تربص، فاصطحاب، فإخفاء. جريمة اختطاف متكاملة، إذا فعلها أي شخص سيضع نفسه في مرمى عقوبات قانونية مشددة. لكن عندما يكون الأب هو خاطف أطفاله الذين منح القانون الحضانة لوالدتهم، فلا يعتبر خاطفا> وتكون الأحكام المخففة هدية القانون له.
يتحين الأب الفرصة لخطف الطفل، فإما يأخذه من الحضانة أو المدرسة، وإما يفعلها بالاستيلاء بعد انتهاء الرؤية. وبعض الآباء يحتجزون الأطفال في مكان مجهول. وربما ينقلونهم إلى محافظة أخرى لإخفائهم عن الأم أو الحاضن. وفي كل الأحوال، يتعامل القانون مع الأب برأفة لا تليق بخاطف فقط كونه أبا بيولوجيا للطفل. حتى وإن كان يستخدمه كورقة للضغط لإجبار الأم بالتنازل عن حقوقها.
عقوبة الاختطاف في القانون المصري
قال ياسر سعد المحامي إن هناك أكثر من نص في قانون العقوبات يتعلق بجرائم الخطف. وإن كل نص يتحدث عن حالة معينة من حالات الاختطاف، على اختلاف ظروفها وملابساتها والضرر الواقع على المخطوف.
وأضاف سعد لـ”القصة” أن المادة 283 من القانون تنظم عقوبات بعض حالات الخطف كالمواليد. وتنص على أنه “يُعاقب بالسجن مدة لا تقل عن سبع سنوات كل من خطف طفلاً حديث العهد بالولادة. أو أخفاه أو أبدله بآخر أو عزاه زوراً إلى غير أي من والديه.”
وأشار إلى أن المادة 289 تنص على أن “كل من خطف من غير تحايل ولا إكراه طفلاً، يعاقب بالسجن المشدد مدة لا تقل عن عشر سنوات”. موضحا أنه إذا كان الخطف مصحوباً بطلب فدية، فتكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس عشرة سنة ولا تزيد على عشرين سنة. لافتا إلى أن القانون يحكم على فاعل جناية الخطف بالإعدام أو السجن المؤبد إذا اقترنت بها جريمة مواقعة المخطوف أو هتك عرضه.
وأوضح سعد أن المادة 290 أيضا تختص بجرائم الخطف. وتنص على أن “كل من خطف بالتحايل أو الإكراه شخصاً، يعاقب بالسجن المشدد مدة لا تقل عن عشر سنوات. فإذا كان المخطوف طفلاً أو أنثى تكون العقوبة السجن المؤبد. ويحكم بالإعدام إذا اقترنت الجريمة بجريمة مواقعة المخطوف أو هتك عرضه.”
احتجاز الأب لأطفاله بعد الطلاق
رأي القانون مختلف فيما يتعلق بخطف أو احتجاز الأب لأطفاله بعد الطلاق، في ظل حضانة الأم لهم. فوفقا لسعد، في النزاعات الأسرية بين الأب والأم، غالباً لا يُطبَّق وصف الخطف المنصوص عليه في المادتين 289 و290. إنما يُثار تطبيق المادة 292 الخاصة بعدم تسليم الصغير لمن له حق الحضانة أو الحفظ.
وتنص المادة 292 من قانون العقوبات على أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة أو بغرامة، أي الوالدين أو الجدين. إذا لم يسلم ولده الصغير أو ولد ولده إلى من له الحق في طلبه بناءً على قرار من جهة القضاء صادر بشأن حضانته أو حفظه. كذلك أي الوالدين أو الجدين خطفه بنفسه أو بواسطة غيره ممن لهم بمقتضى قرار من جهة القضاء حق حضانته أو حفظه ولو كان ذلك بغير تحايل أو إكراه”.
تكييف تهمة الأب خاطف الأبناء
وأكد سعد أن القانون لا يتعامل مع الأب كخاطف لأطفاله. وقال: “بعد حدوث الطلاق يصبح الأبناء في حضانة الأم بشكل طبيعي. ولا يحق لأحد انتزاع الأبناء إلا في الأوضاع المعروفة، التي ترجع لتقدير القاضي، كزواج الأم أو ثبوت عدم قدرتها على حماية الأطفال. فالقانون لم يتضمن بالأساس أي أسباب لإسقاط الحضانة عن الأم”. لكن إذا حدث وتمكن الأب من انتزاع الأطفال دون سند قانوني فهناك آليات يمكن تنفيذها لاستعادتهم.
وقال سعد إنه في تلك الحالة تُقدم الأم الحاضنة طلبا للنيابة العامة لتسليمها الصغير. ولا تتسلم الحاضنة الصغار إلا عبر قرار النيابة. ويتم التنفيذ عن طريق وزارة الداخلية، دون وجود قوة أمنية، بوجود الأم الحاضنة وأخصائي نفسي وقت تنفيذ القرار. لضمان تمكين الأم من الاستلام، ورعايتهم النفسية في هذه اللحظة العصيبة.
ولفت سعد إلى أنه حال رفض الأب تسليم الأطفال في هذا التوقيت، فإنه وفقا للقانون يواجه جنحة الامتناع عن تنفيذ قرار التسليم. فالعقوبة لا تخص جريمة خطف، لكن جريمة امتناع عن تنفيذ قرار النيابة.
