تتجه أنظار المؤسسات الدولية والدول المانحة نحو الأرقام الفلكية التي خلفتها الحرب في قطاع غزة، إذ تُقدر أحدث التقارير الأممية والدولية حجم الاحتياجات التخمينية لتعافي وإعادة إعمار القطاع بنحو 71 مليار دولار. الرقم يعكس حجماً غير مسبوق من الدمار الذي يفرض تدفق ملايين الأطنان من مواد البناء، واستقدام أسطول من المعدات الثقيلة، وإعادة تدوير الركام، وإنشاء موانئ ومراكز لوجستية إقليمية بديلة.
وفي ظل هذا التحدي الهائل، يثور السؤال الجوهري: من يملك المفتاح السياسي والمالي لمنح عقود الإعمار؟ ومن أين ستدخل المواد والمعدات؟ وما طبيعة المنافسة المرتقبة بين الشركات المصرية والأجنبية؟ وكيف تحمي مصر أمنها القومي وتستثمر موقعها دون التنازل عن دورها التاريخي؟
“القصة” يفتح ملف “كعكة الإعمار” والشروط الجيوسياسية المعقدة، وتستعرض التحليل السياسي والاقتصادي لكل من: القيادي الفلسطيني الدكتور أيمن الرقب، وسفير فلسطين السابق بركات الفرا، والخبير الاقتصادي د. خالد الشافعي.
هل يُسبق “الإعمار” بنزع السلاح؟
قال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية والقيادي في حركة فتح، في حديثه لـ”القصة”، إن الحديث عن عملية الإعمار بمدلولها الشامل يُعد أمراً سابقاً لأوانه في الوقت الراهن نظراً لأن بدء المشاريع الميدانية يرتبط بشكل وثيق بملفات أمنية وسياسية معقدة على الأرض.
وأكد الرقب أن المعادلة الميدانية أصبحت صريحة وواضحة التسلح والانسحاب، ترتبط عملية الإعمار تلازماً بنزع أو تنظيم السلاح في غزة بشكل متدرج بالتزامن مع خطوات الانسحاب الإسرائيلي، لتأتي مرحلة البناء لاحقاً.
وأوضح أن الترتيبات تنص على تشكيل “لجنة إدارية مؤقتة” لإدارة الشؤون الوظيفية والحياتية بالقطاع دون مهام سياسية، على أمل الوصول لانتخابات آتية تعيد توحيد النظام السياسي بين غزة والضفة الغربية، الموقف المصري الاستثنائي، شدد الرقب على أن مصر تُعد من أكثر الدول التي لا تبحث عن غنائم أو امتيازات خاصة من دعم القضية الفلسطينية، بل تتعامل معها كملف أمن قومي وثابت تاريخي، معتبراً أن تدويل الدعم وتوفير المظلة الدولية أمر مرحب به لإعادة الأمل للشارع الغزي.
الفيتو الأمريكي الإسرائيلي ومنافسة الشركات على المعابر
من جانبه، قال السفير بركات الفرا، سفير فلسطين السابق بالقاهرة، لـ”القصة”، إن الصورة التمويلية والتنفيذية للإعمار لم تتضح معالمها النهائية بعد، مشيراً إلى أن المسألة برمتها رهينة الموافقة الإسرائيلية الأمريكية وتوفير التمويل اللازم.
وأوضح الفرا، أن الإعمار سينفذ على مراحل متدرجة وفي مناطق جغرافية تتوافق عليها إسرائيل ويتاح لها التمويل، مستعرضاً أبعاد المنافسة والاشتراطات، تحكم واشنطن وتل أبيب، كما أكد أن الفلسطينيين لا يملكون ترف التحكم بالتدفقات المالية للجهات المانحة، حيث تفرض أمريكا وإسرائيل سيطرة واسعة على آليات الصرف ودخول المستلزمات.
وأشار الفرا، إلى أن الشركات المصرية ستواجه منافسة شرسة من شركات أمريكية، إسرائيلية، تركية، وعربية، إلا أن مصر تحتفظ بالأفضلية بحكم الجوار الجغرافي، والتاريخ الممتد، والثقل الإقليمي، وان البوابة اللوجستية تُعد شبه جزيرة سيناء ومعبر رفح (إلى جانب المعابر التجارية) نقطة الارتكاز المباشرة لنقل ملايين الأطنان من مواد البناء، الوقود، والآلات الثقيلة.
صراع التمويل والهيمنة
وحول الجانب الاقتصادي والهيكلي لأكبر عملية إعادة بناء بالمنطقة، قال الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي، في حديثه لـ”القصة”، إن توزيع أموال الإعمار لن يكون بيد طرف واحد، بل سيخضع لشد وجذب معقد بين المؤسسات الدولية كالبنك الدولي والدول المانحة التي تسعى لفرض شروطها وتوجيه الإنفاق.
وحذر الشافعي من تحول التمويل إلى “مصيدة ديون” أو أداة للهيمنة الاقتصادية إذا اعتُمد على القروض المشروطة، مفصلاً الرؤية الاقتصادية في المحاور التالية:
الفرصة والميزة المصرية: أكد أن مصر هي المرشح الأول للاستفادة المباشرة بحكم القرب الجغرافي، وتوفر مواد البناء (الأسمنت والحديد)، والكوادر الهندسية والخدمات اللوجستية، مما يجعل سيناء مركزاً لوجستياً محاورياً للعملية، بشرط انخفاض المخاطر التشغيلية وتكاليف التأمين.
تدوير الركام وإعادة التصميم
أوضح أن حجم الدمار يفرض عدم بناء غزة على نمطها القديم المستهلك، بل الاتجاه نحو “اقتصاد إنتاجي” يتضمن إعادة تدوير ملايين الأطنان من الركام وتحويلها لمواد بناء، وإقامة مناطق صناعية وتجارية وتحديث قطاعات الصيد والزراعة، وشدد الشافعي على ضرورة وضع ضوابط رقابية وطنية تشترط مشاركة الشركات والعمالة الفلسطينية والمصرية، لمنع استحواذ المكاتب الاستشارية والشركات العابرة للقارات على النصيب الأكبر من المنح وتدحرج الأرباح للخارج.