البنية الهشة لأمن الطاقة العالمي
في مسرح الجيوسياسة المعاصرة، نادراً ما توجد أدوات ضغط تتمتع بذات القوة المطلقة، أو القدرة الفائقة على إشعال الأزمات، التي تملها الممرات البحرية الاستراتيجية. اليوم، يتدلى الاقتصاد العالمي من خيط رفيع مشدود بصرامة عبر ممرين بحريين ضيقين: مضيقي هرمز وباب المندب.
لم تعد هذه المضائق مجرد تفاصيل جغرافية عابرة، بل تحولت إلى أسلحة استراتيجية ضاربة في ظل ظلال الحرب المستعرة على إيران. إنها نقاط الاحتكاك الكبرى حيث تقابل القدرات العسكرية الهشاشة الاقتصادية، لتكشف عن الحدود الصارمة للهيمنة الأمريكية، وتجبر القوى الإقليمية على خوض مناورات دفاعية شديدة الخطورة.
فخ الخليج: طريق مسدود لا مفر منه سوى هرمز
بينما سعت المملكة العربية السعودية إلى تخفيف مخاطرها النفطية عبر ضخ الخام إلى منفذها الغربي على ساحل البحر الأحمر عبر ميناء ينبع، فإن بقية دول مجلس التعاون الخليجي لا تملك هذه الرفاهية مطلقاً. فبالنسبة لدول مثل الإمارات العربية المتحدة، والكويت، وقطر، والبحرين يظل مضيق هرمز الشريان الاقتصادي والحيوي الأبدي الذي لا غنى عنه.
ونظراً لأن التكوين الجغرافي لمنطقة الخليج لا يترك أي بدائل برية مجدية لتصدير أحجامها الهائلة من النفط والغاز الطبيعي المسال، فإن هذه الدول تبدو محاصرة بحرياً بالكامل. إن كل برميل نفط وكل قدم مكعب من الغاز متوجه إلى الأسواق الدولية مجبر على المرور عبر هذا الإبرة المائية.
تتضاعف هذه الهشاشة بفضل الخصوصية الجيوسياسية الفريدة للمضيق نفسه؛ ففي أضيق نقاطه، لا يتجاوز عرض الممر البحري 21 ميلاً بحرياً، وهو مقسم بالكامل بين المياه الإقليمية لكل من إيران شمالاً وعُمان جنوباً، دون ترك أي ممر محايد للمياه الدولية المفتوحة.
ولاستثمار هذه الجغرافيا الفريدة، تحركت طهران ومسقط لترسيخ بروتوكول إداري مشترك ومشرف على الممر. فالممرات الملاحية للنافذتين الواردة والصادرة تخضع مباشرة للإشراف المشترك للسيادة الإيرانية والعُمانية. ومن خلال التنسيق المشترك لحركة الملاحة وبروتوكولات الأمان، تملك إيران وعُمان مفاتيح خزينة الطاقة العالمية، محوّلتين مسار الشحن الدولي التاريخي إلى ممر إجباري يخضع لرقابة ثنائية صارمة.
الالتفاف عبر البحر الأحمر ومعضلة الحصار المتبادل
في موازاة ذلك، تواجه محاولات السعودية لتفعيل ممر التصدير الشرقي-الغربي عبر ميناء ينبع عقبات حتمية على ضفاف البحر الأحمر، الذي تنحشر السفن القادمة إليه عبوراً من مضيق باب المندب الواقع تحت نفوذ حركة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن.
القيود الحوثية: بفضل العناد التكتيكي والقدرات النوعية، نجح الحوثيون في فرض حصار عملي مضاد لحركة الملاحة المرتبطة بإسرائيل، محولين البوابة الجنوبية للبحر الأحمر إلى منطقة شديدة الخطورة.
الحصار المضاد: في المقابل، شدد التحالف بقيادة السعودية قبضته الاقتصادية عبر فرض حصار محكم حول الموانئ اليمنية، وعلى رأسها ميناء الحُديدة، في محاولة دؤوب لخنق القدرات العسكرية واللوجستية للحركة.
يكشف هذا الصراع البحري المتبادل عن حقيقة قاسية: فحتى لو وفر ميناء ينبع متنفساً جزئياً، فإنه يعجز كلياً عن استيعاب التدفق الهائل للنفط الذي يمر تقليدياً عبر هرمز. وعليه، تبقى منظومة الطاقة الخليجية برمتها مكشوفة وعرضة للارتجاج.
