في عصر تتسع فيه مساحات التعبير عن الرأي، وتسعى الكثير من الدول لتمكين شبابها على المستوى السياسي، تتقلص تلك المساحة في بلدنا، فلم نعد نشهد محاولات لدمج الشباب سياسيا، سواء من خلال الحكومة أو الأحزاب السياسية المتنوعة.
الأمر لم يقتصر على المشاركة فحسب، بل حتى التوعية السياسية غابت عن الأجيال الحالية، وأصبحت حكرا على فئة قليلة من الشباب اليوم، ما يضعنا أمام تساؤلات عن مدى الوعي العام لدى الشباب، وهل يمكن انخراطهم في السياسة على أرض الواقع، أم يكتفوا بالتواجد على الواقع الافتراضي.
القبضة الأمنية وتراجع الشباب
أكد عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية جميعها مسؤولة عن حالة الشباب حاليا، فعلى الصعيد السياسي يرى الشباب زملائهم يتم حبسهم بسبب التعبير عن آرائهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فأصبح الشباب يعاقَب على الكلمة، وإذا لم يُحاكَم فسوف يظل في غياهب الحبس الاحتياطي لفترات طويلة، دون حكما واضحا، حتى يُنسى.
وأضاف ربيع، في تصريحات خاصة، أن السبب الثاني يرجع إلى الأوضاع الاقتصادية الحالية بين غلاء الأسعار والأعباء التى يتحملها الأفراد، ما يجعل الشاب يفضل العمل وتوفير أبسط قدر لأجل معيشته أو للتخطيط لمستقبله، أو الإنفاق على أسرته بدلا من الاندماج مع الأحزاب أو المشاركة في الانتخابات، كما أن البطالة وصعوبة الزواج اليوم جعلت البحث عن الوظيفة والاستقرار هي أولويات الشباب، ما أثر سلبا على المشاركة السياسية وجعلها محدودة.
المجتمع المدني وغياب السياسة في الجامعة
وأشار ربيع إلى أن هناك ضعف في الأنشطة السياسية داخل الجامعات، والمسئول عنها هو المجتمع المدني والأحزاب السياسية معا، إضافة إلى الدولة وقوانينها التى ترهب المواطنين من المشاركة السياسية، فنجد اليوم الوعي السياسي لدى الطلاب في الجامعات سئ جدا، موضحا أن خوف الشباب اليوم من الاندماج السياسي في المناخ الحالي ليس مبالغا فيه بل مُبرر، لأنه نتج عن وقائع تحدث كل يوم، فنجد في الصباح قرارا باخلاء سبيل أحد السجناء يقابله في اليوم ذاته حبس لعشرات غيره.
ولفت نائب رئيس “الأهرام للدراسات السياسية” إلى أن الأوضاع الأقتصادية الحالية جعلتنا نفقد بوصلة الأولويات في الإنفاق، فأصبحنا نستثمر في الكباري والمدن الجديدة وليس في المواطن أو وعيه أو ثقافته، داعيا مؤسسات الدولة للالتزام بالإنفاق في مواجهة الغلاء والديون والبطالة، وإنشاء المشروعات متناهية الصغر لحل مشاكل الشباب وتحسين منظومة الدعم حتى تصل إلى مستحقيها.
الإصلاح السياسي مسئولية الدولة
وقال ربيع: “إن الإصلاح السياسي المتمثل في إلغاء الحبس الاحتياطي، والالتزام بالقانون، وعدم مطاردة المواطنين لتعبيرهم عن أرائهم، ودعم مشاركة الشباب سياسيًا، وعدم مراقبة الأحزاب السياسية، والسماح لها بالاستقلال وألا تكون تابعا للسلطة، وتركها تعمل بحرية، جميعها أشياء لا تتطلب أي تكلفة، بل تحتاج إلى إرادة حقيقية من الدولة، وعلى الدولة القيام بها”.
النظام السياسي وعزوف الشباب
فيما قال الخبير التربوي، الدكتور كمال مغيث، إن النظام السياسي الحالي هو المسؤول عن عزوف الشباب عن المشاركة بالسياسة، إضافة إلى مصادرة الحياة السياسية، وحبس عشرات الآلاف لتعبيرهم عن أرائهم، وهو أيضا المسؤول عن محاصرة الأحزاب السياسية المختلفة، كذلك هو من يضع القوانين التى تصل إلى السجن حال التعبير عن الرأي أو التظاهر أو ممارسة أي شكل من أشكال التعبير السياسي يعارض النظام، مما انعكس على قلة الوعي السياسي لدى الشباب اليوم.
