في صباح يوم السبت تحديدًا في مدينة الحوامدية التابعة لمحافظة الجيزة تقف أم علي تحسب ما تبقى لديها من مصروفات بعد شراء كيلوجرامين من الطماطم بقيمة 130 جنيهًا قبل أن تصدم بارتفاع أسعار اللحوم بقيمة 50 جنيهًا للجرام مما أدى إلى تراجع مقدار ما تشتريه من سلع أساسية فلم يعد هناك أي مساحة للرفاهية، وتقول أم علي في حديثها لمنصة القصة: “كنت نازلة معايا 1500 جنيه أجيب بيهم لحمة العيد وكمان السلع الأساسية اتفاجأت أن الطماطم وصلت لـ 70 و65 جنيه واللحمة رفعت 50 جنيه، كده حتى الأساسيات مش هقدر أشتريها كلها وطبعًا مبقاش في رفاهيات، الفاكهة حتى في المواسم مبقناش نقدر ندخلها البيت”.
وتتابع أم علي أن الأيام الأخيرة جاءت بالعاصفة التي تقضي على كل أمل لدى المواطن البسيط بسبب ما وقع عليه من موجة تضخم مرهقة أدت إلى ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات الأساسية مستدركة في حديثها: “بعد زيادة البنزين، وكل حاجة رفعت من أول المواصلات لحد السلع الأساسية، الغلبان مبقاش لاقي يأكل، وكل همهم يشتروا قطارات ويبنوا كباري”، ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه الحكومة إلى اقتراض المزيد من الديون لتضاف على قائمة مديونيات مصر بهدف تطوير البنية التحتية لشبكة النقل وتحديدًا خطوط السكك الحديدية مما أثار تساؤلات حول مدى استفادة الدولة من تلك المشروعات التي يراها الكثيرون ليست أولوية في ظل انهيار قطاعي التعليم والصحة.
مافيا السناتر تلتهم مجانية التعليم وغياب لأطباء الطوارئ
وعلى بعد عدة أمتار لم يختلف المشهد كثيرًا إذ تفتح منى محفظتها لتخرج آخر 50 جنيهًا لتعطيها لابنها طالب الثانوية العامة حتى يذهب إلى درسه الخصوصي ثم تقف غارقة في التفكير لكونها لا تملك ما يمكنها من شراء احتياجات أسرتها الأساسية، وتققول منى في حديثها لمنصة القصة: “الواحد بقى ماشي يكلم نفسه، آخر 50 جنيه أخدها ابني عشان يروح درسه هو ثانوية عامة ولازم يروح عشان يفهم، دلوقتي أشتري احتياجات بيتي إزاي، فين التعليم المجاني البيقولوا عنه ده ابني لوحده بياخد فوق الـ 2500 مصروفات دروس خصوصية غير الكتب”.
وتشير منى إلى أن التعليم في المدارس الحكومية أصبح غير موجود وأن ذهاب الطالب إلى المدرسة لا يجني منه سوى مضيعة الوقت لغياب المعلم الذي يفكر في القيام بواجبه وشرح المنهج بشكل جيد مما يجبر الأسر على اللجوء إلى الدروس الخصوصية في المراكز التعليمية ودفع مبالغ طائلة، مضيفة في حديثها: “زوجي مرتبه محدود بنصرف على تعليم العيال بالعافية، واحتياجات البيت اضطريت أنزل أشتغل عشان أوفر أقل القليل للبيت عشان نقدر نأكل بس، فين الحياة الكريمة الوعدونا بيها؟”.
وأمام وحدات الرعاية الصحية في سوق السهران تجلس أم مصطفى على درج السلم في انتظار وصول أي طبيب للكشف على طفلها ذي الثلاثة أشهر والذي يعاني من انتفاخ في البطن وارتفاع ملحوظ في حرارته، وتقول أم مصطفى في استعراض لحديثها مع منصة القصة: “ابني عنده تلت شهور من امبارح بطنه منتفخة وحرارته مرتفعة، ومش معايا فلوس أوديه لدكتور في عيادة خاصة، سعر الكشف بقى فوق الـ 200 وده لو الدكتور رحيم في دكاترة كشفهم عدى الـ 400 جنيه، جيت هنا قولت ممكن ألاقي دكتور يشوف ابني لحد دلوقتي مفيش دكاترة، حتى دواء الحرارة وجهاز قياس الحرارة مش متوفر، فين العلاج على نفقة الدولة ده، أبسط الحاجات مش موجود”.