الواقع التكنولوجي الصارم.. وما الذي يرمي اليه دونالد ترامب؟
تتمترس خلف هذه الديناميكيات البحرية رادعة عسكرية أشد قسوة تتمثل في البنية العسكرية الإيرانية المتطورة. فعلى الرغم من الخطابات التصعيدية المتكررة القادمة من واشنطن، يسيطر تردد استراتيجى واضح على أروقة البيت الأبيض.
يتمركز الهدف الأكبر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول فرض الهيمنة المطلقة، ساعياً لإجبار طهران على الاستسلام الكامل، وتجفيف منابع شبكة وكلائها الإقليميين، وتقويض طموحاتها النووية عبر سياسة الضغط القصوى والدبلوماسية الخشنة. بيد أن الواقع التكتيكي على الأرض يتباعد بشدة عن هذه الطموحات السياسية. فعقود من التطوير العسكري غير المتماثل أثمرت عن ترسانة إيرانية هائلة، ترتكز على صواريخ باليستية متقدمة شهدناها في حربي العام الماضي والحالي، والتي من الواضح أنها أصبحت أكثر تطوراً هذه الفترة، فرأيناها مزودة بتكنولوجيا مناورة حديثة صُممت خصيصاً لتضليل واختراق أنظمة الدفاع الجوي الغربية المتقدمة، وأبرزها منظومات ثاد (THAAD) وباتريوت (Patriot).
لقد أسفر هذا التطور عن نجاح غير متوقع لاستهداف القواعد الأمريكية في العراق والخليج والأردن، وهو ما كشفت عنه بوضوح تقارير موثقة وصور للأقمار الصناعية عالية الدقة نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” ومنصات تحليل دفاعية مستقلة، وسط تعتيم رسمي من الإدارة الأمريكية.
أظهرت هذه البيانات أن الضربات الصاروخية الدقيقة ألحقت أضراراً بالغة أو دمرت ما لا يقل عن 228 منشأة وقطعة معدات في نحو 15 موقعاً وقاعدة عسكرية أمريكية رئيسية في المنطقة، مستهدفة بدقة “العصب الديجيتال” وعقد الاتصالات الحساسة وقباب الحماية الرادارية ومحطات رصد منظومات “ثاد” و”باتريوت” في قواعد حيوية مثل العديد في قطر، والأسطول الخامس في البحرين، وقواعد في الكويت والإمارات والأردن، وهو ما أجبر القيادة المركزية الأمريكية على إعادة تموضع وتقليص أعداد القوات في تلك النقاط الأمامية.
ومما يزيد من عمق هذه المعضلة هو الأزمة الهيكلية التي يعاني منها المجمع الصناعي العسكري الأمريكي؛ فقد أدت النفقات الكثيفة والحروب الممتدة في مسارح متعددة إلى استنزاف حاد في مخزونات الدفاع الاستراتيجية:
تشير التقديرات إلى أن الجيش الأمريكي استهلك نسبة ضخمة من مخزونه النادر من صواريخ ثاد الاعتراضية.
واجهت مخزونات صواريخ باتريوت تقليصاً خطيراً مماثلاً، مما ترك الولايات المتحدة وحلفاءها الخليجيين عرضة لهجمات تشبع صاروخي محتملة.
مع بطء معدلات إعادة الإنتاج والتعويض، التي لا تلبي سوى نسبة ضئيلة مما يتم استهلاكه شهرياً، فإن خوض حرب اختيار موسعة ضد طهران يحمل في طياته مخاطر هيكلية غير محسوبة العواقب.
مأزق استراتيجي لا فكاك منه!
أفضى التقاطع الحاصل بين المضائق المغلقة، والسيطرة الثنائية على هرمز، والترسانة الصاروخية الإيرانية المتطورة التي الحقت الضرر بالبنية التحتية للقواعد الأمريكية، إلى جانب شح الصواريخ الاعتراضية، إلى مأزق استراتيجي عميق. تتردد واشنطن في شن ضربات واسعة لأن الحسابات المجردة لأي حرب شاملة لا تخدم مصالحها؛ فأي سوء تقدير قد يجرد المنطقة من آخر أغطيتها الدفاعية ويهوي بأسواق الطاقة العالمية إلى قاع المجهول.
في نهاية المطاف، لم يعد كلاً من مضيقا هرمز وباب المندب مجرد مجرى مائي عادي، بل صارا مؤشرين تشخيصيين لطبيعة التحولات في النظام الدولي؛ عالم لم يعد فيه بمقدور القوى العظمى إملاء شروطها دون دفع فادح لتكلفة الصواريخ الموجهة والموانئ الموصدة.
وحتى تعود الدبلوماسية لتحل محل لغة الردع، سيظل الاقتصاد العالمي بأكمله رهينة لهذه المضائق المشتعلة.