أزمة الشباب مع السياسات والقوانين المقيدة للحريات
وأكد مغيث لـ”القصة” أن الأحزاب تأتي في ذيل القائمة حينما نتحدث عن أسباب اختفاء الأنشطة السياسية داخل الجامعات، فالسبب الرئيسي هو السياسات والقوانين المقيدة للحريات اليوم، يلي ذلك دور الأمن الذي لا يسمح بأنشطة معارضة داخل الجامعات، بداية من التربص بالطلبة وحتى تفتيشهم، وكلها أسباب أضعفت مشاركة الشباب، وبالتالي ضعف النشاط السياسي داخل الجامعة.
وأضاف الخبير التربوي أنه على الرغم من أن الأصل في الجامعة العلم والمهنة، لكن السياسية هي الحياة، بمعنى أن الطالب يلتحق بالجامعة ليصبح مهندسا أو طبيبا، ويتلقى تعليمه بالمواد الدراسية والتدريب والامتحانات، أما السياسة كمشاكل الوطن أو الجماهير أو البرلمان والدستور ممنوعة، ما جعل الجامعة تُخرج مهنيين فقط، منفصلين عن قضايا مجتمعهم.
وشدد مغيث على ضرورة أن يرفع الأمن قبضته عن الجامعات، وأن يتم تشكيل اتحاد الطلبة بطريقة ديمقراطية، وتنظَّم الأنشطة والندوات السياسية بحرية، مؤكدا على ضرورة الإفراج عن المحبوسين احتياطيًا بسبب الرأي، وإعادة النظر في قوانين تقييد حرية التعبير، وإزالة القيود عن الأحزاب السياسية.
المشاركة السياسية للشباب وإصلاح المجتمع
فيما أكد الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي، أن مشاركة الشباب في الحياة السياسية تُعَد ضرورة لتقدم أي مجتمع، لأن هؤلاء الشباب سوف يكونوا قادة المستقبل، ولا بد من بناء وعيهم السياسي، حرصا على الدولة ومستقبلها.
وأرجع صادق غياب الوعي السياسي اليوم إلى عدم وجود نماذج ناجحة، وعدم التشجيع من قبل الحكومة على المشاركة السياسية، إضافة إلى غياب مؤتمرات الشباب التى كانت تنظم تحت رعاية الرئيس من قبل.
أزمة تعطيل العمل ببعض مواد الدستور
وأضاف صادق، في تصريحات خاصة، أن وجود كثير من الشباب ممن شاركوا في ثورة يناير 2011 داخل السجون اليوم ليس مؤشرا جيدا، مع تعطيل العمل ببعض مواد الدستور، مشيرا إلى أن الجامعات المصرية لم يعد مسموحا لها بالممارسة السياسية أو تعليم السياسة للطلبة، مع غياب الرأي الآخر في الإعلام والمرتبة المتأخرة لمصر في حرية الصحافة، لافتا إلى أن تلك جميعها أشياء منعت الشباب من المشاركة السياسية.
المشاركة السياسية للشباب بالجامعة ضرورة مجتمعية
وأكد أستاذ علم الاجتماع السياسي أن مشاركة الشباب السياسية داخل الجامعات هي ضرورة مجتمعية، حتى يتخرج الشباب من الجامعات لديه فهما ووعيا، وتصبح لديه الفرصة في العمل السياسي في المستقبل، موضحا إن الشباب إذا تم منعه من الحياة السياسية مبكرا فستغيب التنشئة السياسية عنه، وتابع: “اتحادات الطلاب كانت دوما جزءا من الممارسة السياسية، على سبيل المثال كانت أبرز التظاهرات التى حدثت في بداية حرب غزة من نصيب الجامعة الأمريكية، لكن الجامعات المصرية منعت دائما من ذلك، بل باتت المشاركة أو تنظيم تظاهرات كهذه خطرا”.
“التواصل الاجتماعي” يعوض غياب التواجد السياسي
وأشار صادق إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي قد تعوض غياب التواجد السياسي داخل الجامعات جزئيا لكنها أيضا تواجه المشكلات المختلفة، وقد يتعرض صاحب أي رأي أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المساءلة أو الحبس، رغم كونها مساحة أوسع نسبيا إلا أنها محاطه بالقيود والمخاطر، مطالبا بضرورة تخفيف القبضة الأمنية، والسيطرة على الجامعات أو وسائل الإعلام، لأن الجمهور أصبح يفضل الإعلام الخارجي عن الداخلي الذي لا يتمتع بالحرية، مؤكدا أنها إذا توافرت حينها يمكن الحديث عن مشاركة حقيقية.