شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن مؤخراً تحولاً جيوسياسياً بارزاً في منطقة الشرق الأوسط، بتوقيع “اتفاق الإطار الثلاثي” بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة.
وفي حين يروج صُنّاع القرار في واشنطن للاتفاق على أنه مسار تدريجي لإنهاء صراع دامي، واستعادة السيادة اللبنانية، وإعادة النازحين؛ فإن القراءة المتأنية لسطور الاتفاق تكشف عن واقع مغاير وشديد الخطورة. فبالنسبة لبلد يترنح بالفعل تحت وطأة انهيار اقتصادي وفراغ سياسي مزمن، لا يمثل هذا الاتفاق خارطة طريق للسلام، بقدر ما يمثل لغماً سياسياً يهدد بتفجير السلم الأهلي.
لقد خلق الاتفاق شرخاً عميقاً غير مسبوق داخل النسيج اللبناني؛ حيث يراه فريق من اللبنانيين طوق نجاة براجماتي لإنقاذ ما تبقى من مؤسسات الدولة، بينما يراه فريق آخر صك استسلام مهين ومفروض بقوة السلاح، يحمل في طياته بذور حرب أهلية جديدة.
الرؤية البراجماتية: طوق نجاة للسيادة وبناء الدولة
بالنسبة للمؤيدين، وفي مقدمتهم القوى السيادية، وبعض الكتل المسيحية والسُّنّية، وقوى التغيير، فإن هذا الاتفاق يعد “تجرعاً مراً للدواء” لا بديل عنه لإنقاذ لبنان من تدمير كامل. فبعد أشهر من العمليات العسكرية الإسرائيلية العدوانية على لبنان، سواء بالقصف اليومي، أو الإغتيلات، وبالطبع التوغل البري، التي أسفرت عن تدمير العشرات من القرى والضيع، وإحتلال أجزاء من الجنوب، ونزوح أكثر من مليون مواطن لبناني، يقدم الاتفاق آلية منظمة تحت إشراف دولي لانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية.
ولأول مرة منذ عقود، يضع الاتفاق الجيش اللبناني في صدارة الاستراتيجية الأمنية للدولة، من خلال تدشين “مناطق تجريبية” في الجنوب لبسط السلطة الشرعية وإحلالها محل “السلاح غير الشرعي”.
فمنطق مؤيدي الاتفاق، خاصةً من الأحزاب المسيحية كالقوات اللبنانية، والكتائب، ومعهم “السياديين” وبعضاً من السنة، يرى أن الاتفاق يمثل فرصة تاريخية لاستعادة الدولة احتكارها الحصري والوحيد للسلاح وقرار الحرب والسلم. ومن خلال ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح الفصائل المسلحة، يقصدون بشكل مباشر حزب الله، يهدف الاتفاق، من وجهة نظرهم، إلى تفكيك مفهوم “الدولة داخل الدولة” وفصل لبنان عن صراعات المحاور الإقليمية بالوكالة، مما يمهد الطريق لعودته كدولة طبيعية مستقلة إلى المجتمعين العربي والدولي. والمنطق الذي يستندون اليه عادةً ينطلق من مفهوم “الدبلوماسية هي الحل”.
رؤية المعارضة: إملاءات خارجية واعتداء على الكرامة
في المقابل، يرى قطاع واسع من الشعب اللبناني، تتصدره البيئة الحاضنة لحزب الله وحركة أمل، وبعضاً من السنة، والمسيحيين كتيار المردة، أن الاتفاق ليس سوى “إملاءات أمريكية-إسرائيلية” مهينة ومجحفة. وتكمن المعضلة البنيوية للاتفاق في أنه قلب معادلة الصراع رأسا على عقب؛ إذ يشترط تحقيق نزاع سلاح المقاومة قبل إتمام الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة.
