ترتبط حياة أبناء جيلنا، وما سبقه وما تلاه من أجيال، ارتباطًا عضويًا وموضوعيًا وثيقًا، يمكن وصفه بـ”الارتباط الوجودي”، أي الملازم للبقاء والحياة، بقضية الحق الفلسطيني ومقاومة العنصرية الصهيونية، وهي القضية التي آمنا بها إيمانًا خالصًا باعتبارها أمرًا مستحقًا فوق كل اعتبار.
ذلك ما أشار إليه المهندس أحمد بهاء الدين شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي المصري، في تقديمه لكتاب «حكايات مصرية فلسطينية» للمناضل طلعت مأمون، منسق عام اللجنة الشعبية المصرية للتضامن مع الشعب الفلسطيني بالدقهلية، والتي استكمل تأسيسها في 15 يناير 2001 بالمنصورة، بلجنة بلغ عدد أعضائها سبعة وخمسين عضوًا على أساس فردي وليس حزبي، وانضم إليها أفراد من مختلف ألوان القوى الوطنية، وكانت الغالبية من التيار اليساري والناصري.
وكان من أبرز الأعضاء المؤسسين: نبيل الجمل نقيب المحامين آنذاك، والمحامي محمود محمد، والكاتب فؤاد حجازي، والناشط إبراهيم توفيق محمد، والصحفي هشام لطفي، ومن الشعراء سمير الأمير وعلي عبد العزيز وغادة عبد الفتاح، ومن النقاد كاتب هذه السطور محمد ناجي المنشاوي، ومن الأكاديميين الباحث والمفكر الدكتور حاتم الجوهري.
وقد جاء تأسيس هذه اللجنة أثناء اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، المعروفة بانتفاضة الأقصى (سبتمبر 2000)، بأشهر قليلة، وتحددت مهمتها الأساسية في جمع التبرعات المتنوعة للأشقاء الفلسطينيين في غزة، وقامت اللجنة بجهود جبارة لتحصيل هذه التبرعات من قرى الدقهلية وكفورها وعزبها النائية والدانية، وامتد عملها حتى طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023.
ولم يأتِ جهد المهندس طلعت مأمون من فراغ، بل من إيمانه العميق، كما ذكر في مقدمته لكتابه، بأن “الكيان الصهيوني (إسرائيل) مجموعات غازية وغاصبة، ورأس جسر للقوة العظمى الطامعة في الهيمنة على المنطقة النفطية، وتعمل بلا رادع لتضرب بجذورها في أرض رافضة، وأن أمريكا لن تستطيع، حتى لو أرادت، أن تكون كيانًا صديقًا أو عطوفًا على أحلام هذه الأمة”.
وأضاف أن اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة تعد مثالًا حيًا للتضامن مع الشعب الفلسطيني، ولهذا الكتاب قصة طويلة؛ إذ لم يكن طلعت مأمون يومًا مناضلًا بالكلمة فقط، بل يؤمن بأن النضال الحقيقي هو النضال العملي على أرض الواقع، بمؤازرة الشعب الفلسطيني البطل مؤازرة مادية تضمد بعضًا من جراحه، في ظل ما يتعرض له من تكالب قوى الاستعمار الغربي بقيادة أمريكية وأيدي صهيونية تتمدد كل ساعة في عمق المنطقة العربية.
وقد رأى المؤلف أن تجربة اللجنة الشعبية من النبل والشجاعة ما يجعله فخورًا بتوثيقها بقضها وقضيضها، وما واجهته من عراقيل وصعوبات وتضييقات وملاحقات أحيانًا، لتكون سجلًا عمليًا رائدًا للأجيال القادمة، عساها تحذو حذوها في طريق النضال ضد الصهيونية وعملائها.
ويؤكد أن انتفاضات الشعب الفلسطيني لن تتوقف ما دامت الحياة، وحتى يسترد الفلسطينيون أرضهم المسلوبة، في يوم يراه البعض بعيدًا مستحيلًا، ويراه المناضلون قريبًا مأمولًا.
وقد اجتمع لدى طلعت مأمون من الأوراق والوثائق ما يملأ أجولة كثيرة، وكانت مهمة الانتقاء الواعي من بينها عملية بالغة الصعوبة والتعقيد، ما استدعى الاطلاع عليها عبر لقاءات متعددة للاستقرار على الصورة النهائية للكتاب، وهو الكتاب الوحيد الذي قدمه طلعت مأمون على امتداد تاريخه النضالي الطويل الممتد منذ الستينيات حتى الوقت الراهن، رغم تجاوزه الثمانين عامًا، دون أن يفقد إيمانه بالنضال الوطني أو تضعف عزيمته مهما كانت الأزمات والشدائد.
ويصف أحمد بهاء الدين شعبان هذا الكتاب بأنه وثائقي، وأحد أهم الكتب التي تقدم شرحًا عميقًا وواقعيًا للأهداف الاستراتيجية لمعسكر الأعداء (الأمريكي/الغربي/العربي المتصهين)، وتوضح أبعاد الدور الوظيفي للكيان الصهيوني العنصري، كما تقدم توضيحًا وافيًا لجهود الحركة الشعبية المناصرة للنضال الفلسطيني التي اجتاحت مصر بعد انتفاضات الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال.
وانطلقت هذه اللجنة إلى القرى والنجوع لرصد هذه الملحمة الشعبية التي تعكس نبل ورقي وأصالة الشعب المصري، الذي آثر رغم ظروفه الاجتماعية الصعبة أن يشارك أشقاءه الفلسطينيين محنتهم، فيقتسم معهم رغيف الخبز وشربة الماء والشعور الواحد والمصير المشترك.
وجاء الكتاب في القطع الكبير في 251 صفحة، بتصميم غلاف للفنان الكبير أحمد الجنايني، وصدر عن دار «ميتا بوك للطباعة والنشر والتوزيع» في طبعته الأولى عام 2024، بإشراف وإخراج فني للسعيد المصري. وتكوّن من مقدمتين وستة فصول، حيث قدّم طلعت مأمون في الفصل الأول رؤيته النضالية في مواجهة العدو الأمريكي الصهيوني، وتناول الفصل الثاني تشكيل اللجنة المصرية للتضامن مع الشعب الفلسطيني بالدقهلية، والثالث بيان اللجنة، والرابع تقاريرها.
أما الفصل الخامس فقد تضمّن نصوصًا شعرية وسردية للتضامن مع الشعب الفلسطيني، منها: «تداعيات الممر» لأحمد محمد عبد الحي، و«مكتوب نكون»، و«أيها الإخوة»، و«شط العرب على شطنا المكسور» لسمير الأمير، و«يوميات رجل مثالي»، و«طير أبابيل»، و«أسلو وأخواته» لعلي عبد العزيز، و«دمك رثّ هذا الصمت» لغادة عبد الفتاح، و«مهمة الحجارة» لمحمد محمد السيد، و«أسميكم» لمصباح المهدي، و«إلى شهداء مصر في نجع حمادي» لأيمن شوقي عباس، إلى جانب رسائل شكر وتقدير للجنة الشعبية من وزيري الصحة الفلسطينيين: الدكتور رياض الزعنون (13 سبتمبر 2001)، والدكتور جواد الطيبي (25 نوفمبر 2003).
وهذه دعوة صادقة لكل وطني لقراءة هذا الكتاب-الوثيقة، لما يمثله من تجربة نضالية لأحد أنبل المناضلين المصريين.