تجددت التساؤلات خلال الفترة الأخيرة حول الدور الحقيقي الذي تؤديه النقابات المهنية تجاه أعضائها، وما إذا كان دورها يقتصر فقط على تقديم الخدمات التقليدية، أم يمتد ليشمل الدفاع عن الأعضاء في الأزمات المهنية والقانونية والاقتصادية التي قد يتعرضون لها.
وبينما تؤكد بعض النقابات استمرارها في تقديم الدعم والحماية لأعضائها، يرى آخرون أن هناك فجوة بين ما ينتظره الأعضاء من نقاباتهم وما يتم تقديمه فعليًا على أرض الواقع، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والقيود التي تواجه العمل النقابي بشكل عام.
“المحامين” ابتعدت عن دورها في مساندة أعضائها
قال المحامي الحقوقي أحمد قناوي، إن إنشاء النقابات المهنية في الأصل يهدف إلى الدفاع عن أعضاء النقابة وحماية حقوقهم، مشيرًا إلى أن بعض النقابات ما زالت تقترب من هذا الدور بدرجات متفاوتة، مثل نقابتي الصحفيين والمهندسين، مستشهدًا ببيان التضامن الذي أصدرته نقابة المهندسين مؤخرًا مع أحد أعضائها عقب الأزمة التي تعرض لها.
وأضاف قناوي، في تصريحات خاصة، أن هناك نقابات ابتعدت عن هذا الدور، وعلى رأسها نقابة المحامين، موضحًا أنها لا تتخذ مواقف داعمة تجاه عدد من المحامين المحبوسين في قضايا تتعلق بحرية الرأي والتعبير، رغم تجاوز بعضهم مدد الحبس الاحتياطي.
وأوضح أن النقابة لم تصدر بيانات تضامن أو تتحرك بشكل واضح للمطالبة بالإفراج عن هؤلاء المحامين، على عكس ما تقوم به نقابة الصحفيين التي دافعت في أكثر من مناسبة عن الصحفيين المحبوسين في قضايا رأي، معتبرًا أن هذا الغياب يمثل خروجًا عن الدور الأساسي للنقابات المهنية، ويؤثر على شرعيتها لدى أعضائها.
وأشار إلى وجود تباعد بين ما ينتظره الأعضاء من النقابات وما تقدمه فعليًا، خاصة فيما يتعلق بالدفاع عن حرية التعبير، لافتًا إلى أن نقابة المحامين تحركت في بعض الملفات المهنية الضيقة المرتبطة بطبيعة العمل، مثل بعض الأزمات التي شهدتها المحاكم، لكنها لا تتدخل في القضايا الأوسع المرتبطة بحق المحامي في التعبير عن رأيه.
وحول ما إذا كانت النقابات المهنية استطاعت تحسين أوضاع أعضائها في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، قال قناوي إن النقابات ليست جزرًا منعزلة عن الواقع العام في مصر، مضيفًا أن حالة التراجع التي يشهدها المجتمع تنعكس على أداء النقابات خلال السنوات الأخيرة، مؤكدا أن تحسن أداء النقابات يرتبط بشكل مباشر بتحسن الأوضاع العامة والاقتصادية، معتبرًا أن قدرة النقابات على تقديم دعم حقيقي لأعضائها تتأثر بطبيعة المناخ العام.
“المهندسين” تهتم بقضايا أعضائها السياسية
من جانبه، قال المهندس محمد عسران، مقرر لجنة المساندة القانونية بالنقابة العامة للمهندسين، إن النقابة تقدم عدة أشكال من الدعم لأعضائها في حالات الأزمات الصحية والمهنية والقانونية، موضحًا أن النقابة تضم لجنة للرعاية الصحية تتولى توفير خدمات العلاج والاشتراكات مع المستشفيات ومراكز التحاليل، إلى جانب لجنة الإعانات المرضية التي تقدم مساعدات عينية وتسهم في تحمل جزء من تكاليف العلاج للحالات غير المشمولة بالرعاية الصحية.
وأضاف عسران، في تصريحات لـ”القصة”، أن النقابة تمتلك أيضًا صندوقًا للرعاية الاجتماعية يختص بدعم المهندسين الذين يتعرضون لأزمات طارئة، مثل الحوادث أو الحرائق أو الأمراض المزمنة، وفقًا للائحة المنظمة لذلك.
وأوضح عسران أن هناك لجانًا متخصصة للتعامل مع الأزمات المهنية التي قد تواجه المهندسين، من بينها لجنة الشكاوى، التي تتولى التحقيق في النزاعات المتعلقة بالممارسة المهنية بين المهندس والعملاء أو الجهات المختلفة، بالإضافة إلى لجنة المساندة القانونية، التي تعمل على تقديم الدعم القانوني للمهندس حال تعرضه لأي أزمة وظيفية أو قانونية.
