يُعتبر انشقاق القائد الميداني البارز علي رزق الله السافنا عن قوات الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش السوداني، بمثابة ضربة استراتيجية ومعنوية قاصمة لمسار الحرب.
خاصة أن انشقاقه جاء عقب انسحاب قيادات مماثلة ومحورية، مثل اللواء النور القبة، مما يعكس تصدعًا داخليًا متصاعدًا وتأثيرًا مباشرًا في الصراع القبلي والسياسي في منطقتي دارفور وكردفان.
يأتي ذلك بعد إعلان القائد الميداني البارز في قوات الدعم السريع علي رزق الله، الشهير بـ”السافنا”، انشقاقه الكامل عن القوات.
ونجح في الوصول إلى العاصمة، وأعلن انحيازه لإرادة الشعب السوداني، وذلك بعد أيام من انشقاق القائد النور القبة.
من هو السافنا؟
هو علي عبد الله رزق الله، الملقب بـ”السافنا”، وينحدر من إقليم دارفور، من قبيلة الرزيقات.
يحمل رتبة عميد في قوات الدعم السريع، وخاض مسيرة متقلبة، حيث تنقل بين التمرد والانضمام إلى الجيش.
ثم السجن، قبل أن تُخرجه قوات الدعم السريع لينضم إلى صفوفها عند اندلاع الحرب في الأول من أبريل 2023.
تفاصيل الانشقاق
خرج السافنا على الناس من خلال مقطع فيديو قصير أعلن فيه مغادرته لمعسكر الدعم السريع والاصطفاف مع الشعب والنازحين.
وفي هذا السياق، قال اللواء أسامة كبير، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن المسألة الآن ليست مجرد إحباط للروح المعنوية، أو أن التعب أصبح “شلليات”، لكن طول مدة الحرب خلق صراعًا ليس بين القوات المسلحة والدعم السريع كطرفين مسلحين فقط، بل أصبحت الحرب “مسألة وجود”، وتحولت إلى قضية وجودية بالنسبة للقوات المسلحة.
حرب الوجود
وأوضح “كبير”، في تصريحات خاصة لـ”القصة”، أن “حكومة الإنقاذ” بالنسبة لهم، وأي انتصار أو حتى اتفاق للجيش مع الدعم السريع لإنهاء الحرب، من دون أن يتحدد مستقبلهم ووجودهم في السلطة، يعني أنه لن يكون لهم وجود، على الأقل، في أي سلطة قادمة، ولذلك فهذه الحرب بالنسبة لهم حرب وجود.
نسبة التعليم ضعيفة بين قوات الدعم السريع
كما أشار إلى أن أغلب قوات الدعم السريع مجموعات قبلية، ونسبة التعليم بينهم ضعيفة، صحيح أن بعض القيادات انضمت إليهم من الجيش، وهذه القوة تحاول توظيفها لتمدد الدعم السريع، وحتى بعد تشكيل “حكومة تأسيس”، رغم أنها حكومة موازية وغير معترف بها، لكنها أصبحت سندًا قويًا لاستمرار الدعم السريع واحتفاظه بجزء كبير من قوته، مثل حركات “الزغاوة” التي انقسمت من الجبهة الثورية، إذ انضمت كثير من القيادات والمجموعات المسلحة.
وأكد “كبير” أن الموضوع لم يعد مجرد انشقاق قائد أو اثنين أو ثلاثة، فهناك قيادات كثيرة انشقت، لكن تأثيرها كان لحظيًا. وكان من الأفضل، إذا كانت هناك إرادة فعلية لدى تلك الشخصيات لإثبات تأثيرها، مثل المنشق “كيكل”، أن تسهم في تحرير مناطق استراتيجية مثل “الفاشر” أو “نيالا” أو غرب كردفان، وتمهد الطريق للجيش لدخول دارفور وملاحقة الدعم السريع في معاقله الأخيرة.
تمهيد مسبق للانشقاقات
واختتم “كبير” حديثه قائلًا: للأسف، في الغالب يكون الانشقاق في الأساس ضمن اتفاق مرحلي مع مجموعات محسوبة على الجيش، تمهيدًا لاتفاق قادم، لأن جهات كثيرة مناصرة للجيش اقتنعت بأن الحرب لن تنتهي إلا عبر التفاوض، ومن أجل إقناع الداعمين المتطرفين الذين يرغبون في “اجتثاث” الدعم السريع، كان من الضروري أن يسبق ذلك تمهيد بانشقاقات لبعض القادة.