خطف الأبناء سلوك شاذ يخالف القانون
بينما قال عبدالله الباجا، رئيس محكمة استئناف الأسرة سابقا، إن القانون أعطى للمطلقة الحضانة حتى بلوغ سن 15 عاما. وأعطى للأب في هذه المرحلة حق الرؤية. وقد يحدث سلوك شاذ بخطف الأطفال بطريق التحايل في هذه الفترة.
وأضاف الباجا، في تصريحات خاصة، أن هذه الجريمة لها خصوصية، فهي بالفعل جريمة لكن قانون العقوبات أفرد لها نصا خاصا رقم 292. وهو: “إذا قام الأب غير الحاضن بأخذ الأولاد بطريق التحايل أو أي طريقة وامتنع عن تسليمهم للأم الحاضنة يُعاقب بالحبس والغرامة أو إحدى هاتين العقوبتين”.
إجراءات حماية الحاضنة للأطفال من خطف الأب
وأشار الباجا إلى أن القانون أعطى للأم في حالة خطف صغارها المحضونين قنوات للحماية. فلها الحق في اللجوء لنيابة الأسرة لاستصدار أمر بإلزام الأب بتسليم الصغير المخطوف للأم الحاضنة.
وأكد رئيس “استئناف الأسرة” سابقا أن القانون استكمل الحماية بمنح الحاضنة ببعض الحالات حق اللجوء لرئيس محكمة الأسرة المختصة. موضحا أنه بصفته قاضيا للأمور الوقتية، له استصدار أمر بمنع الصغار من السفر حال خطفهم. كذلك يحق له وضعهم على قوائم ترقب الوصول، إذا تمكن الأب الخاطف من تهريبهم خارج البلاد.
ماهية قرار المنع من السفر
قال ياسر سعد إن هناك أزمة إجرائية فيما يتعلق بتسليم الصغير، تتلخص في لجوء الأب للهروب بالأبناء للخارج. مضيفا أنه في هذه الحالة نتوجه بقرار تسليم الصغير أو بحكم محكمة – إن وُجِد – للنائب العام ليضع الأب والأبناء على قوائم الممنوعين من السفر. موضحا أن هذا الأمر يستلزم بعض الوقت، لذلك في أغلب الحالات يتمكن الأب من الهرب.
وأوضح أنه يجوز تتبع الأطفال بالخارج عن طريق الإنتربول. وذلك حال توجه الأب لدولة من الدول الموقعة على معاهدة البوليس الدولي. وتابع: إذا كان لمصر مع تلك الدولة علاقات ودية تسمح بالتدخل، يتم مخاطبتها عن طريق الدبلوماسية المصرية، ويتم ترحيله. لكن هذا الأمر يتم في حالات قليلة جدا”.
وجوب تعديل القانون
وأكد سعد على ضرورة تعديل القانون، والتعامل مع خطف الأب للأطفال كجريمة مكتملة الأركان. واستخدام نفس النصوص القانونية العادية وعقوباتها للجريمة. مشددا على وجوب عدم استخدام الرأفة أو الأحكام المخففة فيها.
وأوضح سعد أن الأب لديه فرص كبيرة للهروب بالأبناء. وحتى محاولات منعه ربما يسبقها بخطوة. لافتا إلى أن اللجوء للانتربول لا يفلح دائما، خصوصا إذا كان الأب في دولة لم توقع على معاهدة البوليس الدولي. ما يعني أنه سيحرم الأم والأبناء كلاهما من الآخر. علاوة على استهزائه بالقانون الذي منح الأم حضانة الأبناء.
الأثر النفسي على الأطفال
كل أمر يمر بالإنسان يؤثر في نفسيته. خصوصا الطفل الذي تتكون شخصيته، وتكون مشاعره في السنوات الأولى من عمره رقيقة، تتأثر بكل ما يحدث من حوله.
الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، قال لـ”القصة” إن خطف الأب للطفل من والدته يترك أثرا عنيفا في الأطفال. وربما يدمر شخصية الطفل. مضيفا أن فترة بناء الشخصية تبدأ من ٤ سنوات حتى 14 سنة.
وأضاف فرويز أن هذه الفترة تؤثر بقدر كبير في تكوين الشخصية. ويُبنى عليها بنسبة لا تقل عن 70 إلى 80% من الشخصية. بينما الجينات تؤثر بمقدار من 10 إلى 15%، والخبرات الحياتية تؤثر بنفس النسبة تقريبا.
وأشار أستاذ الطب النفسي إلى مدى تأثري حدوث أي مشكلات بين الوالدين على الأطفال. خصوصا إذا كانت مرتبطة بأحداث درامية مثل التراشق بالألفاظ غير اللائقة أو الاشتباك، مما يسبب اضطرابات شديدة لدى الأطفال. وتابع: “إذا كانت الأحداث البسيطة تأثيرها كبير، فما بالك بتأثير خطف الأب للأطفال من الأم”.
وأوضح فرويز أن الاضطرابات التي تصيب الأطفال بسبب مثل هذه الأمور تتباين من طفل لآخر. لافتا إلى أنها تدور حول اضطراب الهوية، والاضطرابات الجنسية، والانطوائية، والعنف.