في خطوات تُعدّ بالاستراتيجية الممنهجة، تتم حملات الاعتقال الواسعة التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلية في مختلف مدن وقرى الضفة الغربية.
فهي ليست مجرد إجراءات أمنية روتينية، بل تحولت إلى ركيزة تشكل العمود الفقري لسياسة كسر الشعب في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر.
يأتي ذلك بناءً على قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي بشن اقتحامات ليلية شبه يومية، مع إقامة حواجز عسكرية مفاجئة بالضفة الغربية.
وأشارت تقارير للأمم المتحدة إلى تصاعد في عنف المستوطنين بحماية قوات الاحتلال، مما أسفر عن تهجير مجتمعات بدوية ورعوية كاملة، نحو 80 تجمعًا منذ أكتوبر 2023 وحتى منتصف 2026.
كما قامت دولة الاحتلال بعمليات اعتقالات واسعة بالضفة الغربية، مع أعمال تجريف واسعة للأراضي الزراعية، خاصة في جنين والخليل، لشق طرق استيطانية وتوسيع المستوطنات القائمة.
خطة استراتيجية إسرائيلية ممنهجة
في هذا السياق، قال السفير رخا أحمد، مساعد وزير الخارجية الأسبق والخبير الدبلوماسي، إن ما يحدث في غزة من حملات اعتقال هو خطة استراتيجية إسرائيلية ممنهجة ومبنية على خطوات عملية لتنفيذ هدف معلن إسرائيليًا منذ حرب يونيو 67، وهو أن إسرائيل تمتد من البحر إلى النهر، أي تشمل كل الضفة الغربية وغزة.
التوسع في المستوطنات القائمة
وأوضح “رخا أحمد” في تصريحات خاصة لـ”القصة” أن ما تقوم به إسرائيل الآن ليس رد فعل وليس عملًا وقتيًا، وإنما الهدف هو التوسع في المستوطنات القائمة، وإقامة مستوطنات جديدة تبدأ على أنها بؤر استيطانية ثم يتم تقنينها بعد ذلك، والهدف الأساس منه ضم الضفة الغربية.
إلغاء اتفاق أوسلو
كما أشار إلى أن إسرائيل بصدد الآن البحث في البرلمان، الكنيست الإسرائيلي، إصدار قرار بإلغاء اتفاق أوسلو الذي أنشأ السلطة الفلسطينية وحدد المناطق في الضفة الغربية “أ، ب، ج”، وأن إسرائيل ليست مسؤولة عن المناطق التي تديرها السلطة الفلسطينية تمهيدًا لاستقلال فلسطين، وهذا الإلغاء إذا تم، وهو اتفاق أوسلو، معناه الرجوع إلى ما قبل إنشاء السلطة الفلسطينية، وأنه لن يكون هناك جهة أو هيئة أو سلطة فلسطينية مسؤولة عن الشعب الفلسطيني.
كما أردف: وإنما من سيكون مسؤولًا عنه في هذه الحالة؟ نعود مرة أخرى إلى ما قبل 13 سبتمبر 1993، الذي تم توقيع فيه اتفاق أوسلو الذي يعطي للسلطة الفلسطينية حكمًا ذاتيًا تمهيدًا لحكم الدولة الفلسطينية، وبالتالي ذلك تنفيذًا لمطالب اليمين الإسرائيلي بعدم إقامة دولة فلسطينية تحت أي ظرف من الظروف.
كما أوضح أن المعنى القانوني لتحويل أراضٍ في الضفة الغربية إلى ملكية دولة الاحتلال الإسرائيلي، هذا معناه أن سلطات الاحتلال تصبح في هذه الحالة لديها الصلاحية والإمكانية في أنها تمنح هذه الأراضي لمن تشاء، وسيكون في هذه الحالة منحها للإسرائيليين سواء المستوطنين أو غيرهم، ونزع ملكيتها من الفلسطينيين، وهي أرضهم وحقهم، وذلك مخالف أولًا للقانون الدولي الذي يعطي لكل شعب حقه في الاستقلال وحقه في أرضه، ومخالف لقرارات الأمم المتحدة التي تعطي للشعب الفلسطيني حقه في إقامة دولته وعاصمتها القدس الشرقية، وذلك كله مخالف لهذا القانون وللقرارات الدولية.
وأشار إلى أن عدم ردع إسرائيل وعقابها سيجعلها تمضي في تنفيذ هذه الخطة، من ناحية إلغاء سلطات السلطة الفلسطينية، ومن ناحية أخرى نزع الأراضي وإعطائها للإسرائيليين لتنفيذ الخطة في ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل.