وتتابع أم مصطفى أن هذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها للمراكز الحكومية دون جدوى حيث شخص طبيب مستشفى الحوامدية العام ابنها الأكبر سابقًا بالتهاب حاد في الشعب الهوائية وكتب له مضادات حيوية وجلسات تنفس صناعي لكنها لم تجد أيًّا من الأدوية في الصيدلية التابعة للمستشفى، مستطردة بالقول: “الصيدلية الخاصة بالمستشفى مكنش فيها أي علاج من المكتوب، والدكتور الفيها قال إحنا عندنا نقص تقريبًا في كل الأدوية، وطبعًا مش هسيب ابني يموت استلفت 500 جنيه جبت بيهم العلاج، وبقيت بستلف جهاز التنفس الصناعي من جارتي عشان مش معايا أجيب واحد، على فكرة الأزمة دي في كل المستشفيات الحكومية أنا بنت أختي عندها أنيميا البحر المتوسط، أختي بتروح بيها أبو الريش مرة في الأسبوع بتصرف آلاف الجنيهات في شراء العلاج والأجهزة لأنهم مش متوفرين في صيدلية المستشفى”.
جبهة معارضة داخل البرلمان ترفض الشيكات على بياض
ولم يكن المواطن وحده من يصرخ بل تعالت أصوات أعضاء مجلس النواب في الجلسات البرلمانية السابقة بالتساؤلات حول كيفية إدارة الموازنة العامة وتسديد الديون والإنفاق الملياري على قطاع النقل، حيث تعالت تساؤلات تساؤلات عضوة مجلس النواب الدكتورة مها عبد الناصر في الجلسة البرلمانية المنعقدة في 31 مارس الماضي حول كيفية إدارة الحكومة لملف الدين الخارجي مبرزة التناقض الواضح في تصريحات الحكومة التي تلح على تقليل الاقتراض ورغم هذا لم توقف سيل القروض، وتابعت عبد الناصر عبر صفحتها الرسمية قائلة: “إحنا بنقترض علشان نعمل مشروعات ملهاش أي أولوية، في مدينة أصلًا مفيهاش سكان! في الوقت اللي المواطن محتاج فيه كل جنيه يتصرف في مكانه الصح، وبناء عليه أنا برفض تمامًا أي اقتراح للاقتراض، رفض قاطع، وكمان بطالب باستدعاء الحكومة لـ مجلس النواب بشكل عاجل، عشان توضح للناس الخطة إيه في الظروف الصعبة اللي بنمر بيها، وإيه أولوياتنا الحقيقية”.
ولم تكن الدكتورة مها الصوت المعارض الوحيد بل تساءل عضو مجلس النواب الدكتور فريدي البياضي في جلسة برلمانية مؤخرًا حول توجه الدولة في الإنفاق على غير الأولويات قائلًا: “إحنا النهاردة جايين نتكلم عن قرض تاني لقطار كهربائي بقيمة 2 مليار يورو ما يعادل 66 مليار جنيه مصري، فين الأولويات، إحنا وأولادنا وأولادهم تعبنا من القروض”.
وسبق ذلك بـأيام حديث عضو مجلس النواب الدكتور رضا عبد السلام في مواجهة الحكومة حيث قال: “إحنا أخدنا من الصندوق حوالي 4 مليارات جنيه، جميعها صُرفت في أمور فنية وإصلاحات هيكلية، ولكن أين مردودها الاقتصادي، إحنا أكبر مقترض من الصندوق، ومع ذلك ليس لدى أي عضو في المجلس علم بحجم التمويل الذي حصلت عليه مصر من مؤسسات التمويل المختلفة، وأين صُرفت؟ هل وضعت في أهدافها؟”.
