هل يمكن لدولة تقترب من انتخابات حاسمة أن تذهب إلى صناديق الاقتراع…
ليس لتشكيل حكومة جديدة، بل لمحاولة منع الانهيار الداخلي؟!
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، بموعد أقصاه 27 أكتوبر 2026، لم يعد السؤال: من سيفوز؟
بل: هل “الفوز” نفسه لا يزال كافيًا للحكم؟
⸻
انتخابات على أرض رخوة
ما يجري في إسرائيل لم يعد تنافسًا سياسيًا تقليديًا،
بل صراع مفتوح بين مراكز قوة،
وتيارات دينية–أيديولوجية،
ومؤسسات لم تعد تتفق حتى على قواعد اللعبة نفسها.
الناخب الإسرائيلي لم يعد يصوّت لمن يحكم…
بل لمن يمنع الانهيار.
تحذيرات معهد الديمقراطية الإسرائيلي باتت واضحة:
انتخابات 2026 قد تتحول إلى اختبار لبقاء النظام السياسي نفسه، لا مجرد تداول سلطة.
الأزمة لم تعد مجرد استقطاب حزبي،
بل صراع عميق بين:
• حكومة تسعى لتوسيع صلاحياتها
• مؤسسات تخشى التسييس والتفكك
• مجتمع ينقسم تدريجيًا حول تعريف الدولة نفسها
⸻
لحظة الكسر
هجوم 7 أكتوبر على إسرائيل لم يكن مجرد اختراق أمني،
بل لحظة كسر نفسي وسياسي داخل إسرائيل.
للمرة الأولى منذ عقود، اهتزت صورة “الدولة القادرة على الحماية” في الوعي الإسرائيلي.
ومنذ ذلك التاريخ:
• تصاعدت المساءلة السياسية
• بدأت مراجعات داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية
• تعمّق الانقسام بين الحكومة والمؤسسات
• تزايد الغضب الشعبي تجاه النخبة الحاكمة
السؤال تغيّر بالكامل:
كيف يمكن منع تكرار “7 أكتوبر”؟
وليس فقط: من سيحكم بعده؟
⸻
أرقام تكشف الانسداد
استطلاعات الرأي الإسرائيلية في أبريل 2026 لا تعكس سباقًا انتخابيًا…
بل تكشف شللًا سياسيًا شبه كامل:
• تحالف بينيت–لابيد: 26–27 مقعدًا
• الليكود: 25–28 مقعدًا
• ائتلاف نتنياهو الحالي: 50–52 مقعدًا
• المعسكر المعارض: 59–60 مقعدًا
• الأحزاب العربية: 9–10 مقاعد
الرقم السحري لتشكيل الحكومة هو 61 مقعدًا…
ولا أحد يقترب منه فعليًا.
المشهد لا يوحي بوجود “فائز”، بل بدولة دخلت مرحلة العجز المزمن عن إنتاج استقرار سياسي.
⸻
معركة نتنياهو
بنيامين نتنياهو لم يعد يخوض معركة بقاء سياسي فقط،
بل معركة على إعادة تعريف شكل الدولة الإسرائيلية.
مشروعه يتجاوز السياسة اليومية، ويستهدف:
• توسيع سلطة الحكومة
• تقليص نفوذ القضاء
• إعادة هندسة العلاقة بين الدين والدولة
• تعزيز حضور التيار القومي–الديني داخل مؤسسات الحكم
ولهذا تتحول الانتخابات، في وجوده، إلى استفتاء على طبيعة إسرائيل نفسها:
هل تبقى دولة بمؤسسات ليبرالية تقليدية؟
أم تتحول تدريجيًا إلى دولة قومية–دينية أكثر تشددًا؟
⸻
تحالف “معًا”
تحالف بين نفتالي بينيت ويائير لابيد، الذي أُعلن في أبريل 2026 تحت اسم “معًا”،
يحاول تقديم بديل أكثر توازنًا:
• يمين براغماتي يتحالف مع الوسط
• تقليص نفوذ الحريديم
• إعادة الاعتبار للمؤسسات
• تخفيف حدة الاستقطاب الداخلي
لكن رغم تقدمه نسبيًا، لا يملك طريقًا واضحًا نحو 61 مقعدًا.
وهو ما يعكس أزمة أعمق:
حتى “الوسط الإسرائيلي” لم يعد قادرًا على إنتاج أغلبية مستقرة.
⸻
الحريديم
الأحزاب الحريدية تمتلك ما بين 15 إلى 18 مقعدًا،
لكن تأثيرها يتجاوز الأرقام بكثير.