وأشار إلى أن لجنة المساندة القانونية تتدخل في حالات الفصل أو النقل التعسفي، أو التعرض لظلم داخل جهة العمل، فضلًا عن القضايا التي قد تُقام ضد المهندس دون وجه حق، موضحًا أن النقابة تتعامل كذلك مع بعض القضايا المتعلقة بحرية الرأي أو القضايا السياسية، طالما لا توجد أحكام قضائية أو اتهامات جنائية واضحة بحق العضو.
وأكد أن النقابة تمتلك إدارة قانونية تضم أكثر من 35 محاميًا، يتولون حضور التحقيقات والجلسات القضائية مع المهندسين، فضلًا عن التواصل المباشر مع جهات العمل المختلفة لحل الأزمات قبل تصعيدها للقضاء، مشيرًا إلى أن النقابة ترسل مخاطبات رسمية للجهات المعنية، وفي حال اللجوء للقضاء تتدخل عبر محاميها دعمًا للمهندس.
ولفت عسران إلى أن النقابة تتدخل أيضًا في حال تعرض أي مهندس لموقف يسيء إليه أثناء ممارسة عمله، مستشهدًا بواقعة سابقة شهدت تدخل نقيب المهندسين بشكل مباشر مع أحد المحافظين بعد تعرض مهندس ممثل لمكتب استشاري لمعاملة غير مناسبة، مؤكدًا أن الأزمة انتهت بعد التواصل الرسمي واستعادة المهندس لحقوقه.
حماية الأعضاء أهم أدوار النقابات
وشدد عسران على أن الدور الأساسي للنقابات المهنية يتمثل في حماية أعضائها والدفاع عن المهنة وتنظيم شؤونها، إلى جانب تقديم الخدمات الاجتماعية والصحية والترفيهية المختلفة.
وحول مدى رضا المهندسين عن أداء النقابة، قال إن الأمر نسبي ويختلف من شخص لآخر، لكنه يرى أن ملف المساندة القانونية شهد أداءً جيدًا نسبيًا خلال الدورة السابقة لمجلس النقابة، موضحًا أن المجلس الحالي لا يزال في مرحلة تشكيل اللجان بعد الانتخابات الأخيرة.
وفيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية، أوضح أن قدرة النقابات على تحسين أوضاع أعضائها ترتبط بالوضع الاقتصادي العام للدولة، مشيرًا إلى أن النقابة لا تملك تعديل الرواتب بشكل مباشر، لكنها تتحرك عبر مشروعات مثل “الكادر” و”بدل التفرغ”، بالتواصل مع الجهات الحكومية لتحسين دخول المهندسين في مختلف القطاعات.
وأضاف أن النقابة تتدخل كذلك للدفاع عن حقوق بعض الفئات المهنية داخل جهات العمل، مستشهدًا بتدخل سابق لصالح مهندسين في إحدى الجهات الحكومية بمحافظة دمياط للحصول على بدلات وحوافز نصت عليها اللوائح الداخلية، مشيرا إلى أن النقابة تحاول الحفاظ على مستوى مناسب لأتعاب المهندسين من خلال لوائح مزاولة المهنة، إلى جانب تقديم خدمات صحية ودعم لأصحاب المعاشات بهدف تخفيف الأعباء الاقتصادية عنهم.
وأوضح أن من أبرز التحديات التي تواجه النقابة ضعف موارد “الدمغة الهندسية”، بسبب ثبات القيم المالية المحددة لها منذ صدور قانون النقابة عام 1974، رغم تغير الأوضاع الاقتصادية، لافتًا إلى أن النقابة تقدمت أكثر من مرة بمشروعات لتعديل هذه المواد القانونية لزيادة مواردها وتحسين قدرتها على دعم المهندسين، إلا أن تلك التعديلات لم تُقر حتى الآن.
“الصحفيين” والحقوق المهنية والمعنوية والمادية للأعضاء
وفي سياق متصل، قال الكاتب الصحفي جمال عبد الرحيم، إن قانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970 يتضمن العديد من النصوص التي تهدف إلى حماية الصحفيين، خاصة أثناء تأدية عملهم، موضحًا أن من بين هذه النصوص عدم جواز التحقيق مع أي صحفي إلا بحضور عضو من مجلس النقابة، سواء كان التحقيق أمام النيابة العامة أو داخل المؤسسات الصحفية القومية أو الحزبية أو الخاصة.
وأضاف “عبد الرحيم” أن القانون يوفر حماية واسعة للصحفيين أثناء ممارسة مهنتهم، إلى جانب الدور الذي تقوم به النقابة في الدفاع عن الحقوق المهنية والمعنوية والمادية لأعضائها، مشيرًا إلى أن النقابة تتدخل في حال تعرض الصحفيين للفصل أو المنع من العمل أو وقف صرف الرواتب.
وأشار إلى أن نقابة الصحفيين كان لها دور واضح في عدد من الأزمات المهنية، مستشهدًا بموقفها خلال أزمة صحفيي “البوابة نيوز”، حيث دعمت مطالب الصحفيين المتعلقة بالحقوق المالية والحد الأدنى للأجور، مؤكدًا أن النقابة تعد من أبرز النقابات المهنية التي تدافع عن أعضائها في مختلف الملفات المهنية والخدمية.