أرقام تتحدث.. قفزات التضخم ومخالفات صريحة لنسب الإنفاق الدستوري
تظهر البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الحكومية حجم الأزمة التمويلية والهيكلية التي يمر بها الاقتصاد الإقليمي؛ حيث سجلت معدلات التضخم زيادة بنسبة 14.9% في شهر أبريل الماضي بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وفي المقابل ارتفعت قيمة الدين الخارجي لمصر لتصل إلى 164 مليار دولار مسجلة زيادة مقدارها 9 مليارات دولار وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري، ومع ذلك أنفقت الدولة 2.8 مليار دولار ما يعادل 3% من الموازنة العامة لدعم مشروع القطار الكهربائي المعلق المونوريل بحسب تصريحات وزير النقل التي تم تداولها عبر وسائل الإعلام في مايو الماضي، وفي التوقيت ذاته تنفق الدولة على قطاع الصحة نسبة 1.1% فقط من إجمالي الناتج المحلي وعلى قطاع التعليم نسبة 1.5% من إجمالي الناتج المحلي بحسب بيانات وزارة المالية، مما يبرز مخالفة واضحة للمواد الدستورية الخاصة بمقدار النفقات الإلزامية؛ إذ تنص المادة رقم 18 من الدستور المصري على إنفاق 3% من الناتج المحلي لتطوير الصحة وتؤكد المادة رقم 19 على تخصيص 4% للتعليم ما قبل الجامعي في حين تشير المادة 21 إلى إنفاق 2% لتطوير التعليم الجامعي وتلزم المادة 23 بإنفاق 1% لتطوير قطاع البحث العلمي.
غياب الرقابة البرلمانية واعتماد الرؤى الشخصية في إدارة القروض
وفي قراءة تحليلية لأبعاد هذا المشهد يرى الدكتور عمرو هاشم ربيع عضو مجلس أمناء الحوار الوطني والمحلل السياسي أن الأزمة تعود إلى غياب الرقابة الحقيقية والاعتماد على التقديرات الفردية، قائلًا في حديثه الخاص لمنصة القصة: “لا توجد عدالة في توزيع الموارد بين القطاعات المختلفة، فإذا نظرنا إلى الحد الأدنى من الأجور والحد الأقصى سنجد أنه لا ينفذ في القطاع العام ولا في القطاع الخاص، وفي المقابل انظري إلى رواتب الوزراء والقضاة تساوي كام”، ويتابع ربيع أن الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور ليس إلا كلامًا على الورق لا يجد طريقه للتنفيذ مستدركًا بالقول: “والحد الأدنى ما حدش ملتزم بيه، فطبعًا ما فيش عدالة، أنتِ ماشية في طريق اللي هو الفقير يزداد فقرًا والغني بيزداد غنى”، مؤكدًا حدوث تآكل واضح للطبقة المتوسطة واتساع رقعة الفقر لتتجاوز نسبته الحالية 37% وفق تقديرات الاقتصاديين نتيجة لسياسات التوسع في الاقتراض وخفض الدعم مما أدى إلى قفزات متتالية في معدلات التضخم والبطالة.
ويضيف عضو مجلس أمناء الحوار الوطني أن مشروعات مثل العلمين الجديدة والمونوريل لم يكن لها أي دور ملموس في تحسين الخدمات الأساسية للمواطنين مشيرًا إلى المبالغة غير المبررة في ارتفاع الأسعار بالأسواق حيث قال: “كيلو السمك مبارك سايبه لينا بسبعة جنيه أو تمانية جنيه البلطي، دلوقتي كيلو السمك البلطي بحوالي 80 جنيه، بعد مزارع غليون والمزارع السمكية وبحيرة البردويل اللي قلنا هننميها ما نميناهاش، وبعد السيطرة البشعة اللي فيها من الجهات الأخرى يعني”، ويوضح ربيع أن الرقابة البرلمانية باتت غائبة تمامًا لكون المناخ العام قد افتقد للنزاهة والحياد في العمليات الانتخابية السابقة قائلًا: “مفيش رقابة برلمانية، والنظام الانتخابي لم يكن أمثل ولا فيه حياد، وحتى من لسان رئيس الدولة يعني الدولة ما تتدخل، والانتخابات أُعيدت في عشرات الدوائر، جزء منها من الهيئة الوطنية وجزء منها من المحاكم”، واصفًا البرلمان الحالي بأنه برلمان تمريري ينفذ كل ما يُطلب منه دون القدرة على مراقبة تصرفات الوزراء والحكومة حيث قال: “الحكومة ما بتروحش البرلمان ولا بتعيره اهتمام، الدكتور هاني حنا وزير شؤون البرلمان هو اللي موجود وهو اللي بيتلقى الضربات”.
