في ثانية واحدة فقط، تحولت الدراجة البخارية إلى كتلة حديد غارقة تحت مياه النيل بمركز نجع حمادي شمالي محافظة قنا، واختفى معها ثلاثة شباب كانوا يحاولون عبور كوبري الشرق في نجع حمادي قبل اكتمال فتح الجزء المتحرك لعبور إحدى الوحدات النهرية.
لم يكن هناك وقت للصراخ أو النجاة، سقطت الدراجة من أعلى الكوبري الحديدي مباشرة إلى المياه، بينما تجمد المارة في أماكنهم أمام مشهد بدا كأنه يتكرر منذ سنوات فوق واحد من أخطر المعابر القديمة في صعيد مصر، نجا شاب بأعجوبة، فيما ابتلع النيل الآخرين، لتبدأ أيام طويلة من البحث والانتظار والانهيار على ضفاف النهر.
لكن الكارثة لم تتوقف عند حدود حادث الغرق نفسه، بل امتدت إلى الأسئلة التي انفجرت بعدها مباشرة داخل نجع حمادي، كيف يفتح كوبري بهذه الخطورة وسط حركة مرور كثيفة دون منظومة تأمين تمنع العبور تمامًا؟ أين الحواجز الإلكترونية؟ ولماذا يستطيع قائد دراجة بخارية الوصول إلى الجزء المتحرك أصلًا أثناء التشغيل؟ ومن المسؤول عن تأمين الكوبري في لحظة فتحه؟
شهادات متداولة بين الأهالي وسكان المنطقة تحدثت عن أن محاولات العبور السريع قبل الغلق الكامل أصبحت أمرًا معتادًا على الكوبري، خصوصًا مع الدراجات البخارية والتكاتك، في ظل اعتماد نظام التشغيل على إجراءات تقليدية قديمة.
أحمد يوسف، مدرس في أحد قرى الشرق، الذي يعبر بشكل يومي الكبري للوصول إلى عمله، يقول إن نظام التشغيل الذي يعتمد على أشخاص، وربما شخص واحد فثط، للا يتناسب مع حجم الحركة الحالية على الكوبري.
ويشير إلى أن التحذيرات غالبًا ما تكون يدوية أو محدودة، بينما يفتقر الكوبري إلى أنظمة إغلاق حديثة تمنع المرور بشكل قاطع لحظة فتح الجزء المتحرك، كما يحدث في الكباري الأحدث.
عبدالرحمن باقر، مواطن تجبره طبيعة مسكنه، أن يعبر هو وأطفاله الثلاثة كل يوم للذهاب لمدراسهم عبر هذا الكوبري الذي لا يوجد له بديل، يؤكد أن الكوبري نفسه ليس معبرًا عاديًا داخل المدينة، فهو شريان رئيسي يربط شرق نجع حمادي بغربها، ويستخدمه يوميًا آلاف المواطنين، إلى جانب سيارات النقل والدراجات البخارية والمشاة.
ويضيف أنه مع زيادة الكثافة المرورية خلال السنوات الأخيرة، تضاعفت شكاوى الأهالي من خطورة العبور عليه، خاصة في ساعات الليل، بسبب ضعف الإضاءة نسبيًا، وغياب وسائل الحماية الكافية، والطبيعة القديمة للكوبري المعدني الذي يعمل بنظام الفتح لعبور المراكب النيلية.
وفي الوقت الذي كانت فيه عائلات الشباب المفقودين تجلس على ضفاف النيل تتابع تحركات الغطاسين بحثًا عن أبنائها، شهدت محافظة قنا صباح الأحد جولة لوزير النقل الفريق كامل الوزير لتفقد عدد من المشروعات المرورية الجديدة، وبينما كانت فرق الإنقاذ النهري تواصل البحث أسفل كوبري الشرق، تصدرت مشاهد الطبل والمزمار البلدي وفعاليات الاستقبال الشعبي للوزير مواقع التواصل وصفحات محلية، ما ضاعف حالة الغضب داخل المدينة، خصوصًا مع شعور كثيرين بأن الكارثة التي وقعت فوق الكوبري لم تحظ حتى الآن بإجابات واضحة أو إعلان رسمي حول أسباب الحادث والمسؤولية عنه، ولم يقم وزير النقل بزيارة موقع الحادث أو مواساة عائلات الضحايا، حسب شهود العيان.
الغضب الشعبي تحول سريعًا إلى مطالبات مباشرة بفتح تحقيق عاجل في الواقعة، لفحص إجراءات التشغيل نفسها، هل كانت الحواجز مغلقة بالكامل؟ هل وجد أفراد تأمين كافون على جانبي الكوبري؟ وهل توجد كاميرات توثق لحظة الحادث؟ كما طالب الأهالي بمراجعة حالة الكوبري الفنية بالكامل، باعتباره واحدًا من أقدم الكباري المعدنية المتحركة في الصعيد، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى ملاءمته لحجم الحركة الحالية.
ومع تفاقم الوضع، تداول أهالي نجع حمادي مذكرة رسمية موجهة إلى محافظ قنا ووزير النقل ورئيس الهيئة العامة للطرق والكباري، طالبوا فيها بإنشاء كوبري جديد حديث وآمن، وتطوير منظومة الأمان بالكوبري الحالي، وتركيب حواجز حماية قوية وإشارات تحذيرية واضحة، وتحسين الإضاءة الليلية، وتوفير أفراد تنظيم مرور بشكل دائم أثناء فتح وغلق الكوبري، إلى جانب محاسبة أي تقصير قد يكون تسبب في الحادث.
الأسئلة التي تركها الحادث خلفه لا تتعلق فقط بثلاثة شباب سقطوا في النيل، بل بمدينة كاملة باتت تخشى المرور فوق كوبري ترى أنه يتحول تدريجيًا من وسيلة عبور إلى مصدر خطر يومي نتيجة مباشرة لمنظومة قديمة ظلت تعمل لسنوات دون تطوير حقيقي يواكب حجم الخطر.