في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتعقّد المشهد السياسي في الشرق الأوسط، تقف الولايات المتحدة أمام معادلة شديدة الحساسية بين التزامها التاريخي بدعم أمن إسرائيل، وبين تجنّب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تُشعل المنطقة بأسرها.
ويعكس هذا التوازن الدقيق ما يمكن وصفه بـ”حافة الهاوية”، حيث تتداخل الحسابات الاستراتيجية مع الضغوط الداخلية والخارجية، وتصبح كل خطوة محسوبة بدقة لتفادي تصعيد غير محسوب.
بدأ الدكتور هاني الجمل، نائب مدير مركز تفكير للشؤون السياسية، حديثه لـ”القصة” قائلاً: أعتقد أن الدعم الأمريكي لإسرائيل ما زال مطلقًا، وهي التي تقوم بهندسة المشهد التفاوضي، سواء كان بشكل حربي ضد إيران أو بشكل تفاوضي معها، بالإضافة إلى إدارتها للمسارات التفاوضية مع الجانب اللبناني، ومنحها مساحات واسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
أمن إسرائيل هو الأولوية الأولى لأمريكا
وتابع: “وذلك من أجل أن يكون لإسرائيل اليد العليا في مجريات الأحداث، وبالتالي هناك بعض الضغوط، لكنها ليست لكبح جماح إسرائيل، بل لضمان أن يظل أمنها هو الأولوية الأولى لأمريكا في هندسة المشهد الإقليمي، خاصة بعد قدرة إيران على الصمود خلال هذه الفترة، وعودة حزب الله لاستهداف العمق الإسرائيلي”.
وأضاف: “كل ذلك يؤكد أن أمريكا لن تنفصل كليًا أو جزئيًا عن إسرائيل، لكن في الوقت الراهن، ومع انتهاء مهلة الـ60 يومًا التي تحدد طبيعة التحركات الأمريكية، قد يشير ذلك إلى نوع من الهدوء النسبي، وليس تراجعًا عن دعم إسرائيل”.
واستكمل: “نتنياهو هو الرجل الأقوى، وبالتالي لا تستطيع أمريكا التحكم فيه لمنع الحرب، لأن التجارب السابقة أثبتت قدرته على التحرك بشكل منفرد، وإدخال النظام الأمريكي في أزمات، إذ إنه عقب اجتماعه مع ترامب، انخرطت أمريكا في تقديم ضربات أزاحت العديد من رموز النظام الإيراني”.
الاتفاقيات الثنائية
وأضاف الجمل: “تحاول واشنطن الحفاظ على أمن إسرائيل باعتبارها دولة وظيفية، هدفها حماية المصالح الأمنية الأمريكية في المنطقة، كما تحافظ إسرائيل على العمق الاستراتيجي والمصلحة الأمريكية من خلال اتفاقيات، سواء كانت شكلية أو ثنائية”.
وأردف: “الأزمة التي تواجهها أمريكا حاليًا تتعلق بقرب انتهاء الفترة التي يحق للرئيس خلالها شن عمليات عسكرية ضد دولة خارجية، ما يضعه أمام خيارات متعددة، وقد تسعى واشنطن إلى تقليص قدرات إيران العسكرية، لكنها لم تتمكن حتى الآن من تنفيذ عمليات عسكرية واسعة. وبالتالي، فإن تجنب المواجهة المباشرة مع إيران لا يعني بالضرورة غلق المضيق”.
واختتم: “هذا النهج قد يفتح المجال أمام مفاوضات دبلوماسية جديدة، لكن في المقابل، قد تشمل الخيارات البديلة استخدام ضربات دقيقة بأسلحة متطورة، أو تنفيذ هجوم بري للسيطرة على مواقع استراتيجية”.
واشنطن تتبع سياسة الدعم مع الضغط
من جانبه، قال الدكتور نعمان أبو عيسى، الخبير في الشأن الأمريكي إن واشنطن تتبع عمليًا سياسة “الدعم مع الضبط”، حيث تؤكد التزامها بأمن إسرائيل عبر دعم عسكري واستخباراتي، وأنظمة دفاع مثل القبة الحديدية، وفي الوقت نفسه ترسل رسائل ردع لإيران وحلفائها عبر نشر قوات أو حاملات طائرات في المنطقة.