وينتقد ربيع التعتيم الإعلامي وغياب الشفافية في عرض تفاصيل المديونيات الخارجية قائلًا: “يعني أنا واحد من الناس ما شفتش شفافية في العرض، ما شفتش إعلام بيغطي الكلام ده، عشان كده الرأي العام دايماً بيستغرب من الكم الكبير للمديونية الخارجية”، مشيرًا إلى أن الدين الخارجي تضاعف بصورة مرعبة ليرتفع من نحو 47 مليار دولار في عام 2015 إلى أكثر من 162 مليار دولار خلال العام الحالي ليعكس ذلك زيادة تتجاوز 200% مؤكدًا أن الاقتراض ليس سياسة آمنة بأي حال، ويتابع أن احتياجات المواطنين الحقيقية تتمثل في الخدمات المباشرة كالتعليم والصحة أو في القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة التي تجلب عوائد مالية سريعة لخدمة الدين بدلًا من إنفاق القروض على الطرق والكباري حيث قال مستنكرًا: “يعني مونوريل على قطار كهربي على على على.. مصر كبيرة، دولة كبيرة يعني رقعتها الأرضية كبيرة، ليه أعمل مونوريل؟ أنا ما عنديش نفقات وعندي رقعة أرضية، فليه أعمل مونوريل مثلاً من القاهرة الجديدة لأكتوبر وأمشيه على 2000 أو 3000 عمود، كل عمود من دول بمليون جنيه تقريباً”، موضحًا أن هذه المشروعات ناتجة عن تجاهل دراسات الجدوى وغياب مبدأ الشورى ومضيفًا: “رئيس الدولة قبل كده قال أنا ما بعترفش بدراسات الجدوى، فطبعًا الناظر لهذا الموضوع بيدرك إن الأمور بتعتمد على الرؤى الشخصية التي قد تصيب وقد تخيب لأنها تفتقر للفكر الجماعي وتتخلى عن الطابع العلمي، ومن هنا بييجي الارتباك في تقدير المسائل لما الأمور لا يُحمد عقباها بعد فترة ويتبين إن الدنيا ماكانتش صح”.
قراءة اقتصادية.. هيكل الدين العام وتآكل المساحة المالية للحماية الاجتماعية
وعلى الصعيد الاقتصادي تحلل الدكتورة هدى الملاح مدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى طبيعة الأزمة مشيرة إلى أن الدين العام في مصر شهد خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا سواء من حيث الحجم أو الهيكل، وتضيف الملاح في حديثها الخاص لمنصة القصة أن هذا التطور جاء: “نتيجة تداخل عدة عوامل داخلية وخارجية، أبرزها التوسع في الإنفاق الاستثماري، وارتفاع تكلفة التمويل عالميًّا، وتداعيات الأزمات الاقتصادية المتلاحقة مثل جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من ضغوط على أسعار الغذاء والطاقة وسوق النقد الأجنبي”، وتتابع الملاح تحليلها البنيوي للدين قائلة: “من حيث الحجم، ارتفع الدين العام بوتيرة متسارعة خلال العقد الأخير، سواء الدين المحلي أو الخارجي، في إطار سعي الدولة لتمويل مشروعات البنية التحتية الكبرى، وتغطية عجز الموازنة، وتوفير احتياجات النقد الأجنبي، واللافت خلال السنوات الأخيرة هو تغير هيكل الدين نفسه، حيث اتجهت الحكومة إلى زيادة الاعتماد على أدوات دين أطول أجلًا نسبيًّا، وتنويع مصادر التمويل بين مؤسسات دولية وسندات دولارية وصكوك وأدوات تمويل جديدة، بهدف تقليل مخاطر إعادة التمويل قصيرة الأجل”.