فهي تمثل اليوم “رمانة الميزان” في أي ائتلاف،
وتفرض شروطًا تتعلق:
• بالإعفاء من الخدمة العسكرية
• بميزانيات التعليم الديني
• بتوسيع النفوذ الديني داخل الدولة
وفي المقابل، يتزايد الغضب داخل قطاعات واسعة من الإسرائيليين، خصوصًا مع استمرار الحرب والأعباء الاقتصادية والعسكرية.
الانقسام هنا لم يعد سياسيًا فقط…
بل اجتماعيًا وهوياتيًا أيضًا.
⸻
اليمين المتطرف
يمثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش ما بين 10 إلى 14 مقعدًا،
لكن تأثيرهما يتجاوز حجمهما العددي.
فهما يملكان قدرة تعطيل حاسمة:
• غيابهما قد يُسقط أي حكومة يمينية
• وجودهما يدفع السياسة الإسرائيلية نحو مزيد من التطرف
ومع استمرار الحرب، تتزايد قوة الخطاب العقائدي الذي يرى الصراع باعتباره “صراع وجود”، لا أزمة حدود أو أمن فقط.
⸻
التآكل الصامت
الحرب الطويلة لم تستنزف الجيش الإسرائيلي فقط،
بل بدأت تضغط تدريجيًا على الاقتصاد نفسه.
ارتفاع الإنفاق العسكري،
الضغط على قوات الاحتياط،
تراجع بعض الاستثمارات،
وتزايد حالة الإنهاك المجتمعي…
كلها مؤشرات تدفع قطاعات داخل إسرائيل للتساؤل:
إلى أي مدى تستطيع الدولة الاستمرار في حرب طويلة… دون أن تدفع ثمنًا داخليًا متصاعدًا؟
الأزمة هنا لم تعد أمنية فقط،
بل بدأت تتحول إلى أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع والسوق.
⸻
عدة “إسرائيليات”؟
الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بصراع أحزاب،
بل بصراع هويات داخل الدولة نفسها.
فهناك:
• إسرائيل العلمانية الليبرالية
• إسرائيل الدينية القومية
• إسرائيل الحريدية
• إسرائيل الأمنية–العسكرية
• وإسرائيل العربية داخل الخط الأخضر
لكل واحدة تصور مختلف:
• لشكل الدولة
• ولدور الدين
• وللعلاقة مع الفلسطينيين
• ولمعنى الأمن نفسه
ولهذا تبدو الانتخابات المقبلة كأنها مواجهة بين تصورات متناقضة لإسرائيل…
وليس مجرد منافسة على تشكيل حكومة.
⸻
انتخابات الذكاء الاصطناعي
انتخابات 2026 قد تكون الأولى في إسرائيل تحت تأثير الذكاء الاصطناعي السياسي:
• محتوى مزيف واسع النطاق
• حملات تأثير رقمية
• استهداف نفسي للناخبين
• تدخلات خارجية محتملة
• إعادة تشكيل الرأي العام عبر الخوارزميات
وهذا يعني أن الأزمة المقبلة قد لا تكون فقط “من يحكم”…
بل: من يملك القدرة على تشكيل الحقيقة نفسها؟
⸻
سيناريوهات ما بعد 2026
حكومة هشة:
ائتلاف بالكاد يصل إلى 61 مقعدًا،
لكنه مليء بالتناقضات والانقسامات، ما يجعله عرضة للانهيار في أي لحظة.
انسداد سياسي ممتد:
فشل في تشكيل حكومة، يقود إلى انتخابات جديدة،
ودخول إسرائيل في حالة شلل سياسي طويل الأمد.
تصاعد التآكل الداخلي:
وهو السيناريو الأخطر، مع استمرار الانقسام بين:
• الدولة الدينية والدولة المدنية
• المؤسسة والشارع
• الأمن والسياسة
• المركز والأطراف
بما يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الثقة في النظام نفسه.
⸻
من سيحكم إسرائيل؟
كل الأرقام تقول شيئًا واحدًا:
لا يوجد تحالف قادر على إنتاج حكومة مستقرة.
إسرائيل تدخل انتخابات 2026، كدولة تبحث عن قدرة على البقاء.
وأخطر ما تواجهه إسرائيل اليوم قد لا يكون خصومها على الحدود…بل التصدع الداخلي المتسارع.
والدول لا تسقط دائمًا بهزيمة عسكرية، أحيانًا بالتآكل من الداخل… فهل يحدث هذا في إسرائيل قريبا؟