بينما تتحدث الدولة عن بناء اقتصاد قائم على المعرفة والاستثمار في الكفاءات البشرية، يقف آلاف من حملة الماجستير والدكتوراه وأوائل الخريجين أمام ملف لم يُحسم بعد؛ سنوات من المطالبات والقرارات والمناقشات البرلمانية، يقابلها انتظار طويل لمعرفة: متى تتحول الدرجات العلمية التي حصلوا عليها إلى فرصة حقيقية للاستفادة منهم داخل مؤسسات الدولة؟
عاد الملف مجددًا إلى أروقة مجلس النواب، بعدما فتحت طلبات الإحاطة المقدمة من عدد من النواب الباب أمام إعادة مناقشة مصير حملة المؤهلات العليا، في وقت لا تزال فيه عملية حصر أعدادهم مستمرة، انتظارًا للبيانات التي تجمعها الجامعات تمهيدًا لاتخاذ خطوات بشأن مستقبلهم.
ولا يطرح النواب القضية باعتبارها مطالبة جماعية بالتعيين فقط، وإنما باعتبارها ملفًا يتعلق بكيفية إدارة الدولة لكفاءاتها العلمية، وما إذا كانت تمتلك خريطة واضحة لربط هذه التخصصات باحتياجات الجهاز الإداري والجهات البحثية والمشروعات المختلفة.
إيهاب منصور: قرارات سابقة لم تتحول إلى تنفيذ
قال النائب إيهاب منصور إن القرارات والمطالبات الخاصة بحملة الماجستير والدكتوراه خلال السنوات الماضية لم تصل إلى مرحلة التنفيذ بالشكل المأمول، موضحًا أن عملية حصر أعداد الحاصلين على الدرجات العلمية العليا بدأت قبل عدة أشهر، عقب تحرك المجلس الأعلى للجامعات لإجراء حصر شامل.
وأضاف أن بعض الجامعات تواصلت بالفعل مع الحاصلين على الماجستير والدكتوراه لاستكمال بياناتهم، معتبرًا أن هذه الخطوة يمكن أن تمثل بداية لتحريك الملف بعد فترة طويلة من الجمود.
وانتقد منصور طول الفترة التي استغرقها الحصر، مشيرًا إلى أن إطلاق منصة إلكترونية لتسجيل البيانات كان من الممكن أن يختصر الإجراءات وينتهي من جمع المعلومات خلال فترة وجيزة.
وأوضح أن مجلس النواب ينتظر نتائج الحصر مع انطلاق دور الانعقاد الجديد، مؤكدًا أنه حتى الآن لم يصدر قرار جديد بشأن تعيين حملة الماجستير والدكتوراه في الجهاز الإداري للدولة.
رضا عبدالسلام: الاستفادة منهم ليست عبئًا على الموازنة
ويرى النائب رضا عبدالسلام أن الاستفادة من حملة الماجستير والدكتوراه داخل مؤسسات الدولة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عبئًا إضافيًا على الموازنة العامة، مؤكدًا أن توظيف الكفاءات العلمية يمكن أن يسهم في رفع كفاءة الجهاز الإداري وتحسين مستوى الأداء.
وأوضح أن وجود احتياجات وظيفية وتخصصية داخل بعض الجهات، بالتزامن مع وجود كوادر حاصلة على مؤهلات علمية متقدمة، يستدعي البحث عن آلية تربط بين الجانبين بدلًا من بقاء هذه الكفاءات خارج منظومة الاستفادة الفعلية.
وطالب بسرعة الانتهاء من حصر الأعداد والتخصصات، ثم الانتقال إلى خطوة أكثر وضوحًا تحدد كيفية التعامل مع هذه الفئة، بما يضمن توظيف خبراتها وفق احتياجات الدولة بدلًا من استمرار حالة الانتظار المفتوحة.
40 طلب إحاطة تنتظر حسم مصير حملة المؤهلات العليا
من جانبه، كشف النائب مصطفى البنا عن وجود نحو 40 طلب إحاطة تتعلق بأوضاع حملة الماجستير والدكتوراه وأوائل الخريجين، مشيرًا إلى أن حسم هذه الطلبات ارتبط بانتهاء عملية حصر أعداد أصحاب الدرجات العلمية العليا.
وأوضح أن هناك حالة من الترقب داخل البرلمان بشأن الخطوة التالية بعد انتهاء الحصر، خاصة أن عددًا من النواب كان يعول على أن تقود هذه الخطوة إلى قرار جديد بشأن الاستفادة من هذه الكفاءات.
وانتقد البنا بطء الإجراءات المرتبطة بجمع البيانات، مؤكدًا أن الاعتماد على آلية إلكترونية مباشرة كان من شأنه تسريع عملية التسجيل والوصول إلى قاعدة بيانات شاملة في وقت أقل.
وأشار إلى أن مجلس النواب بدأ بالفعل في مناقشة عدد من طلبات الإحاطة المرتبطة بالملف، في وقت لا يزال فيه مصير حملة الماجستير والدكتوراه وأوائل الخريجين غير محسوم.
هاني شحاتة: القضية تتجاوز فكرة التعيين
وأكد المهندس هاني شحاتة أن إعادة طرح الملف داخل البرلمان يجب ألا تُختزل في المطالبة بتوفير وظائف، وإنما ينبغي النظر إليه باعتباره قضية مرتبطة باستثمار الكفاءات العلمية المتاحة للدولة.
وأوضح أن عددًا من النواب تقدموا بطلبات إحاطة بشأن أوضاع حملة الماجستير والدكتوراه، مطالبًا بوضع آلية محددة للاستفادة من تخصصاتهم، سواء من خلال مسابقات التوظيف أو إتاحة فرص داخل الوزارات والجهات التي تحتاج إلى هذه الخبرات.
وأشار إلى وجود احتياجات في عدد من مؤسسات الدولة يمكن أن تسهم الكفاءات العلمية في تلبيتها، لافتًا إلى خطاب صدر عن المجلس الأعلى للجامعات في مارس 2026 بشأن حصر حملة الماجستير والدكتوراه وأوائل الخريجين تمهيدًا لبحث سبل الاستفادة منهم.
وشدد شحاتة على أن نطاق الاستفادة من هذه الفئة يمكن أن يمتد إلى المراكز البحثية والمشروعات القومية والقطاع الخاص، بدلًا من قصر النقاش على التعيين في الجهاز الإداري.
واعتبر أن أصحاب الدرجات العلمية العليا يمثلون موردًا بشريًا يمكن توظيفه في ملفات حديثة تحتاج إلى تخصصات دقيقة، من بينها الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية والمشروعات التنموية.