لا بقاء للدبلوماسية
كما أكد أن إسرائيل لا تبقى معها الدبلوماسية، وذلك ثبت بالقطع والممارسة العملية والتجربة، فمندوب إسرائيل في الأمم المتحدة وقف أمام الجمعية العامة ووضع ميثاق الأمم المتحدة الأمريكية في مفرمة يدوية بين يديه، وهذا دليل على عدم احترام ميثاق الأمم المتحدة التي أنشأت إسرائيل، فإسرائيل أُنشئت بقرار من الأمم المتحدة، ومع ذلك مزقت ميثاق الأمم المتحدة.
المواجهة بين الشعب الفلسطيني وجيش الاحتلال
واختتم “رخا أحمد” قائلًا: إنه من المنتظر أن تزداد حدة المواجهة بين الشعب الفلسطيني الذي يطالب بحقوقه وبين سلطات الاحتلال الإسرائيلي العنصري الذي لا يحترم القانون ولا يحترم اتفاقًا وقّعت عليه، ومنها اتفاق أوسلو، وذلك يحتاج إلى وقفة أولًا من المجتمع العربي، وثانيًا من المجتمع الدولي للمحافظة على حقوق الشعب الفلسطيني، ومن هنا نجد أن الشعب الفلسطيني يطالب الأمم المتحدة بحمايته ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وإلا ففي النصف الثاني من هذا العام ستبدأ مظاهرات وسيتم قمعها بالقتل والتشريد من جانب سلطات الاحتلال.
وفي سياق متصل، قال أمير مخول، الخبير في الشأن الإيراني، إن الاعتقالات اليومية ليست هدفًا بحد ذاتها، وإنما جزء من منهج ووسيلة في مساعٍ أكثر وأبعد مدى، رابحة حصريًا في مفهوم عقيدة الحكومة الإسرائيلية الحالية أكثر من غيرها من الحكومات القائمة على مفهوم الصهيونية الدينية على أرض إسرائيل الكبرى.
درة التاج في المشروع الصهيوني
كما أشار “مخول” في تصريحات خاصة لـ”القصة” إلى أن ما يحدث الآن في الضفة الغربية ليس فقط تهديدًا لمصير الفلسطينيين، إنما تهديد لمصير الفلسطينيين في وطنهم وتفكيك المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية، فالضفة الغربية تعتبر وفقًا للتيار السائد اليوم في إسرائيل، أو المتسيّد، هي درة التاج في المشروع الصهيوني، وهي درة التاج بوصفها لها بعد استراتيجي ديموغرافي سياسي يتوافق مع مشيئة أو إرادة ونهج الصهيونية الدينية، والصهيونية الدينية ليست فقط أيديولوجيا أو عقيدة، وقد تغيرت حتى داخليًا، لكنها أيضًا اليوم تضفي طابعًا على المؤسسة الأمنية من الجيش والشرطة والشاباك، الذين أصبح معظم قادتهم يميلون إلى هذه العقيدة إن لم يكونوا منغمسين تمامًا فيها.
تقويض السلطة الفلسطينية إلى أقصى حد
كما أوضح “مخول” أن الهدف من الاعتقالات هو تفكيك الشعب الفلسطيني، فالهدف لدى نتنياهو، وهو الذي يشكل دفعة للصهيونية الدينية، هو منع قيام دولة فلسطينية، وهذا يتطلب القضاء أو تقويض السلطة الفلسطينية إلى أقصى حد، وإضعافها إلى أقصى حد كي لا يكون هناك أي أمان وأمن اجتماعي للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، ثانيًا عقلية الإبادة التي رأيناها في غزة لن تتوقف عند حد معين، فقد نراها في لبنان، وقد نراها في الضفة الغربية أو في القدس أو في الداخل الفلسطيني، ليس بنفس المفهوم أنه القتل وإنما بمفهوم التطهير العرقي مثلًا، فمفهوم التطهير العرقي جارٍ بشكل قوي جدًا في الضفة الغربية.
وأضاف أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي مأزوم بشكل كبير، لأنه لا يوجد مستوطنون جدد أو كتلة بشرية تريد الاستيطان في الضفة الغربية، لا يوجد سوى بضواحي القدس، لكن الأساس هو أن هذا المشروع مأزوم، لذلك فالمسعى الآن هو السيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي، ودفع الفلسطينيين خارج الحيز العام وإقصاؤهم إلى حيز محميات، أشبه بالمحميات الطبيعية، بما يذكرنا بجنوب أفريقيا، حيث يكونون فيها، وتسيطر إسرائيل من خلال الاستيطان الرعوي والاستيطان الزراعي على الأراضي من خلال مستوطنين قلائل، لكن البعد واضح.