وتؤكد الخبيرة الاقتصادية أن هذا الاعتماد التمويلي تحول إلى عبء خانق يلتهم المخصصات الاجتماعية قائلة: “وفي المقابل، أصبح بند خدمة الدين يمثل أحد أكبر الضغوط على الموازنة العامة، إذ تستحوذ فوائد وأقساط الدين على نسبة كبيرة من إجمالي الإنفاق الحكومي، وهو ما يقلل من المساحة المالية المتاحة للإنفاق الاجتماعي والاستثماري المباشر، لاسيما وأن ارتفاع أسعار الفائدة محليًّا وعالميًّا أدى إلى زيادة تكلفة الاقتراض بشكل واضح، ما انعكس على تضخم أعباء الفوائد داخل الموازنة”، لافتة إلى أن هذا الوضع يفرض تحديًا حقيقيًّا أمام صانع السياسة المالية لأن جزءًا معتبرًا من الإيرادات العامة يذهب لسداد الالتزامات التمويلية بدلًا من توجيهه إلى قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وأن أي ارتفاع جديد في أسعار الفائدة أو تراجع في الإيرادات الدولارية قد يؤدي إلى زيادة الضغوط المالية بصورة أكبر.
وتختتم الملاح قراءتها بوضع معايير لتقييم جدوى المشروعات القائمة قائلة: “تقييم التوازن في توزيع الإنفاق يعتمد على زاوية النظر الاقتصادية والاجتماعية معًا؛ فالبنية التحتية تُعد عنصرًا مهمًا لتحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، لكن استمرار الضغط على الخدمات الأساسية قد يحد من العائد الاجتماعي لهذا النمو إذا لم ينعكس بصورة مباشرة على جودة حياة المواطنين، وإذا كانت القروض تُستخدم في مشروعات إنتاجية ترفع القدرة الاقتصادية للدولة وتزيد الإيرادات مستقبلاً، فإن أثرها يكون أكثر استدامة، أما إذا اتجه الجزء الأكبر منها إلى تغطية نفقات جارية أو سداد التزامات سابقة دون خلق موارد جديدة، فقد ترتفع المخاطر المالية تدريجيًّا، حيث يمكن قياس أثر القروض على الاستقرار المالي عبر مجموعة من المؤشرات المهمة، أبرزها نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة خدمة الدين إلى الإيرادات العامة والصادرات، وحجم الاحتياطي النقدي وقدرته على تغطية الالتزامات الخارجية، ومتوسط آجال استحقاق الدين، وتكلفة الاقتراض وأسعار الفائدة، وقدرة الاقتصاد على تحقيق نمو حقيقي مستدام، ليبقى العامل الحاسم على المدى المتوسط والطويل هو قدرة الاقتصاد المصري على تحقيق نمو إنتاجي قوي وزيادة الصادرات والإيرادات الدولارية، لأن استدامة الدين لا ترتبط فقط بحجمه، وإنما بقدرة الاقتصاد على توليد موارد كافية لخدمته دون الإضرار بمعدلات التنمية أو الاستقرار الاجتماعي”.
وبين تصاعد معدلات التضخم وتفاقم مديونيات الدين الخارجي وتوجيه الإنفاق نحو مشروعات غير إنتاجية في ظل غياب الرقابة البرلمانية الفعالة يجد المواطن المصري نفسه في خضم صدمات معيشية متتالية متسائلًا عن المدى الزمني الذي سيظل فيه يدفع ثمن قرارات اقتصادية تستند إلى الرؤى الفردية على حساب حقوقه الأساسية في التعليم والملجأ والعلاج.