فجأة، وبدون سابق إنذار، وجدت نفسي خارج «فيسبوك».
ضغطة واحدة كانت كافية لأنتقل من عالم يعج بالأصدقاء والأخبار والثرثرة اليومية إلى فراغ رقمي غريب. تسلل إليّ إحساس خفيف بالعزلة؛ فلا تعرف ماذا تفعل، ولا إلى أين تذهب، وكأن المدينة التي اعتدت التجول في شوارعها أغلقت أبوابها دفعة واحدة. كان أول ما تبادر إلى ذهني أن لصًا إلكترونيًا قرر أن يجعل مني ضحية جديدة.
هرعت إلى «ماسنجر» لأستغيث بأحد الأصدقاء، فإذا بالتطبيق يطلب رقم الهاتف وكلمة المرور من جديد.
هنا ازداد يقيني بأن الحساب قد سُرق بالفعل، وأن اللص يجلس الآن في مكان ما يحتسي القهوة ويتصفح ذكرياتي وصوري القديمة.
لكنني لم أنزعج كثيرًا؛ فمثل كثيرين من أبناء العصر الرقمي، أحتفظ بحساب احتياطي للطوارئ والكوارث والمؤامرات.
حاولت الدخول إليه، فإذا به هو الآخر خارج الخدمة! عندها لم يعد الأمر مجرد سرقة حساب، بل بدا وكأنه مؤامرة كونية كاملة الأركان، أكبر من كل المؤامرات التي قيل إنها حِيكت ضد نادي الزمالك في زمن ازدهار نظرية المؤامرة لدى صاحبها المستشار مرتضى منصور ومحبيه من جماهير الأبيض.
وبينما كانت الشكوك تتكاثر في رأسي، قلت لنفسي: لا فائدة من مطاردة أشباح الإنترنت الآن، فلنصلِّ العصر أولًا، ثم ندعو على هذا اللص المجهول الذي حرمنا من حساباتنا من غير أن نفعل له شرًا.
بعد الصلاة بدأت الحقيقة تتكشف شيئًا فشيئًا. المشكلة ليست في حسابي، ولا في حسابك، ولا في حسابات الملايين من مستخدمي المنصة، بل في «فيسبوك» نفسه، الذي قرر أن يأخذ إجازة مفاجئة من العالم.
عندما عرفت أن مشكلة «فيسبوك» وتوقفه عن العمل كانت عطلًا تقنيًا عالميًا، وليست نتيجة هاكر مجرم سرق حسابي، وجدت نفسي أتمنى لو استمر هذا العطل يومين أو ثلاثة، بل أسبوعًا كاملًا.
راودتني رغبة حقيقية في أن أرى كيف يعيش الناس بعيدًا عن هذه النافذة التي صارت تربطنا بالعالم من حولنا.
فلكل إنسان عالمه الصغير الذي يدور في فلك أسرته وأصدقائه المقربين، بينما يمتد عالم آخرين ليشمل دوائر أوسع من المعارف والاهتمامات والعلاقات.
لكن الأمر لم يعد بالنسبة للكثيرين مجرد وسيلة للتواصل أو متابعة الأخبار والمنشورات.
فـ«فيسبوك» تحول مع السنوات إلى سوق مفتوحة، ومصدر رزق، ومنصة للأعمال والتجارة والتسويق، وفضاء تتشكل فيه علاقات مهنية واجتماعية تتجاوز كثيرًا حدود الصداقة التقليدية.
بل إن مؤسسات ومواقع كاملة باتت تعتمد عليه في الوصول إلى جمهورها واستمرار نشاطها.
لقد أصبح هذا «العفريت الأزرق» جزءًا أصيلًا من تفاصيل حياتنا اليومية؛ نستيقظ عليه، ونقضي ساعاتنا بين صفحاته، ونقيس أحيانًا حضورنا وتأثيرنا بما يتيحه من تفاعل وانتشار.
وربما لهذا السبب بدا توقفه المفاجئ أشبه بانقطاع طريق رئيسي اعتاد الجميع المرور منه.
ولعل السؤال الأهم ليس: ماذا سنفعل إذا توقف فيسبوك؟ بل إلى أي مدى سمحنا له بأن يحتل هذه المساحة الواسعة من حياتنا؟ وهل ما زلنا نستخدمه كأداة تخدمنا، أم أننا أصبحنا، من حيث لا نشعر، جزءًا من عالمه هو؟