وينطوي هذا البند على إشكاليتين بالغتي الحساسية، فهم يرون أن هناك “فخ السيادة المعكوسة” من خلال ربط الانسحاب بنزع السلاح، يحول نص الاتفاق جوهر القضية من “مقاومة احتلال أجنبي” إلى “أزمة أمنية وشرطية داخلية” بين الدولة اللبنانية ومواطنيها. والاشكالية الثانية هي أنهم يعتبرون أن هذا الاتفاق ما هو الا “استسلام تحت الضغط”، حيث اعتبرت القوى المناهضة للاتفاق أنه يمثل “تنازلًا كليًا عن السيادة”، وشبهه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى باتفاق “17 أيار” المشؤوم عام 1983، باعتباره إذعانًا فُرض تحت نيران المدافع والضغوط الدبلوماسية الأمريكية المكثفة. أما الرد على فكرة إعطاء الفرصة للدبلوماسية، فهو “ماذا فعلت الدبلوماسية خلال الخمسة عشر شهراً ما بين حربي ٢٠٢٤ و٢٠٢٦؟!”
وقد حذر رئيس مجلس النواب، نبيه بري، بوضوح من أن شروط هذا الاتفاق تحمل مخاطر وجودية لإثارة الفتنة الداخلية، من خلال وضع الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع بيئة شعبية واسعة، بينما يحتفظ الجيش الإسرائيلي بتواجد عسكري على تلال استراتيجية حاكمة في الجنوب بذريعة المراقبة.
البُعد الأخطر: شبح الاقتتال الداخلي
إن الخطر الحقيقي لـ “اتفاق واشنطن” لا يكمن في ترتيباته الأمنية مع إسرائيل، بل في تداعياته المتفجرة داخل بيروت. فبجعل نزاع سلاح حزب الله شرطًا مسبقًا للاستقرار، وضعت الولايات المتحدة لبنان أمام خيارين أحلاهما مُر؛ ما قد يدفع البلاد نحو حافة الحرب الأهلية.
فالجيش اللبناني يُمنح اليوم تفويضاً يتجاوز قدراته العملياتية والسياسية، خاصة وأن عقيدته وطبيعته تعكس التوازن الطائفي الدقيق للبلاد. وإذا حاولت الدولة نزع السلاح بالقوة، فإنها تخاطر بصدام أهلي دموي يمزق المؤسسة العسكرية نفسها. أما إذا عجزت عن ذلك، فستحتفظ إسرائيل بالحق في إبقاء “المنطقة العازلة” في الجنوب، مما يعني تقسيم لبنان جغرافياً وعملياً.
وفي محاولة لتفادي هذا السيناريو الكارثي، تشهد الكواليس السياسية في بيروت ما يمكن وصفه بـ “المواجهة المحسوبة”، حيث تحاول أطراف إقليمية وعربية فاعلة خفض التصعيد، لمنع تحول الرفض السياسي للاتفاق إلى اشتباكات في الشارع.
سلام هش فوق خط زلازل إقليمي
لقد نجح الاتفاق الذي رعته واشنطن في إسكات صوت المدافع مؤقتاً، مع استمرار صوت المسيرات الاسرائيلية مسموعاً في سماء لبنان، لكنه قام بذلك عبر زرع لغم موقوت في قلب النظام اللبناني الدقيق.
وإذا أراد المجتمع الدولي لهذا الاتفاق أن يقود إلى استقرار حقيقي، وليس مجرد هدنة مؤقتة تسبق انفجارًا داخلياً، فلا يمكن التعامل معه كأداة لتصفية الحسابات الإقليمية أو تقليم أظافر قوى بعينها. إن العبرة لن تكون بالمنصات الخطابية في واشنطن، بل بمدى القدرة على صياغة حوار وطني لبناني داخلي يحفظ السلم الأهلي، وبتوفر غطاء إقليمي ودولي، وتحديدًا عبر تفاهمات أمريكية إيرانية، مباشرة أو غير مباشرة، يجنب لبنان كلفة الصدام الدامي. ودون ذلك، فإن الاتفاق الذي صُمم لإنقاذ لبنان من عدو خارجي، قد ينتهي به الأمر إلى تمزيقه من الداخل. وللعلم فإن لدى إسرائيل طموح أكبر من ذلك بكثير.