وتابع: “تنقسم القوات الأمريكية إلى ثلاث قوى: بحرية وجوية وبرية، وقد استخدمت الولايات المتحدة قوتها الجوية في بداية الحرب لمدة 39 يومًا دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار الحكومة الإيرانية، ثم تهيأت لاستخدام القوة البرية، لكنها تراجعت خوفًا من كلفة التدخل، وحاليًا تعتمد على الحصار البحري، رغم عدم استخدامه في البداية لتأثيره على الأسواق العالمية”.
وأضاف: “هذه قد تكون الورقة الوحيدة المتاحة الآن، في ظل تراجع الذخيرة والخوف من التصعيد، بالتوازي مع استخدام قنوات دبلوماسية مكثفة مع قطر ومصر وأوروبا؛ لاحتواء التصعيد ومنع فتح جبهات جديدة”.
الضغط الأمريكي
واستكمل: “الضغط الأمريكي موجود، لكنه غالبًا “ناعم” وغير معلن، ويتحول إلى ضغط حقيقي في حالات معينة، مثل تهديد خطوات إسرائيل بجرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع إيران، أو توسع العمليات بما يهدد استقرار دول حليفة مثل الأردن أو مصر، أو تصاعد الكلفة السياسية داخليًا مع اقتراب الانتخابات”.
وأشار إلى أن أدوات الضغط تشمل تأخير أو تقييد بعض شحنات السلاح، وربط الدعم العسكري بشروط تكتيكية، مثل تقليل العمليات أو إدخال مساعدات كما حدث في قطاع غزة، بالإضافة إلى ضغوط دبلوماسية خلف الأبواب المغلقة.
وأضاف: تتجنب واشنطن الضغط العلني القاسي، لأنه قد يضعف الحكومة الإسرائيلية أو يدفعها إلى التحدي، مستفيدة من نفوذها داخل المؤسسات الأمريكية. وفي الوقت نفسه، تحاول الإدارة إعادة صياغة موقفها عبر التأكيد أن دعم أمن إسرائيل لا يعني دعم كل سياساتها، والدعوة لحماية المدنيين وتقليل الخسائر، وطرح مسارات سياسية مثل حل الدولتين.
تدفق السلاح والدعم السياسي
واستطرد: “رغم ذلك، ترى العديد من الدول فجوة بين الخطاب والممارسة، خاصة مع استمرار تدفق السلاح والدعم السياسي في المؤسسات الدولية، ما يؤثر سلبًا على صورة واشنطن، لا سيما في العالم العربي والجنوب العالمي. كما أن بعض الدول الأوروبية، مثل إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا، تدرس الانسحاب من اتفاقيات تجارية مع إسرائيل بسبب انتهاكات القانون الدولي”.
وأضاف: “يعتمد الدور الأمريكي على حجم التصعيد، وغالبًا ما يكون تدريجيًا، حيث تشمل المرحلة الأولى حماية القواعد الأمريكية، ودعم الدفاع الجوي لإسرائيل، وتأمين الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، رغم الصعوبات الحالية في السيطرة على مضيق هرمز”.
وتابع: “المرحلة الثانية تتضمن تقديم معلومات استخباراتية متقدمة، ودعمًا لوجستيًا وعملياتيًا، وضربات محدودة ضد وكلاء إيران، إلى جانب الضغط على الحكومة العراقية لضبط الفصائل المسلحة”.
واختتم: “أما المرحلة الثالثة فتشمل ضربات مباشرة ضد أهداف إيرانية ومشاركة أوسع في العمليات، لكن واشنطن تسعى لتجنبها، لأن حربًا شاملة مع إيران ستكون مكلفة وغير مضمونة النتائج، سواء على القوات الأمريكية أو على دول الخليج ومنشآت الطاقة في المنطقة”.