لم يكن مشروع “شتلات قصب السكر” الذي روجت له الحكومة المصرية باعتباره طوق النجاة لإنقاذ المحصول الاستراتيجي، سوى تجربة معلقة بين الحقول والوعود.
بعد سنوات من المؤتمرات والتصريحات عن “ثورة زراعية” و”زيادة الإنتاج” و”توفير المياه”، يقف مزارعو الصعيد اليوم أمام واقع مختلف، إنتاج يتراجع، ومساحات تتقلص، ومزارعون يهربون من القصب إلى الموز والمانجو، بينما الحقول الإرشادية التي احتفت بها الكاميرات لم تغير شيئًا في الأزمة.
فبحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة “FAOSTAT” وتقارير وزارة الزراعة الأمريكية “USDA”، تراجع إنتاج السكر المستخرج من القصب في مصر من متوسط تراوح بين 1.6 و1.7 مليون طن خلال عامي 2012 و2013، إلى نحو 1.1 و1.2 مليون طن خلال الفترة من 2022 وحتى مايو 2026، بخسارة تقدر بنحو 1.2 مليون طن مقارنة بذروة الإنتاج، أي ما يعادل قرابة 30% من إجمالي الإنتاج المحلي.
ورغم هذا التراجع، كانت وزارة الزراعة تعلن منذ عام 2021 عن خطوات لتطوير زراعة القصب عبر “الشتلات” والري بالتنقيط، مع متابعة حقول تجريبية في قنا، قبل أن تعلن في أغسطس 2023 “نجاح” أول حقل إرشادي لزراعة القصب بالشتلات في بمحافظة قنا.
لكن بعد سنوات من الترويج للمشروع، لا يزال السؤال مطروحًا داخل القرى الزراعية، أين نتائج هذا “النجاح”؟ ولماذا لم ينعكس على الإنتاج أو أوضاع المزارعين؟
في محافظة الأقصر، يقف عم مروان أمام أرضه التي ورثها عن والده، يتفقد عيدان القصب بصمت، قبل أن يقطع حديثه بجملة تختصر الأزمة كلها: “خسرت 30% من صافي الربح”.
لم يكن الرجل يرفض التطوير، بل حاول خوض التجربة الجديدة التي تروج لها وزارة الزراعة، عبر زراعة القصب بالشتلات والري بالتنقيط، لكنه اصطدم — بحسب روايته — بتكاليف أكبر من قدرة المزارع العادي.
يقول: “النظام الجديد حاليًا خسران مع المزارع، خاصة إن محصول القصب سنوي، يعني المزارع بيصرف 11 شهر”.
بالنسبة له، تحولت “الشتلات” من مشروع إنقاذ إلى عبء إضافي، لا يضمن تغطية التكلفة أصلًا، في وقت يطالب فيه المزارعون برفع سعر توريد الطن من 2500 إلى 3500 جنيه حتى يتمكنوا من الاستمرار. ويحذر: “على مدار 3 سنين هتبقى أزمة حقيقية لو متحطش سعر عادل”.
داخل القرى الزراعية في الصعيد، لم تعد الأزمة مرتبطة فقط بانخفاض الأرباح، بل بدأت تضرب فكرة استمرار زراعة القصب نفسها. كثير من المزارعين — بحسب شهادات متعددة — بدأوا بالفعل في اقتلاع القصب واستبداله بمحاصيل أقل تكلفة وأكثر ربحًا.
يقول عم مروان: “المزارع ابتدى يكره زرع القصب واتجهوا للمانجا والموز”.
وتؤكد بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء “CAPMAS” هذا التراجع؛ إذ انخفض إنتاج السكر المستخرج من القصب تدريجيًا من متوسط تراوح بين 1.4 و1.6 مليون طن سنويًا خلال الفترة من 2012 إلى 2015، إلى نحو 1.2 و1.3 مليون طن بين 2016 و2021، ثم إلى ما بين 1.1 و1.2 مليون طن خلال الفترة من 2022 وحتى مايو 2026.
ورغم هذا الانخفاض، استمرت وزارة الزراعة في الترويج لمشروع الشتلات باعتباره “المستقبل”، بينما يقول المزارعون إن ما يحدث على الأرض شيء آخر تمامًا.
في أحد الحقول المجاورة، كان عم أحمد يتابع العمال وهم يغادرون أرضه مبكرًا. لم يعد قادرًا على توفير العدد الكافي منهم، كما أن الأجور ارتفعت بصورة غير مسبوقة.
يقول: “العامل بقى بياخد 180 جنيه بعد ما كان 150، وكمان العمال قليل”.
لكن الأزمة — بحسب وصفه — أعمق من مجرد زيادة أجور. فالعامل نفسه لم يعد يستطيع الاكتفاء بالعمل في حقل واحد بسبب الظروف الاقتصادية، ما جعل يوم العمل الزراعي يتفتت بين عدة أراضٍ.
يضيف: “العامل بيشتغل عندي ساعتين، وبعدها يروح لحد تاني، وبعدها لحد تالت الراجل معذور عايز يكفي بيته”.
ورغم الترويج الحكومي للميكنة والزراعة الحديثة، يقول عم أحمد إن المزارعين طلبوا بالفعل من شركة السكر توفير معدات زراعية تقلل الاعتماد على العمالة، لكن دون استجابة.
