في اللحظة التي كنت أعبر فيها شارع محيي الدين أبو العز المزدحم، بعد رحيلي النهائي من جريدة “التحرير”، كانت الفكرة “المجنونة” قد بدأت تتشكل داخل رأسي.
موقع صحفي جديد “نتجنن فيه براحتنا، ونقدم فيه صحافة شبهنا.. صحافة بجد”.
لم يكن الأمر محاولة للهروب من الإحباط المعتاد داخل الصحافة التقليدية، بل كان إحساسًا يتملكني بأن المهنة التي أحببناها تتغير.
ينطفيء وهجها شيئًا فشيئًا.
كان شعوري وقتها أن كثيرًا من المؤسسات الصحفية بدأت تتحول بالتدريج إلى نشرات علاقات عامة.
تخشى الأسئلة.
لا تبحث عن إجابات.
لا تقترب من الخطوط الحمراء.
لا تشتبك مع خطاب السلطة.
مجرد صدى صوت لكل ما هو رسمي.
يومها جلست على قهوة صغيرة في شارع التحرير بالدقي، وبدأت أجري اتصالاتي الأولى لاستشارة الأصدقاء في الفكرة.

أجمل ما في الأمر أن شركائي في التجربة موجودون.
هؤلاء النبلاء الذين يشبهونني في القلق والغضب والحلم.
بداية من الزميل والصديق الكاتب الصحفي محمد الجارحي، رئيس التحرير التنفيذي.
ثم صحفيون وصحفيات متمردون ويمتلكون الموهبة.
يرفضون الصيغة التقليدية التي كانت تبتلع المهنة بهدوء.
وترسخ لزمن الصحافة المطيعة.
هكذا بدأت “بوابة يناير” في عام 2014.
هي المرة الأولى التي أرى اسمي رئيس تحرير لموقع صحفي.
كان اسم يناير نفسه يحمل شيئًا من روحنا جميعًا، الاسم اقترحه الزميل والصديق محمود السقا.
وقتها كان شابًا في بدايات رحلته الصحفية، لكنه امتلك احساسًا وتقديرًا لامسنا جميعًا.
جنون الفكرة النبيلة بدأ في الظهور مع خطواتنا الأولى للتأسيس.
فلم يكن بيننا ممولون كبار، ولا ميزانيات مستقرة. تقاسمنا كل شيء في البداية: تكلفة الدومين ومصروفات التشغيل، والسهر والاجتماعات حول شكل الموقع والمحتوى الذي سنقدمه.
حتى إنشاء الموقع وتصميمه جاء عبر صديق آمن بالفكرة وقرر أن يساعدنا مجانًا.

منذ اليوم الأول كان تقديرنا أن الشيء الأهم ليس الإمكانيات أبدًا.. بل الروح.
كانت “بوابة يناير” تجربة صحفية متمردة وشجاعة إلى أقصى درجة.
ومهنية ونبيلة إلى أقصى حد.
لم يبحث صحفيوها عن بطولة، بل عن صحافة حقيقية.
صحافة تنتقد حين يصمت الجميع، وتحاول أن تتمسك بما تبقى من روح ثورة يناير وشعاراتها الكبرى في العدالة والكرامة والحرية.
برغم صعوبات التمويل والضغط والإرهاق، حققت التجربة نجاحًا أكبر مما توقعنا جميعًا.
ربما لأن الناس كانت تبحث عن صوت مختلف، ولأن الصدق يظل قادرًا على الوصول إلى أبعد نقطة.
بعد شهور، بدأ بعض محبي التجربة في تقديم دعم بسيط ساعدنا على الاستمرار لفترة.
اليوم، وبعد سنوات، صرنا أكثر نضجًا.
علمتنا التجارب وأثقلتنا الخبرات.
وباتت قراءة تجربة بوابة يناير واجبة.
بعد أن مرت العواصف وصارت الرؤية أوضح.
الآن بعد أكثر من عشر سنوات أدرك أن القيمة الحقيقية لـ”بوابة يناير” لم تكن فقط فيما نشرناه، على أهميته، بل فيما أثبتته التجربة: أن الصحافة المستقلة ليست رفاهية، وأن كل جيل سيحاول دائمًا أن يخترع لغته الخاصة، وصوته الخاص، ومساحته الحرة، مهما كانت الظروف قاسية.
لم تغير بوابة يناير العالم، لكنها لم تستسلم للحظات انطفاء الصحافة.
وهذا وحده يكفي!