وفي سياق آخر، متصل، قال عبد الباقي جبارة البكري، الكاتب الصحفي، إن موضوع الانشقاقات لبعض القادة من الدعم السريع، ومن الحركات المسلحة والمجموعات المناوئة لحكومة المركز، موجود منذ تاريخ السودان الممتد، إذ بدأت هذه الحركات منذ ما قبل الاستقلال بعام، في 1955، بتمرد “أنيانيا 2″، وتطورت لاحقًا إلى الحركة الشعبية التي قادت إلى انفصال جنوب السودان.
انشقاقات من خلال الاستخبارات
كما أوضح “جبارة”، في تصريحات خاصة لـ”القصة”، أن هناك انشقاقات كبيرة جدًا لعبت فيها الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش السوداني، والأجهزة الأمنية في حكومة المركز بالخرطوم، دورًا كبيرًا، وبلغت قيادات على مستوى رياك مشار، وأروك طون أروك، وكثير من القادة المشهورين، وبعضهم كان من مؤسسي الحركة الشعبية.
كما أردف: الشاهد في الأمر أن حركة العدل والمساواة، برئاسة مؤسسها الدكتور خليل إبراهيم، وصلت إلى مرحلة تم فيها اغتيال قائد الحركة، ومع ذلك لم تنتهِ حركة العدل والمساواة، وهي نفسها وصلت إلى معقل الحكومة المركزية في أم درمان في مايو 2008، وأيضًا لم تنتهِ.
الانشقاقات سيناريوهات مكررة
كما استكمل، إذا كنا نتحدث عن دلالات الانشقاقات التي حصلت من الدعم السريع، مثل “كيكل” و”النور القبة” و”السافنا”، فهو سيناريو مكرر، كما حدث في أوقات سابقة، وكانت جميع الأطراف متفقة على أن الجيش السوداني هو الجيش الوطني الموحد، وهو الذي يمتلك القوة، وكل الناس تسعى لذلك، حتى الحركات المسلحة نفسها التي لديها سلاح ومقاتلون، تتحدث عن فكرة الجيش الوطني الواحد من دون ميليشيات.
كما أوضح أن انشقاق السافنا، بعد فترة وجيزة من انشقاق القيادي البارز اللواء النور القبة، يرتبط أيضًا بموقف الزعيم القبلي المعروف موسى هلال، قائد قوات الصحوة، الذي ظل موقفه ثابتًا وداعمًا للقوات المسلحة والجيش بشكل معلن.
وأردف: لموسى هلال علاقة وطيدة جدًا بالحركة الإسلامية، وكان معروفًا أنه ينفذ أجندتها، وهو من أسس حرس الحدود، وكانت المجموعات العربية التي قاتلت بها الإنقاذ الحركات المسلحة ذات الطابع العرقي في دارفور، مثل الزغاوة وحركات الفور بقيادة عبد الواحد محمد نور. كما أن موسى هلال شخص مطلوب أصلًا لدى المحكمة الجنائية الدولية.
الدعم السريع وتوجيهات البشير
كما أكد “جبارة” أن الدعم السريع كان بالفعل يخدم البشير، وكانت توجيهاته مرتبطة بالبشير مباشرة، أكثر من موسى هلال الذي له امتدادات وعلاقات متجذرة مع قيادات التنظيم الحركي الإسلامي.
وبالتالي، فإن السافنا وموسى هلال نفسيهما اعتُقلا في عهد البشير بإشراف حكومة الإنقاذ، وظلا معتقلين حتى أطلق سراحهما حميدتي وعبد الرحيم دقلو بعد نجاح ثورة 19 ديسمبر.
ليست إرادة الشعب
كما أوضح أن السافنا لا يمثل “إرادة الشعب”، لأن إرادة الشعب الآن هي وقف الحرب العبثية، ووقف القتل والتشريد والجرائم والانتهاكات التي طالت كل بيت، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وأضاف أن السافنا يمكن أن يُستخدم لتصفية حسابات، أو لفترة معينة من أجل خدمة أجندة الحرب واستمرارها، كما أن انشقاقه لا يمكن أن يكون خطوة لإنهاء الحرب، بل ربما يزيد التوتر أكثر.
حرب تجاوزت الأشخاص
واختتم “جبارة” قائلًا إن قضية الحرب الآن تجاوزت الأشخاص بمراحل كبيرة جدًا، والشعب بات ينظر إلى الموضوع من زوايا أخرى، باعتباره صراعًا إقليميًا وصراعًا داخليًا، وحتى داخل المجموعات نفسها، إذ إن الدعم السريع لديه خلافات داخلية على السلطة.