بين دائرة الصراع وتبادل الضربات بين الأطراف، يلوح في الأفق أفكار بالتهدئة وتسوية الأزمة والمُضي قدمًا نحو الاستقرار وعودة الأوضاع لطبيعتها.
وظهر ذلك في حديث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما قال إنه يعتقد أن الصراع في أوكرانيا يقترب من نهايته، معلنا في الوقت ذاته استعداده للقاء نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ليس في موسكو فحسب بل في دولة ثالثة.
وخلال مؤتمر صحفي عُقد في موسكو بعد عرض يوم النصر التقليدي، بمناسبة نهاية الحرب العالمية الثانية، قال بوتين لصحفيين بشأن الحرب مع أوكرانيا “أعتقد أن الأمر يقترب من نهايته”
مطالب الطرفان وفرص التسوية
وفي هذا السياق بدأ السفير صلاح حليمة، رئيس مجلس الشئون الإفريقية حديثه مع “القصة” : إن فرص التسوية تبدو فى الأفق، ولكن ليس قريبًا، إذ أن مطالب كل طرف متباعدة إلى حدٍ ما، ولكن حجم الخسائر وتكاليف الحرب انهكت الطرفان، والعلاقات الأمريكية مع طرفى الصراع والاتحاد الاوروبي متقلبة.
وأردف: ولا يمكن الاعتماد علي مواقف داعمة وثابتة، خاصة وأن الجانب الأوروبي يتجه إلى الإبتعاد عن الإدارة الأمريكية الحالية المتارجحة فى المواقف والتوجهات، ويتعزز بوقفها من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والقضايا المطروحة فى إطارها مثل مضيق هرمز.
واختتم “حليمة”: ويتجه الاتحاد الأوروبي إلى الاعتماد على النفس بالدرجة الأولى، وأنا لا أرى أن فرص التسوية قريبة ولكنها قادمة، خاصة إذا أسفر لقاء ترامب مع الرئيس الصينى عن نتائج إيجابية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط وأيضًا روسيا وأوكرانيا.
تصريحات توحي باقتراب نهاية الحرب
فيما قال إسماعيل تركي، الخبير في الشأن الروسي لـ “القصة”: يتعلق مستقبل الصراع الروسي الأوكراني وآفاق التسوية في العقلية السياسية الروسية، وخاصة الرئيس بوتين، بتحقيق أهداف العملية العسكرية التي بدأت في فجر الخميس 24 فبراير 2022؛ لمنع أوكرانيا من الإنضمام إلى حلف الناتو وحماية السكان من أصل روسي وإزالة تهديد النازيين الجدد.
وأردف : وهو ما يمكن القول إن كثير من هذه الأهداف خاصة مع ضم أربع مقاطعات أوكرانية إلى روسيا، وهي لوهانسك دونيتسك وخيرسون وزابوريجيا، إضافة إلى شبه جزيرة القرم، التي تم ضمها منذ 2014، وعليه تكون موافقة أوكرانيا علي التنازل عن هذه الأراضي التي تم ضمها هذا ما يتحدث عنه بوتين بتصريحات توحي باقتراب النهاية، تماشيًا مع ضغوط أو رسائل للداخل الروسي أو حتي مطالبات دولية بضرورة التفاوض.
وتابع: إلا أن الواقع الميداني والشروط الروسية تشير إلى محددات واضحة لهذه النهاية: التمسك بالمكاسب التي تحققت علي أرض الميدان، و تعتبر روسيا أن أي مسار للسلام يصطدم برفض أوكرانيا التنازل عن المقاطعات الأربع التي ضمتها وهي شروط روسية أساسية لتحقيق السلام، كما أن روسيا دائمًا ترفض الهدن طويلة الأمد وتنظر لها بحذر، معتبرة إياها فرصة لأوكرانيا لتعزيز دفاعاتها، واستقبال مزيد من المساعدة.
اتفاق سلام نهائي
وأكمل “تركي”: مما يعني أن نهاية الحرب من منظور بوتين يجب أن تضمن عدم قدرة أوكرانيا على العودة للمواجهة العسكرية لاحقًا، والموافقة علي اتفاق سلام نهائي بموافقة أوكرانيا علي ضم المقاطعات، التي تم ضمها إلى روسيا والتعهد بعدم السعي للانضمام لحلف الناتو وعدم السعي لامتلاك سلاح نووي وحمايه السكان من اصل روسي .
واستكمل: كما أن روسيا نجحت في إدارة الصراع اقتصاديًا وميدانيًا، مستغلة عدة عوامل أهمها الاستدامة الميدانية، حيث استطاعت زيادة وتيرة القصف وتحقيق تقدم ميداني، خاصة في الأوقات التي انشغل فيها العالم بملفات أخرى مثل حرب غزة، وحتي الحرب الأمريكية علي إيران.
وأضاف: وتكتسب تهديدات بوتين جديتها من خلال قدرة روسيا علي الرد والتلويح بالثالوث النووي من حين لآخر، فالرد على التصعيد وقبول الهدن المؤقتة “مثل هدنة عيد النصر” تأتي أحيانًا لتجنب تصعيد خطير كان يمكن أن يؤدي لردود انتقامية روسية واسعة، حيث هددت روسيا باستهداف مراكز صنع القرار في العاصمة الأوكرانية كييف والقضاء علي كل القيادات.
روسيا ترفض تقديم تنازلات
كما قال: بالرغم من وجود جولات تفاوض ووساطات عربية “خاصة من دولة الإمارات” شملت ملفات حساسة ووفودًا دولية، فإن الملفات الإنسانية مثل تبادل الأسرى تظل رهينة للموقف الأوكراني المتصلب في القضايا السيادية؛ فتعثر المفاوضات السياسية ينعكس مباشرة على الملفات الميدانية والإنسانية، حيث ترفض روسيا تقديم تنازلات دون اعتراف بشروطها المسبقة، لكن كانت هناك سابقة بتبادل أسري ضمن ما يمكن أن نسميه مفاوضات إنسانية ألف مقابل ألف.
واختتم “تركي”. وفقًا لرؤيتي وتحليل للأحداث، نحن لسنا بصدد نهاية حقيقية، بل تحول في شكل الصراع والاتجاه نحو سباق تسلح طويل الأمد، حيث عادت أوروبا لحالة التصنيع العسكري ورفع ميزانيات الدفاع، مما ينذر بمواجهة شاملة محتملة مستقبلًا، كما أن الحرب لم تهدأ ولكنها تختفي أحيانًا خلف ملفات دولية أخرى، مما يسمح لروسيا بإعادة ترتيب أوراقها وتحقيق تقدم هادئ.