تتواصل حالة الجدل السياسي والقانوني في الولايات المتحدة بشأن مدى دستورية استمرار العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، وسط اتهامات من الحزب الديمقراطي للرئيس دونالد ترامب بتجاوز الصلاحيات الدستورية، في حين يرى آخرون أن الإدارة الأمريكية ما زالت تتحرك ضمن الأطر القانونية التي يمنحها الدستور للرئيس في إدارة العمليات العسكرية دون إعلان حرب رسمي.
الدستور يمنح الرئيس صلاحيات محددة
وفي هذا السياق، قال الدكتور أيمن سمير، الخبير في الشأن الأمريكي، إن الدستور الأمريكي يجيز للرئيس تنفيذ عمليات عسكرية محدودة دون الحاجة إلى إعلان حرب من الكونجرس، موضحًا أن هذه العمليات تخضع لفترات زمنية محددة، كما يسمح القانون بتمديدها لفترة إضافية في ظروف معينة.
وأضاف أنه حتى في حال انتهاء المدة القانونية، تستطيع الإدارة الأمريكية إطلاق مسمى جديد على العملية العسكرية، بما يسمح ببدء إطار زمني جديد وفقًا للتفسيرات القانونية المعمول بها.
وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي لا يكون مخالفًا للدستور إلا إذا أعلن الحرب رسميًا، لأن إعلان الحرب يعد اختصاصًا أصيلًا للكونجرس بمجلسيه؛ مجلس النواب ومجلس الشيوخ، بينما ما يجري حاليًا هو عمليات عسكرية بقرار تنفيذي وليست إعلانًا رسميًا للحرب.
خلاف سياسي حول تفسير القانون
وأوضح الدكتور أيمن سمير، أن الديمقراطيين يتبنون تفسيرًا مختلفًا، إذ يعتبرون أن العمليات العسكرية بدأت منذ أواخر فبراير الماضي، وبالتالي تجاوزت المدد الزمنية المنصوص عليها، وهو ما يستوجب وقفها، إلا أن جميع المحاولات التي قادها الديمقراطيون داخل الكونجرس لإجبار الإدارة الأمريكية على إنهاء العمليات العسكرية أو تقييد صلاحيات الرئيس لم تحقق النجاح حتى الآن.
تمويل الحرب.. نقاش وليس صدامًا
وأكد الخبير في الشأن الأمريكي، أن تمويل العمليات العسكرية لن يتحول إلى نقطة صدام حقيقية بين الكونجرس والبيت الأبيض، لأن الكونجرس لا يستطيع عمليًا حجب التمويل عن الجيش الأمريكي أثناء العمليات العسكرية، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات سياسية وشعبية كبيرة.
وأضاف أن الخلاف يظل سياسيًا وإعلاميًا أكثر منه دستوريًا، حيث يستغل الديمقراطيون ارتفاع تكلفة الحرب، التي تجاوزت مئات المليارات من الدولارات، واستمرارها لفترة أطول مما أعلنته الإدارة الأمريكية، لتعزيز خطابهم السياسي استعدادًا للانتخابات النصفية المقبلة.
الكونجرس يظل صاحب الكلمة في إعلان الحرب
وشدد سمير على أن أي رئيس أمريكي، مهما بلغت شعبيته أو نفوذه، لا يستطيع تجاوز الكونجرس، باعتباره المؤسسة التي تمثل إرادة الشعب الأمريكي، موضحًا أن الرئيس ترامب يمتلك تأثيرًا واسعًا داخل الحزب الجمهوري، لكنه يواجه أيضًا معارضة قوية من الديمقراطيين والتيارات الليبرالية وعدد من مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة.
واختتم بالتأكيد على أن الرئيس الأمريكي قد يسعى إلى استغلال المساحات القانونية والصلاحيات التي يمنحها له الدستور لتحقيق أهدافه السياسية، إلا أن ذلك لا يعني امتلاكه صلاحية تجاوز الكونجرس أو إلغاء دوره الدستوري في القضايا الكبرى، وعلى رأسها إعلان الحرب.
الكونجرس يفتح مواجهة دستورية مع ترامب
وفي إطار آخر، قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، إن التساؤل حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أصبح فوق سلطة الكونغرس يعكس أزمة دستورية وقانونية دولية مزدوجة، تتداخل فيها إشكاليات الشرعية الداخلية الأمريكية مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وأوضح أن الكونجرس الأمريكي صنع في الرابع والعشرين من يونيو 2026 سابقة تاريخية غير مسبوقة، بعدما وافق مجلسا النواب والشيوخ لأول مرة منذ صدور قانون صلاحيات الحرب عام 1973 على قرار مشترك يطالب الرئيس بوقف العمليات العسكرية ضد إيران أو الحصول على تفويض من الكونغرس، وهو ما يعكس حجم القلق المتصاعد داخل المؤسسة التشريعية بشأن إدارة الحرب.
شرعية الضربات الأمريكية في ميزان القانون الدولي
وأضاف مهران أن المادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة تحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، فيما تمنح المادة 42 مجلس الأمن وحده سلطة الإذن باستخدام القوة العسكرية.
وأشار إلى أن الضربات الأمريكية التي استهدفت إيران، والتي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير 2026، نُفذت دون تفويض من مجلس الأمن، الأمر الذي يضعها في منطقة قانونية شديدة الجدل، خاصة أن الاستناد إلى المادة 51 الخاصة بحق الدفاع عن النفس يتطلب وقوع هجوم مسلح فعلي وتوافر شروط الضرورة والفورية، وهي شروط يرى أنها لم تتحقق بصورة كاملة.
تداعيات قانونية تمتد من الداخل الأمريكي إلى الساحة الدولية
وأكد أستاذ القانون الدولي العام، أن التداعيات القانونية لهذه العمليات تتوزع على ثلاثة مستويات رئيسية، فعلى المستوى الداخلي، يفرض قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 على الرئيس إخطار الكونجرس خلال 48 ساعة من إرسال القوات المسلحة، كما يُلزمه بإنهاء أي عمل عسكري بعد مرور 60 يوماً إذا لم يحصل على موافقة تشريعية، وهو ما أثار خلافاً واسعاً بعد إعلان ترامب انتهاء النزاع، بينما أكد معارضوه استمرار الانخراط العسكري.
وأضاف أن المستوى الثاني يتمثل في تراكم سوابق قانونية يمكن الاستناد إليها مستقبلاً أمام محكمة العدل الدولية، أما المستوى الثالث فيرتبط بالتداعيات الاستراتيجية، إذ يؤدي غياب الشرعية الدولية إلى إضعاف صورة الولايات المتحدة ويجعل من الصعب تشكيل تحالفات دولية طويلة الأمد.
حق إيران في الرد وحدود استخدام القوة
ولفت مهران إلى أن مسألة حق إيران في الرد العسكري تعد من أكثر الملفات تعقيداً من الناحية القانونية، موضحاً أن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تمنح الدول حق الدفاع عن النفس، إلا أن هذا الحق يظل مقيداً بشروط الفورية والضرورة والتناسب.
وأشار إلى أن أي رد عسكري يتجاوز هذه الضوابط، أو يمتد إلى استهداف دول ثالثة، قد يعرض إيران بدورها للمساءلة القانونية الدولية، مؤكداً في الوقت نفسه أن المواجهة الدائرة داخل الكونجرس، رغم طابعها السياسي، تعكس تمسك المؤسسات الديمقراطية الأمريكية بمبدأ عدم إعلان الحروب بقرار فردي، انسجاماً مع أحكام الدستور الأمريكي وروح ميثاق الأمم المتحدة.