دور النقابات المهنية لا يقتصر على الجانب الخدمي
وأوضح أن دور النقابات المهنية لا يقتصر على الجانب الخدمي فقط، وإنما يرتكز بالأساس على الدور المهني وحماية الأعضاء، لافتًا إلى أن نقابة الصحفيين تحاول القيام بالدورين معًا، رغم التحديات الاقتصادية القائمة.
وفيما يتعلق بقدرة النقابات على حماية أعضائها وتحسين أوضاعهم في ظل الظروف الحالية، أكد عبد الرحيم أن النقابات ما زالت تؤدي دورًا مهمًا في الدفاع عن الحقوق المهنية والمادية، موضحًا أن هناك معوقات تحد من قدرتها على أداء دورها بشكل كامل، أبرزها الأوضاع الاقتصادية وضعف الموارد المالية.
وأضاف أن إمكانيات نقابة الصحفيين تعتمد بصورة أساسية على اشتراكات الأعضاء، وهو ما يحد من قدرتها على تقديم جميع الخدمات المطلوبة بالشكل الكامل، لكنه شدد على أن النقابة تبذل ما تستطيع لتقديم الدعم والمساندة للصحفيين، مؤكدا أن النقابة تحرص على التواجد في مختلف الأزمات التي يتعرض لها الصحفيون، سواء في التحقيقات أو النزاعات داخل المؤسسات الصحفية أو حالات الفصل، مشيرًا إلى أن النقابة تتدخل بشكل مباشر للدفاع عن أعضائها في مثل هذه المواقف.
وشدد على أن النقابة تكون حاضرة كذلك في حال تعرض الصحفيين لمواقف مشابهة للأزمات المهنية أو الشخصية التي قد يتعرض لها أعضاء النقابات الأخرى، موضحًا أن هناك العديد من الوقائع السابقة التي شهدت تدخل النقابة دعمًا لأعضائها.
هناك “مساحة غائبة” في الدور الحقيق للنقابات
من جانبه، قال الناشط النقابي، الدكتور أحمد حسين، إن الدور الأساسي للنقابات المهنية يجب أن يعلو على مجرد تقديم الخدمات الاجتماعية أو الصحية، موضحًا أن الوظيفة الرئيسية لأي نقابة تتمثل في الدفاع عن حقوق أعضائها، وحماية المهنة من أي تجاوزات أو تغول، إلى جانب التصدي للتعسف الإداري والقوانين التي قد تنتقص من حقوق العاملين بالمهنة.
وأضاف حسين أن الخدمات الاجتماعية والصحية تأتي في مرتبة لاحقة بعد الدور الأساسي للنقابات، والمتمثل في الدفاع عن المهنة والأعضاء والقضايا المرتبطة بهم.
وحول مدى فاعلية نقابة الأطباء والنقابات المهنية بشكل عام في القيام بهذا الدور، أكد أن هناك قصورًا واضحًا في أداء معظم النقابات، معتبرًا أن الوضع العام لا يسمح للنقابات بالتدخل بصورة فعالة أو ممارسة ضغط حقيقي على السلطة التنفيذية.
القوانين تحول دون أداء النقابات دورها
وأوضح حسين أن القوانين الحالية لا تمنح النقابات أدوات كافية تمكنها من التأثير أو المنافسة في مواجهة السلطة التنفيذية، مشيرًا إلى أن النقابات لا تمتلك صلاحيات واسعة، سواء فيما يتعلق بالرقابة أو التدخل خارج الإطار الإداري المحدود، مضيفا أن تراجع دور النقابات لا يرتبط فقط بمجالس النقابات، وإنما يعود أيضًا إلى طبيعة القوانين المنظمة لعملها، وما وصفه بتغول السلطة التنفيذية على النقابات ومنظمات المجتمع المدني بشكل عام.
وحول ما إذا كان هناك فجوة بين ما ينتظره الأعضاء من النقابات وبين ما يتم تقديمه فعليًا، اوضح أن الأمر لا يقتصر على وجود “فجوة”، بل إن هناك “مساحة مغيبة” فيما يتعلق بالدور الحقيقي للنقابات في الدفاع المؤثر عن حقوق الأعضاء والمهنة، مؤكدا أن الدور الحالي للنقابات في بعض القضايا يظل محدودًا أو يقتصر على الحضور الإعلامي، دون امتلاك أدوات فعالة للتأثير الحقيقي أو الضغط.
وعن الخطوات التي يمكن أن تسهم في تحسين أداء النقابات، شدد حسين على ضرورة العمل من أجل تعديل القوانين المنظمة للنقابات، بما يمنحها صلاحيات أوسع وقدرة أكبر على الدفاع عن أعضائها، إلى جانب ضرورة إشراك الأعضاء بصورة أكبر في معرفة التحديات والقيود التي تواجه النقابات، حتى يكونوا داعمين لتحركاتها ومطالبها.