ويضيف بنبرة حاسمة: “أنا مجربتش الشتلات في أرضي الزراعة بالعقل أوفر وأريح”.
ذلك الرفض المتكرر من المزارعين لمشروع الشتلات لا يرتبط — وفق شهاداتهم — بالخوف من التغيير، بل بقناعة متزايدة أن المشروع جرى الترويج له إعلاميًا أكثر مما جرى دعمه فعليًا على الأرض.
في حقل آخر، كان عم ماهر يحسب ما تبقى معه من المال بعد دفع أجور العمال وشراء الأسمدة، بينما لا تزال مستحقاته لدى شركة السكر متأخرة.
يقول: “أكبر مشاكل مزارعين القصب إن شركة السكر متأخرة في سداد المستحقات، وأسعار السماد نار”.
ورغم حديثه عن وجود أنواع جديدة من التقاوي والأسمدة تحقق إنتاجية مرتفعة تصل إلى 55 طنًا للفدان، فإنه يؤكد أن تكلفتها تفوق قدرة أغلب المزارعين.
أما مشروع الشتلات، فيراه “مكلفًا أكثر من اللازم”، خصوصًا مع أعباء النقل والزراعة.
ويضيف: “الصراحة طريقة الشتلات مستخدمتهاش تكلفتها عالية”، لكن ما يثير غضب الرجل أكثر من التكاليف، هو ما يصفه بـ”غياب وزارة الزراعة” عن الحقول.
يقول: “زمان كان لكل حوض زراعي مرشد، دلوقتي تدخل الجمعية متلاقيش غير المدير واتنين مرشدين”.
وبالنسبة له، فإن انهيار الإرشاد الزراعي كان أحد أسباب فشل التجارب الجديدة، لأن المزارع تُرك وحده أمام مشروع يحتاج متابعة وخبرة وتدريبًا مستمرًا.
وفي حقل مجاور، يقف عم صافي غاضبًا من تأخر مستحقاته بعد توريد محصوله للبنك الزراعي المصري منذ يناير الماضي، مؤكدًا أن كثيرًا من المزارعين لا يزالون يسددون فوائد القروض رغم عدم حصولهم على مستحقاتهم حتى الآن.
ويقول: “وردنا المحصول ولسه بندفع عليه فوائد”.
كما يتهم شركة السكر بعدم الالتزام بآلية خصم القصب المحروق التي أقرها مجلس المحاصيل السكرية، ما تسبب — بحسب قوله — في خسائر إضافية للمزارعين.
في المقابل، يرى حسين عبدالرحمن، نقيب الفلاحين، أن أزمة القصب ليست مرتبطة فقط بفشل الشتلات، بل أيضًا بسياسات الدولة نفسها.
يقول إن الحكومة حدّدت زراعة القصب في نحو 375 ألف فدان فقط بالوجه القبلي، ومنعت التوسع في الوجه البحري بسبب استهلاك القصب الكبير للمياه، مع إعطاء أفضلية واضحة للبنجر.
ويضيف: “الحكومة هي اللي منعت التوسع وحددت المساحات”.
وبحسب عبدالرحمن، فإن البنجر أصبح الخيار المفضل للدولة لأنه أقل استهلاكًا للمياه وأكثر تحمّلًا للملوحة والجفاف، فضلًا عن ارتفاع كفاءة استخراج السكر منه مقارنة بالقصب.
لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن تطبيق زراعة القصب بالشتلات “قد ينجح نظريًا”، إلا أن تكلفته المرتفعة تدفع المزارعين للتمسك بالطريقة التقليدية، ويقول: “لو اتطبقت صح هتدي إنتاج عالي بس تكلفتها عالية”.
أما الدكتورة منى الدكروني، الخبيرة والاستشارية في العلوم الزراعية، فترى أن أزمة القصب أعقد من مجرد طريقة زراعة.
وتوضح أن التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة أثرا بشكل مباشر على جودة وإنتاجية القصب، إلى جانب تراجع خصوبة التربة وامتداد مواسم الآفات الزراعية.
لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن مشروع الشتلات لم يفشل بالكامل من الناحية العلمية، بل اصطدم بغياب الدعم والإرشاد والتطبيق الحقيقي.
وتقول إن زراعة القصب بالشتلات يمكن أن توفر كميات كبيرة من التقاوي والمياه، وترفع الإنتاجية تدريجيًا، لكنها تحتاج إشرافًا فنيًا ومتابعة مستمرة، وهو ما لم يتوفر بالشكل الكافي، وتضيف: “المزارع المصري لسه بيشعر بالأمان مع الطريقة التقليدية، بسبب غياب التوعية”.
وبين وعود الحكومة، وأبحاث الخبراء، وشكاوى المزارعين، تبدو “الشتلات” حتى الآن مشروعًا لم يغادر مرحلة الدعاية الرسمية.
ففي الوقت الذي كانت فيه البيانات الحكومية تتحدث عن “نجاحات” و”حقول نموذجية”، كان إنتاج القصب يتراجع عامًا بعد آخر، وكان المزارع يخرج من الموسم محاصرًا بالديون والتكاليف وتأخر المستحقات.
ومع اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي وما يحدث داخل الحقول، يبقى السؤال الذي يردده مزارعو الصعيد أكثر إلحاحًا: هل فشلت تجربة زراعة قصب السكر بالشتلات فعلًا؟ أم أن الجكومة تركت التجربة تموت قبل أن تكتمل؟


