قراءة تحليلية في مذكرة التفاهم الأولية بين الولايات المتحدة وإيران وتداعياتها الإقليمية
في لحظة سياسية تتسم بالتوتر الإقليمي المتصاعد، جاءت مذكرة التفاهم الأولية بين الولايات المتحدة وإيران لتفتح نافذة تهدئة غير مسبوقة، لكنها في الوقت ذاته لم تُغلق أبواب الصراع. فالاتفاق، الذي لم يُوقَّع في لقاء مباشر بين رئيسي البلدين، ولا يزال بعيدًا عن صيغة “معاهدة سلام” مكتملة، يبدو أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة تُدار بحذر شديد أكثر من كونه تسوية نهائية.
هذه المذكرة، التي وُقِّعت بشكل غير تقليدي عبر آليات سياسية ودبلوماسية غير مباشرة، تعكس حالة من “اللايقين الاستراتيجي” في العلاقات بين واشنطن وطهران، حيث تتقدم لغة التهدئة خطوة، بينما تظل ملفات الصراع الأساسية دون حسم.
بنود عامة.. لكن جوهرها مؤجل
تقوم المذكرة على وقف فوري للتصعيد العسكري بين الطرفين، بما يشمل تخفيف التوتر في ساحات الصراع غير المباشرة في المنطقة، مع فتح نافذة تفاوض تمتد لفترة محدودة تهدف للوصول إلى اتفاق نهائي لاحق.
كما تتضمن التزامات مبدئية بعدم اللجوء إلى القوة العسكرية، وإعادة تنظيم بعض القنوات الاقتصادية، خصوصًا ما يتعلق بحركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب إشارات أولية لتخفيف تدريجي للعقوبات في حال التزام الأطراف ببنود التهدئة.
لكن الأخطر في بنية الاتفاق أنه يُرحّل القضايا الجوهرية إلى مراحل لاحقة، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، وآليات التحقق، ومستقبل العقوبات الأمريكية. وهو ما يجعل الاتفاق أقرب إلى “إدارة أزمة” منه إلى “حل أزمة”.
لماذا لا يزال المشهد ضبابياً؟
رغم أهمية الخطوة، إلا أن الغموض لا يزال يهيمن على مستقبلها، لعدة أسباب رئيسية:
أولًا، غياب لقاء مباشر بين القيادة السياسية في البلدين. فعدم وجود قمة رئاسية يضعف من مستوى الضمانات السياسية، ويجعل الاتفاق عرضة للتأويلات المختلفة داخل كل عاصمة.
ثانيًا، اختلاف القراءة السياسية لبنود الاتفاق. فبينما ترى واشنطن أن أي تخفيف اقتصادي مرهون بالتزام صارم وقابل للتحقق، تصر طهران على أن أي تقدم يجب أن يقابله رفع ملموس وسريع للعقوبات.
ثالثًا، أن القضايا الأصعب لم تُحسم بعد. فالملف النووي، الذي يمثل قلب الأزمة، لا يزال خارج إطار الاتفاق النهائي، ما يعني أن جذور الخلاف لم تُمس فعلياً.
هل يمكن أن يعود التصعيد العسكري؟
على الرغم من أجواء التهدئة الحالية، فإن احتمال العودة إلى التصعيد لا يزال قائمًا. فالاتفاق، بصيغته الحالية، لا يمنع الانهيار، بل يؤجله فقط.
ومن أبرز عوامل الخطر المحتملة:
فشل المفاوضات الفنية خلال الفترة المحددة، خلافات حول العقوبات وتوقيتها، اشتعال الجبهات غير المباشرة في المنطقة، ضغوط داخلية على حكومتي البلدين، بالإضافة إلى سوء تفسير الالتزامات المتبادلة بين الطرفين.
بمعنى آخر، ما نشهده ليس نهاية الصراع، بل “تجميده“ في نقطة حساسة قابلة للانفجار إذا تعثرت المفاوضات.
لبنان في قلب التوازنات: جنوب مشتعل تحت سقف التهدئة
من أكثر الملفات حساسية في هذا الاتفاق تداعياته غير المباشرة على لبنان، وبالأخص الجنوب اللبناني حيث تتقاطع خطوط التوتر بين إسرائيل وحزب الله.
فرغم أن المذكرة لا تتناول لبنان بشكل مباشر، فإنها تمتد عمليًا إلى ساحات النفوذ المرتبطة بإيران، وهو ما ينعكس على سلوك الفاعلين الإقليميين هناك.
في هذا السياق، يصبح الجنوب اللبناني منطقة “تعليق استراتيجي“، أي هدوء نسبي مرتبط بصلابة الاتفاق الأمريكي الإيراني، مقابل بقاء جذور المواجهة قائمة دون حل.
أما إسرائيل، فتتعامل بحذر مع هذه التطورات، إذ تحاول بكل الطرق ألا تربط أي إتفاق أمريكي إيراني على وضعها العسكري في لبنان، حيث قال نتنياهوترى في أي تهدئة لا تضمن تفكيك القدرات العسكرية لحزب الله تهدئة مؤقتة لا تغيّر من معادلة الأمن على حدودها الشمالية. لكن الأمور ليست كلها بيد إسرائيل، ففي نهاية الأمر ما سوف يفرضه ترامب على أبيب هو ما سيكون.
هل يؤثر الاتفاق على أسواق الطاقة العالمية؟
بعيدًا عن السياسة، يحمل الاتفاق أبعادًا اقتصادية مباشرة، خاصة في سوق الطاقة العالمي.
فأي تهدئة في منطقة الخليج، وتحديدًا ما يتعلق بمضيق هرمز، تعني تقليل المخاطر على حركة ناقلات النفط، وهو ما ينعكس مباشرة على استقرار الأسعار العالمية.
يمكن تلخيص التأثير في ثلاثة مستويات:
خفض مؤقت لتقلبات أسعار النفط نتيجة تراجع مخاطر الإمدادات
إمكانية زيادة المعروض الإيراني تدريجيًا إذا خُففت العقوبات
بقاء “المخاطر الجيوسياسية“ بسبب هشاشة الاتفاق
وبالتالي، فإن الأسواق تتفاعل مع الاتفاق بوصفه “عامل تهدئة جزئي”، وليس تحولًا استراتيجيًا دائمًا.
اتفاق هشّ أم بداية مسار سلام؟
يمكن النظر إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران باعتبارها محاولة لاحتواء التصعيد، لا لإنهائه. فهي تُعيد ترتيب المشهد الإقليمي مؤقتًا، لكنها لا تعالج جذوره العميقة.
نجاحها سيعتمد على قدرة الطرفين على تحويل التهدئة المؤقتة إلى اتفاق سياسي متكامل، وعلى مدى قدرة القوى الإقليمية، خصوصًا في لبنان، على التكيف مع قواعد اشتباك جديدة.
لكن حتى ذلك الحين، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن أمام بداية مسار سلام حقيقي، أم مجرد هدنة مؤقتة قبل جولة جديدة من التصعيد؟
وما السياسة إلا مكر ودهاء.