لطالما تفاخرت مؤسسات الإعلام الغربي ووكالات الأنباء الدولية بتمسكها الصارم بقيم الموضوعية والحياد، مقدمةً نفسها كحارس أمين للحقيقة المطلقة، إلا أن حرب الإبادة الجماعية التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة جاءت لتشكل اختبارًا قاسيًا أسقط الأقنعة عن وجه هذا النظام الإعلامي.
لم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية على الأرض، بل كانت في جوهرها معركة هيمنة على الرواية؛ معركة أثبتت فيها وكالات الأنباء الكبرى أنها ليست مجرد ناقل للأحداث، بل هي أداة هيكلية في ترسانة القوة الغربية، وُظفت لتبرير الانتهاكات وتغييب الضحية، وفي ضوء النظريات الإعلامية والسياسية، يمكن تفكيك هذا التناول الإخباري وتحليل أبعاده العميقة.
حراسة البوابة واحتكار التدفق الإخباري
تُعد نظرية حارس البوابة (Gatekeeping) المدخل الأول لفهم كيف تدير وكالات الأنباء الدولية تدفق المعلومات. خلال حرب غزة، مارست هذه المؤسسات (مثل رويترز، وأسوشيتد برس، وفرانس برس) فرزًا انتقائيًا صارمًا للأخبار، بحيث تتوافق مع السياسات التحريرية التي تتبنى ضمنًا الرواية الإسرائيلية.
تجلى هذا بوضوح في التعامل مع المصادر؛ حيث اعتمدت بيانات المتحدث العسكري الإسرائيلي كحقائق أولية لا تقبل الشك، في حين خضعت المصادر الفلسطينية لتشكيك منهجي مبرمج. إن الإصرار على إرفاق مصطلح (وزارة الصحة التي تديرها “ح”) عند إعلان أعداد الضحايا، لم يكن إجراءً مهنيًا اعتياديًا، بل استراتيجية لزرع الشك في وعي المتلقي الغربي وتقويض مصداقية الأرقام الكارثية، وهو ما يكرس اختلالًا استعماريًا في التدفق الإخباري، يعطي الأولوية لرواية الجلاد على حساب أنين الضحية.
نظرية التأطير والانحياز الدلالي
تفسر نظرية التأطير (Framing) كيف يتم انتقاء جوانب معينة من الحدث وإبرازها لتوجيه فهم الجمهور. لقد صممت غرف الأخبار الدولية أطرًا لغوية ودلالية بالغة الخطورة لخدمة السردية الإسرائيلية.
- المبني للمجهول وتبرئة الفاعل: استُخدمت لغة ناعمة ومبنية للمجهول عند الحديث عن الفلسطينيين (مثل: ماتوا، فقدوا حياتهم، أو سقطوا إثر انفجار)، في مقابل استخدام لغة حازمة ومبنية للمعلوم عند الحديث عن الإسرائيليين (قُتلوا بدم بارد، ذُبحوا). هذا التلاعب اللغوي يهدف إلى إعفاء الاحتلال من المسؤولية الجنائية وتصوير موت الفلسطينيين وكأنه كارثة طبيعية بلا فاعل.
- نزع السياق التاريخي: تم تأطير الأحداث وكأنها بدأت فجأة في السابع من أكتوبر، مع التغييب المتعمد لمصطلحات تأسيسية مثل “الاحتلال، الفصل العنصري، والحصار”.
- أنسنة مقابل شيطنة: تم تخصيص مساحات واسعة لسرد القصص الإنسانية للإسرائيليين، بينما قُدّم الفلسطينيون ككتلة بشرية مبهمة، أو مجرد أرقام وأضرار جانبية، مما يسهل على العقل الغربي تقبل إبادتهم دون شعور بالذنب.
صناعة الموافقة والتواطؤ الحكومي الدولي
لا يمكن فصل هذا الأداء الإعلامي عن الموقف السياسي للمجتمع الدولي. وفقًا لنموذج صناعة الموافقة (Manufacturing Consent)، الذي صاغه إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي، فإن وظيفة الإعلام في النظم الرأسمالية هي تمرير سياسات النخبة وتبريرها.
إن الصمت المطبق، بل والتواطؤ العسكري والدبلوماسي للحكومات الغربية إزاء جرائم الإبادة، كان يحتاج إلى غطاء أخلاقي، وقد وفرت وكالات الأنباء الدولية هذا الغطاء بامتياز من خلال تبني إطار حق إسرائيل في الدفاع عن النفس. لقد كان هذا التواطؤ الإعلامي هو الدرع الذي احتمت خلفه الحكومات الغربية لتبرير تقاعسها أو دعمها المباشر للاحتلال أمام برلماناتها، مما يثبت أن الإعلام لم يفشل مهنيًا، بل نجح وظيفيًا في تأدية دوره كأداة إمبريالية لحماية مصالح دول المركز.
الهيمنة المضادة وانتفاضة الجماهير الرقمية
رغم هذا الحصار الإخباري المحكم، شهدت هذه الحرب تحولًا تاريخيًا تجلى في فشل الماكينة الإعلامية الغربية في السيطرة على الوعي الجماهيري، خاصة لدى الأجيال الشابة، مستندين إلى مفهوم المجال العام البديل والهيمنة المضادة، حيث تمكن المواطنون والصحفيون الفلسطينيون من استخدام هواتفهم الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي كوكالات أنباء بديلة تنقل الحقيقة الخام بلا فلاتر مؤسساتية.
هذا التدفق المباشر للمعلومات والدموع والدماء حطم جدران حارس البوابة التقليدي، وأحدث زلزالًا في العواصم الغربية وفي قلب الجامعات الأمريكية المرموقة. لقد اكتشف الجمهور الغربي حجم التضليل الذي مارسته حكوماته ووسائل إعلامه لعقود، فخرج في مظاهرات مليونية غير مسبوقة تناصر الحق الفلسطيني وتدين التواطؤ الرسمي، مما أسقط احتكار الرواية وأسس لوعي عالمي جديد يتجاوز سطوة المؤسسات التقليدية.
ستسجل حرب الإبادة على قطاع غزة في أدبيات الإعلام والعلوم السياسية بوصفها نقطة اللاعودة التي انهار عندها التفوق الأخلاقي المزعوم للإعلام الغربي. لقد أثبت التناول الإخباري لوكالات الأنباء الدولية أن الانحياز للاحتلال الإسرائيلي تخطى الهفوة التحريرية أو الخطأ في التقدير، إلى العقيدة الراسخة التي ترفض الاعتراف بإنسانية الآخر، وهي جزء لا يتجزأ من بنية سياسية استعمارية. ومع ذلك، فإن النصر في هذه المعركة تمثل في تمرد الشعوب وولادة إعلام بديل حرر العقول من قيود السردية الموجهة؛ ليثبت أن الحقيقة المضمخة بالدماء أقوى من كل ترسانات الدعاية والتضليل، وأن احتكار صناعة الوعي قد انتهى إلى غير رجعة.