، أما الصهاينة فهو كيان سرطاني وعدو وجودي لكل العرب والمسلمين والإنسانية جمعاء.
بالطبع لا أدافع عن إيران، ولا تُغتفر جرائمها في المنطقة وتدخلاتها السافرة، على مدى أعوام، في شؤونها، وتكوينها لجيوب وأذرع غصبًا وقهرًا تحت ذريعة مقاومة الاحتلال.
كما لا ننسى تمزيقها لدول عربية مثل اليمن ولبنان والعراق وأفغانستان وغيرها، ولا نغفل دعمها للدكتاتور المخلوع بشار الأسد في سوريا ضد شعبه، وارتكاب المجازر وتهجير الملايين.
تاريخها الأسود لا يُمحى، ولا يمكن لعاقل أن يُجمِّله، لكن مع كل هذا، فهو نقطة في بحر جرائم الكيان المسمى إسرائيل، وكذا قطرة من غيث مجازر أمريكا في المنطقة؛ فالأخيرة لم تترك دولة عربية ولا إسلامية إلا ومزقتها، تارةً بالسلاح، وأخرى بالغزو الفكري والمعلوماتي، وثالثةً بالابتزاز السياسي والاقتصادي، فخربت العقول عن قصد، ودمَّرت الشباب عن تخطيط، وفككت الأسر عن سوء نية، ونزعت الدين بأساليب شيطانية، كل ذلك تفعله تحت غطاء الحرية والديمقراطية والعولمة وغيرها من المصطلحات البراقة التي تبيَّن كذبها وزيفها.
ولا أعرف لماذا يسنُّ هؤلاء أسنانهم ضد إيران الآن؛ والمروءة تقول: لا تضرب من أنهكه الألم، وليس من الشجاعة أن تنقض على جريح خاض حربًا دفاعًا عن شرفه.
وبعيدًا عن المروءة التي يفتقدها هؤلاء، سؤالي: لماذا أنت غاضب منها الآن؟ هل لإرادتها في امتلاك سلاح نووي، أم لعدم تنازلها عن برنامجها الصاروخي، أم عن موقفها في قضية غزة، أم لضربها قواعد أُنشئت خصيصًا لضربها وحماية تل أبيب، أم لأنها لم تخرَّ ساجدةً للأمريكي والصهيوني، أم لأنها تأكل بيدها فتنتج سلاحها وغذاءها وتدافع عن نفسها رغم الحصار والعقوبات، ولا ترتمي في أحضان المجرمين أمثال “المعروفين” أو جماعة لا سمح الله، كما يُطلق عليهم؟
وإن كان هؤلاء يضايقهم قادة إيران، فقد قُتل في الحرب الصف الأول، وربما الثاني، وبقيت الشعوب. فهل مقتل 170 طفلة داخل مدارسهم، وأكثر من 3 آلاف مدني في مساكنهم وشوارعهم، لا يستدعي التعاطف منك، أو جرة قلم من سيادتك، أو حتى الصمت، أيها المتأمرك الرخيص؟
عبدالله مفتاح