في تلك الليلة كنت عائدًا من وسط البلد بعد سهرة مع الأصدقاء متجهًا إلى منزلي في محافظة القليوبية.
في الطريق رن الهاتف فجأة.
كنت قريبًا من مدخل مترو كلية الزراعة، وأصوات الباعة المتجولين تصنع ضجيجًا كبيرًا.
كان المتحدث أحد زملائي في جريدة الدستور.
منذ اللحظة الأولى شعرت أن صوته يحمل ارتباكًا وقلقًا غير معتاد.
قال سريعًا:
“عرفت الخبر؟”
توقفت للحظة وسألته:
“خبر إيه؟”
ثم جاءت الجملة التي بدت صادمة وغير متوقعة:
“إبراهيم عيسى اتشال من رئاسة التحرير”.
لا أتذكر ماذا قلت بعدها بالضبط.
لكنني أتذكر جيدًا ذلك الإحساس المفاجئ بأن شيئًا انكسر، وأن خوفًا ليس طبيعيًا سيطر عليّ تمامًا.
ليس خوفًا على الجريدة فقط، بل على الفكرة نفسها.
فالدستور لم تكن مجرد صحيفة نعمل بها.
كانت حالة كاملة.

بيتنا الثاني الذي نقضي فيها أضعاف ما نقضيه مع عائلاتنا من وقت.
صوتًا مختلفًا ومتمردًا ومهنيًا.. يشبهنا تمامًا.
وكان إبراهيم عيسى بالنسبة لنا أكثر من مجرد رئيس تحرير تمت إقالته من منصبه.
كان عنوانًا لسياسة تحريرية واضحة وجريئة، ومشاكسة، وحيوية لأبعد مدى.
بعد بيع الجريدة إلى الدكتور السيد البدوي رئيس حزب الوفد ورضا إدوارد القيادي بنفس الحزب، بدأ القلق يتسلل بهدوء إلى صالة تحرير الجريدة.
وبرغم التحسن الذي بدا على المرتبات في الشهر الأول للملاك الجدد، كان شعور خفي ينمو بداخلنا جميعًا بأن هناك شيئًا يتغير.
وأن سقف الحرية الذي اعتدناه سيصبح مزعجًا.
لكنّ أحدًا لم يتوقع أن يحدث الأمر بهذه السرعة.
يومها قرأنا قرار إقالة عيسى باعتباره رسالة سياسية أكثر منها إدارية.
الجميع فهم ذلك فورًا.
والجميع اتخذ القرار بالتعامل الجاد والشريف مع هذه الرسالة “المرفوضة”.

تأديب وتهذيب “الدستور” بكل شجاعتها وجموحها رسالة لنا جميعًا وليست لعيسى فقط.
لن نعمل في صحيفة يراد لها أن تدخل “بيت الطاعة”.
في الليلة نفسها تقريبًا بدأ الاعتصام داخل مبنى الجريدة.
اعتصم سكرتارية التحرير الذين يقضون “شيفت المبيت”.
ثم التحق بهم صحفيون ومحررون شباب قرروا ببساطة ألا يتعاملوا مع ما حدث باعتباره “قرار إدارة”.
في الصباح بدأ أكبر احتجاج في تاريخ الصحافة الخاصة.
أكثر من 120 صحفيًا امتنعوا عن العمل وقرروا بدء اعتصام في مقر الصحيفة.
كان المنطق الذي استندنا إليه واضحًا.
“الصحافة ليست شركة عادية”.
والصحفي ليس موظفًا يبيع ساعات عمله فقط.
هناك شيء آخر اسمه “شرط الضمير”.
هذا الشرط المنصوص عليه في قانون الصحافة، الذي يمنح الصحفي حق مغادرة مكان عمله إذا شعر أن السياسة التحريرية لم تعد تشبهه.
ببساطة: غادر مكانًا يخالف قناعاتك ومبادئك واحصل على كل الحقوق القانونية والمادية.
هو الاعتصام الأول في تاريخ المهنة دفاعًا عن شرط الضمير.
وعن سياسة تحريرية تناسب ما نؤمن به ونقدسه.
في صباح اليوم التالي انضممت إلى الاعتصام داخل الدستور.
كان المشهد استثنائيًا.
سجائر وقهوة وقلق وأسئلة عن المستقبل.
كان شعورنا جميعًا أننا لا ندافع فقط عن إبراهيم عيسى، بل عن فكرة أوسع بكثير:
أن الصحافة لا تصبح حقيقية إلا حين يكون لديها ما يكفي من الاستقلال.

استمر الاعتصام داخل مبنى الدستور أسبوعًا كاملًا.
قبل أن ننتقل إلى مبنى نقابة الصحفيين.
وهناك بدأت الحكاية الأكبر.
وقتها شرفني زملائي في “الدستور” باختياري واحدًا من 5 صحفيين يقودون المفاوضات مع الملاك الجدد، ويشرفون على الاعتصام داخل النقابة.
كان الصحفيون الخمسة هم: رضوان آدم ومحمد الجارحي ومحمد فوزي وعبد المنعم محمود وأنا.
أربعة أشهر كاملة من الاعتصام.
أربعة أشهر من الحياة بين جدران النقابة.
أربعة أشهر من الغضب والأمل والعناد والوقفات الاحتجاجية والمفاوضات.
كانت المفارقة المدهشة أن الاعتصام بدأ في أكتوبر 2010، ثم خرجنا منه بعد شهور قليلة لنجد أنفسنا وسط ثورة 25 يناير.
خرجنا من النقابة إلى الميدان.
ومن اعتصام كان جزءًا من إرهاصات ثورة يناير، إلى اعتصام أكبر وسط ملايين المصريين الذين يطالبون بما نطلبه في اعتصامنا تقريبًا.
الحرية والعدل والكرامة.
كأن البلد كلها كانت تعيش الحالة نفسها.
والرفض نفسه.
والرغبة نفسها في استعادة الصوت.
كنا نناقش يوميًا في الاعتصام معنى حرية الصحافة، بينما كان الشارع المصري كله يستعد ـ دون أن ندري ـ لمعركة الحرية الأكبر.
وربما لهذا لم أشعر يومًا أن الاعتصام كان خسارة.
رغم أننا غادرنا عملنا.

ورغم القلق والخوف وعدم وضوح المستقبل في تلك اللحظة.
فالصحفي أحيانًا يخسر فرصة عمل.
لكنه ينقذ ضميره.
وهذه واحدة من أهم الدروس التي تعلمتها في الصحافة:
أن المهنة ليست مجرد كتابة جيدة أو سبق صحفي أو عنوان قوي.
المهنة موقف قبل أي شيء.
ليس الأخطر أن تفصل من الجريدة…
بل أن تبقى فيها بعدما تفقد احترامك لما تكتبه.
بدا “شرط الضمير” بالنسبة لنا وقتها أهم من المرتب، ومن المنصب، وأهم حتى من الإحساس بالأمان.
كنا نعرف أننا نغامر.
لكننا كنا نعرف أيضًا أن التصالح مع ما لا نؤمن به، يخسرنا شيئًا لا يمكن تعويضه بسهولة.