واستكمل: الأصعب من الاستهدافات والاعتقالات هو، حسب معطيات الأمم المتحدة، أن نحو 40 ألف فلسطيني تم تهجيرهم وأصبحوا نازحين في الضفة الغربية، وحصرًا سكان مخيمات اللاجئين وسكان المناطق النائية أو مناطق ما يسمى بالأغوار وغيرها، التي باتت جميعها تمتلكها عائلات فلسطينية، وهناك بنية قانونية لذلك في تغيير وضعية الأراضي والسماح لليهود بشراء أراضٍ في الضفة الغربية وتسجيلها بأسمائهم كاملة.
كما أضاف أن هناك مسعى أيضًا إلى أن إسرائيل، حسب نفس العقيدة التي تحدثت عن الصهيونية الدينية، تعتبر الضفة الغربية أملاكًا يهودية، وعليها استرجاعها سواء في الخليل أو في غيرها.
التهجير الممنهج
وأوضح أن الهدم المنهجي والتدمير المنهجي هو عقيدة، وهذه العقيدة كانت قائمة فعليًا في 48، وهي قائمة على مبدأ أنه في حال عاد الفلسطينيون الذين تم تهجيرهم، فإذا عادوا لم يجدوا البيت، وإذا نجحوا في العودة لم يجدوا بيتًا ولا ممتلكات، ولا إلى أين يعودون، ولا توجد الجغرافيا التي كانوا يعيشون وفقًا لها، لا على مستوى قرية أو مدينة أو مخيم، كل ذلك لم يجدوه، وهذا جزء من ترسيخ فكرة التهجير، وهذا يُطبق الآن أيضًا في لبنان، في الجنوب اللبناني، بعد تهجير القرى وهدمها، لذلك فهذا جزء من الحالة.
وأردف: موضوع النهب هو أيضًا موضوع مترسخ منذ 48 لممتلكات الشعب الفلسطيني الخاصة والعامة والوقفية، والآن تعاد الكرة، ويحاول الجيش التنصل منها، لكن قيادة الجيش أصبحت تعتبرها نوعًا من الوباء، كما يسمونه في إسرائيل بالعبرية، أي نوعًا من الوباء الذي يسيطر على الثقافة الحاكمة الجديدة، وهي القضاء على كل ما هو فلسطيني ونهب كل ما هو فلسطيني والاستحواذ عليه.
كما أشار إلى أن هذه العقيدة الصهيونية، حين تصل إلى محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية، سوف تكون لها تداعيات كبرى على إسرائيل كدولة، وعلى الجيش وعلى حكومة نتنياهو الحالية إذا بقيت في السلطة، وكل ذلك جزء من إثباتات تاريخية معروفة في هذا الصدد، ولا حاجة للتذكير بها دائمًا، لكنها متصلة بالمشروع الاحتلالي الاستيطاني الإحلالي.
انتكاسة كبرى داخليًا
كما أوضح “مخول” أن الانفجار الفلسطيني الداخلي، فالشعب الفلسطيني منتكس تمامًا في هذه المرحلة، فبعد 7 أكتوبر كانت الانتكاسة الكبرى داخليًا أيضًا على المستوى الشعبي الفلسطيني، وأصبح الحلم هو لقمة العيش والأمن والأمان الذاتي وليس حتى الجماعي، وهناك من يحاول أن يصور الأمور وكأنها انتصار فلسطيني، والحقيقة التي يشعر بها كل فلسطيني في وطنه بأنها انتكاسة كبرى حدثت له، لذلك من المستبعد تمامًا أن نرى انفجارًا فلسطينيًا بالمعنى الحقيقي، لكن المسعى الآن على مستوى السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير ليس تصعيديًا، وإنما قيادة الشعب الفلسطيني إلى بر الأمان كي يبقى في وطنه ومكانه، كي لا تُصادر جغرافيته.
بيئة عربية حاضنة
واختتم “أمير مخول” قائلًا: أعتقد أن الأمور الآن في حالة إحباط فلسطيني واسع جدًا، تحتاج ليس إلى انفجار فلسطيني وإنما إلى بنية أو بيئة عربية حاضنة في هذا الصدد، وأعتقد أن الدول الثلاث: مصر والأردن والسعودية، هي أداة الشأن الأساسي في هذا الصدد، والقادرة على التأثير على القرار الأمريكي، لأنه لن يوقف هذا التوحش القائم سوى القرار الأمريكي الحازم تجاه إسرائيل.